كان على المنضدة المصنوعة على الطراز اليابانى موقد يغلى فوقه وعاء من الشاى وبجانبه فنجانان وزجاجة من الروم
وكانت الكونتس تراقب صنعه وهى تنظر إلى وجهها فى المرآة وترتب شعرها حين دخل الكونت " دى سالور " فرى بقفازيه وألقى قبعته . وابتمت الكونتس ابتسامة سرور عندما التفتت إليه وأصابعها الصغيرة البيضاء ترفع عن جبينها الناصع خصلة من الشهر الذهبى . ونظر إليها مترددا فى القول كأن خاطرا هاما يشغل ذهنه ثم قال : " هل وجدت الالتفات الكافي فى هذه الليلة؟ " فقالت الكونتس " أرجو ذلك "
ثم تناول مقعدا وجلس أمامها وأمسك بقطعة من الكعك وقال : " لقد كان ذلك التصرف محزناً " فقاطعته قائلة : " وما الذى كنت تريد ؟ هل كان يحسن أن يضحك الناس منا؟ "
قال : " كلا يا عزيزتى ؛ ولكننى أعني انه لم يكن يليق أن يأخذ المسيو دى بروبل بذراعك ويذهب . ولو كان من حقي أن أمنعه إذ ذاك لمنعته " فقالت : " كن طويل البال . إن آراءك اليوم ليست كآرائك من عام . وهذا كل ما فى الموضوع . ولما رأيتك تتخذ خليلة ورأيت الحب بينكما ظاهراً اعتقدت أنه
لايسوءك أن يلتفت إلى إنسان . وقد شكوت إليك ذلك الحين كما تشكو إلى الآن . ولكنتى كنت أكثر حكمة منك , فقلت : إن علاقتك بمدام دى سيفرى تسبب لك ألماً . وقلت لك إنك تعرض نفسك للاستهزاء .فماذا كان جوابك ؟ لقد قلت لى فى صراحة إنك حر , وإن الزواج فى نظر الطبقات الراقية إنما هو مظهر اجتماعي وليس عقداً أدبيا . ألم يكن هذا جوابك ؟ وأفهمتنى أن خليلتك أفضل منى وأرق أنوثة - لقد كان هذا هو تعبيرك ( أرق أنوثة ) واتفقت منذ ذلك العهد معي على أن نعيش فى منزل واحد على أن يكون كل منا منفصلا عن الآخر تمام الانفصال , ولم تكن بيننا رابطة إذ ذاك سوى أبننا الذى يتربى بيننا ، وقلت لى فى جلاء إنك لا تعنى إلا بالمظاهر . إن لي أن أتخذ خليلا على شرط أن يبقى الأمر مكتوما . ثم كلمتنى عن مهارة النساء فى التستر الخ . وإننى لأفهم مركزك تمام الفهم , فقد كنت فى ذلك الوقت مدلها بحبك لمدام دى سيفرى وكنت ترى عقد زواجنا الشرعى يحول بينك وبينها , وكنت ترى أيضا أنه لا مبرر لما تنفقه على من المال بسبب هذا العقد , ولهذين السببين كرهتنى وعشنا منفصلين . وكنا نستقبل الناس معا ولكن لكل منا مأواه فى المنزل . على أنك منذ شهر أو شهرين أخذت تمثل دور الغيرة فما معنى ذلك ؟
قال الزوج : "إنتى يا عزيزتى لا أمثل دور الغيرة , ولكني أخشى عليك تعريض نفسك للخطر فأنت صغيرة وأنت مخاطرة . وإننى أخاطبك كصديق وأرى فى القول الذى تقولينه كثيرا من المبالغة "
فقالت ": كلا , لامبالغة فى قولي , فأنت قد رخصت لى بأن أفعل مثل فعلك " قال : " أرجو... " فقاطعته قائلة : دعنى أتكلم . لقد رخصت لي بذلك ولكني لم أفعل , فليس لي خليل ولكنى منتظرة ، إنني أبحث ولكني لا أجده . إنني أريد ظريفا .
أريد أظرف منك ، إننى بالقول الذى قلته الآن أمدحك مديحاً لم تفطن إليه "
قال الزوج: ياعزيزتى إن كل ما تقولينه الآن مزاح لا محل له هنا " فقالت : "انني لست أمزح فإنك سمحت لنفسك بأن تكون من ذوي القرون "
قال الكونت متغيظاً مهتاجاً :" كيف تستعملين مثل هذه الألفاظ ؟ فقالت الزوجة :" كيف أستعملها ؟ أنت قد ضحكت ملء شدقيك لما قالت مدام دى سيفرى عن زوجها أنه من ذوى القرون "
قال :"ولكن اللفظ الذى يقبل من دى سيفرى لا يكون مقبولا منك " فقالت : " كلا , ولقد سرك هذا الوصف وأضحكك عندما قيل عن دى سيفرى , وهو الآن يسوءك عندما يقال عنك . وليس يهمنى هذا اللفظ بعينه وإنما أريد أن أعرف هل أنت الآن على استعداد ؟"
قال : " على استعداد لأى شئ ؟ " فقالت : " ألست على استعداد لتكون ممن يقال فيهم هذا الوصف ؟ إن الذى يضحك عندما يوسف أحد أمامه بهذا الوصف لا يعود إلى الضحك عندما يسمع هذه الكلمة بعد أن يصير هو نفسه متصفاً بها "
قال الكونت :" تعالى يا عزيزتى نتكلم بعقل ونبهى المسيو برويل إلى أن ما فعله الليلة غير لائق " فقالت : " إذن فأنت غيران "
قال : " كلا ولكن لا أحب أن أكون فى مركز مخز كالذى كنت فيه بالأمس " فقالت : " وهل شعرت بأنك تحبني فى وقت من الأوقات ؟"
قال : " إن الإنسان قد يحب من هى أقل بكثير منك فى الجمال " فقالت : " إذن فهذا شعورك نحوى ، لكنني لا أشعر نحوك بشيء من الحب "
فوقف الكونت ثم دار حتى صار خلف زوجته وقبل قفاها فالتفتت إليه وأبعدته عنها ونظرت إليه نظرة غضب
وقالت :" ليس بيننا شيء من ذلك . إننا منفصلان " قال : " تعالى يا عزيزتى .لا تغضبى فقد فتنت بك مدة
طويله ولك عينان ... " فقاطعته قائلة : عينان " تفتنان المسيو دى برويل "
قال :" أنت قاسية جداً وليس فى الدنيا أجمل منك " فقالت : " دعنى فأنت صائم "
قال : لست أفهم ماذا تعنين . فقالت : أعني أن الصائم يجوع , وأن الجائع يريد أن يأكل من أى شىء سواء وافقه فى وقت آخر أو لم يوافقه . وقد أهملتنى مدة طويلة ثم تريد أن تتذوقنى الآن
قال : لماذا يا عزيزتى تخاطبيننى بهذه اللهجة ؟ فقالت : لأنى أعلم أنه بعد انقطاع صلتك بمدام سيفرى أتخذت على التوالى أربع حليلات من بينهن خياطة وممثلة ولست أعلل مسلكك اليوم إلا بأنك صائم "
قال : " لا بل سأكون صريحا . إننى عدت إلى حبك وأحببتك إلى أقصى حد " فقالت : " لقد أخطأت قد انتهى كل شئ بيننا .ولست أنكر أننى زوجة , ولكنني زوجة لها الحرية الكاملة فى أن تفعل كل شئ . ولقد كنت الليلة مدعوة إلى موعد فإذا شئت فضلتك على صاحب الدعوة بنفس الثمن "
قال الزوج : " لست أفهم " فقالت : " سأفهمك ؛ فقل لى ألست جميلة مثل صاحبتيك الخياطة والممثلة ؟ "
قال : " أجمل منهما ألف مرة " فقالت :"أخبرنى بالحق كم أنفقت عليهما في ثلاثة أشهر ؟ "
قال : " لست أفهم " فقالت: " بكم اشتريت لهما حليا ومجوهرات ؟ وكم أنفقت فى المطاعم والمسارح؟" قال : " لست أستطيع أن أجيبك , ولكني أنفقت كثيرا " فقالت : " ألم يكن متوسط ما أنفقته على إحداهما فى الشهر خمسة آلاف فرنك ؟ " قال : " نعم وهذا تقدير معتدل " فقالت : " إذن
يا صديقي العزيز أنا أقبل بهذا الثمن أن تتخذنى خليلة مدة شهر يبتدئ من الليلة "
قال الزوج : " لا بد أن تكوني مجنونة يا مرغريت فقالت :" إذا كان هذا جوابك فأرجو أن تتركنى وتنصرف "
ثم وقفت الكونتيس ومشت نحو غرفة النوم فسكبت فى السرير زجاجة من العطر والتفتت فرأت الكونت واقفا بالباب وهو يقول ك " ما أجمل هذه الرائحة ! "
قالت :" هذه رائحة السرير العادية ولم يتغير شيء فى المنزل " فقال :" أصحيح هذا ؟ إنها لراحة زكية "
قالت :" ربما ! ولكن أرجو أن تترك الغرفة لأنى أريد أن أنام "
قال : " يا مرغريت ! " فأجابته : " اترك الغرفة ! ثم لم تعره التفاتا بل نزعت ثوبها فبدا ذراعان ملفوفان كأنهما مصنوعتان من العاج . ودنا منهما الكونت فقالت : " ابتعد وإلا أبعدتك . "
فزاد دنواً منها , ولكنها أظهرت الغضب , وتناولت زجاجة من زجاجات العطر ورمته بها فأخطاته ولكن العطر إنسكب فوق ثيابه فصاح :":هذا سوء أدب " فقالت : " دونك الشرط ... خمسة آلاف فرنك"...
قال ": أيدفع الزوج لزوجته الشرعية اجرا ؟ " فقالت :"إذا كان هذا حماقة فإن أشد الحماقات أن يدفع للخياطات والممثلات وله زوجة شرعية "
ثم جلست الكونتس على المقعد ونزعت جوربيها وأخذ ينظر إلى جمال رجليها ويقول : " إنها لفكرة مضحكة تلك التي تبدينها "
قالت : " أية فكرة ؟" فقال :" دفع خمسة آلاف فرنك " قالت :" ليس فى الدنيا شيء طبيعي أكثر من هذا
إن أحدنا غريب عن الآخر كما أردت أنت , وليس فى وسعك أن تتزوج منى لأننا متزوجان , وليس لك أن تعطينى أقل مما تعطيه للأخريات "
ثم قامت وقالت : " أرجو أن تخرج و إلا استدعيت الخادم لإخراجك "
فوقف الكونت واجماً مقدار لحظة ثم ألقى إليها بكيس نقوده وقال : " خذى هذا ففيه ستة آلاف فرنك " فضحكت وهى تتناول الكيس وقالت : " خمسة آلاف فرنك كل شهر . تذكر يا كونت وإلا فلتعد إلى خليلاتك . وربما ... ربما إذا أعجبتك الحال طلبت الزيادة

