الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 293الرجوع إلى "الثقافة"

الساعة، وهي مقطوعة من الوصف العبقري الرائع, هلال شعبان

Share

مع الزمان دائره     وبالحساب سائره

قد قنعت ناحية     منها وأخري حاسره

تحوي الزمان كله   أوله وآخره

تريك ما تعني به   من الزمان حاضره

آتيه في الغيب وما      مضي طول دائره

تبدأ حيث تنتهي     دائبة مثابره

تظل طول عمرها    قادمة مسافره

حائرة وهدبها     في أن تظل حائره

صديقها الرفق بها      كذات دل نافره

دعها تسر آمنة        من عنت أو بادره

إن لم تصن من عبث     مشت خطاها عاثره

إن صدقت فصدقها      توحيه غير آمره

أو كذبت فكذبها   بلا يمين فاجره

لسانها عقارب   تزحف غير غادره

حسبك من وفائها  نومك وهي ساهره

تحفها معالم      حول الطريق دائره

قد قدرت ما بينها    تلك العقول القادره

وغيرها كم أبدعت  من معجزات باهره

والله لولا علمنا   بها لقلنا ساحره

ياحسنها في المعصم ال    عاجي وهي سافره

معجزة الحسن بها      لكل عين ظاهره

أسيرة في طوقها     وكم تروح آسره

وكم تصاب مرة       بعلة مساوره

والصدق من طبيبها        بعد السماء العاشره

كم يدعي كسرا ولو   يصدق كان كاسره

أجرته على السقي     م والصحيح وافره

تري له عيادة      في كل حين عامره

لا يخرج الساعة إلا        كي تعود زائره

لما وقعت عيني أمس على الهلال ، وردد لساني علي  غير وعي مني انشودة الشهر الجديد : " هل هلالك ، شهر مبارك ، الخ . رأيت أصابعي تعبث في جيبي لعلها تصيب في حناياه شيئا من النقود الفضية ، كيما اري على وجهها هذا الهلال ، حتى يكون شهره شهر يمن وإقبال - ولكني ما كدت أفرغ من هذه المراسم حتى غشيتني كآبة أطرق لها رأسي ، ثم سبحت من ذكريات الماضي  في بحر عميق . .

تذكرت الظروف التي رأيت فيها هلال شعبان في  العام الماضي . فذكرت انى كنت اسير بعد الغروب بقليل في شارع مقفر في طرف من اطراف " العباسية . وكنت أخبط في الأرض ثقيل الخطا ، موجع القلب ، شارد اللب ؛ احمل في يدي حقيبة صغيرة فارغة ، ولكني أحمل في رأسي جعبة أوقرتها الهموم - وظللت ارفع قدما واضع اخري حتي وجدتني أقف إلي جانب الواقفين  أمام ) بوابة ( مقفلة من بوابات السكة الحديدية تعترض الطريق الذي كنت أسير فيه . . هناك رفعت رأسي المنكس ، فطالعني ذلك القوس المضيء في صفحة الافق  الغربي ، فأنكرته كما لو كنت لم أره قط قبل ذلك اليوم .

لم أكن أعرف من الأيام أسماءها في ذلك الحين ولم اكن اعرف منها تواريخها ، ذلك لاني كنت خاضعا في تلك الفترة من عمري لتقويم جديد - تقويم بدايته ذلك اليوم الذي ارتفعت حرارة ابني فيه إلى ٤٠ ، وقال لي الطبيب فيه إنه يجب أن انتظر ثلاثة أسابيع قبل ان أتطلع إلي أي تحسين ! - أربعون درجة تصهر هذا

 اللحم الغض والمخ الناعم ثلاثة أسابيع كاملة لو ترفقت بي  المقادير ، وإلا فإن المحنة تمتد إلي ما بعد هذه الأسابيع الثلاثة بأسبوع رابع وخامس وسادس أيضا ! فكنت منذ ذلك اليوم احسب الأيام فأقول إن هذا هو اليوم الرابع في الأسبوع الأول مثلا ، وإن غدا سيكون اليوم الخامس ، وهكذا . . ولم تكن من ايامي الجمعة ولا الأحد ، ولم يكن من شهوري اغسطس ولا شعبان . . ولذلك لم أكترث لهذا الهلال الذي طالعني وأنا أمام " البوابة " لأنه لم يكن ليعنيني ، ولأنه لم يكن في تقويمى الجديد - ولذلك ايضا لم استقبله بتلك الانشودة المأثورة ، ولم تمتد يدي إلي جيبي كدأبي منذ تنبهت لنفسي ، وكان لي جيب ، وكان هذا الجيب ينطوي علي شئ من النقود . .

في ذلك المساء خرجت من مستشفى الحميات ، حيث كنت اودعت ابني في الصباح بناء على مشورة الطبيب الخاص ؛ وكانت حال المريض قد بلغت من التعقد والخطورة حدا أوجب هذا الانتقال .

وكان مريضنا أعز الناس علينا ، لو سمعناه يعطس يوما  لبتنا ليلتنا مسهدين نترقب ما يطلع علينا به الصباح من خبر جديد ؛ ولو شكا مغصا لقرقرت امعاء اهل البيت أجمعين قبل أن يستوضحوه كيف يشكو وماذا يشكو ولو أرسلناه إلى الحديقة يوما يرتع ويلعب كما يفعل آترابه من الأطفال فجري ، فوقع ، فخدشت ركبته وعاد إلينا ) برجل مسلوخة ( لأفرغنا على جرحه كل ما عندنا من  مطهرات ، ولضمدناه بالشاش المعقم ، ولما كفانا ان نعرض امره بعد ذلك على اقل من على إبراهيم باشا . . فهذا هو الطفل الذي أراد له الله ان يضع رأسه في كيس من الثلج يعيش به شهرا او نحو شهر ، وهو لا يذوق من طعام أهل الدنيا غير الماء أو ما يشبه الماء

واقبل علينا الطبيب في صباح ذلك اليوم المشهود يقول إنه اتصل بإدارة المستشفى ، وإنهم سيرسلون إلينا بسيارتهم لحمل المريض حوالى الظهر . .

وكان على أم المريض أن ترافقه . وكان على أنا أن اذهب بعد ذلك إلى عملي الجديد في بلد بعيد جدا عن القاهرة . وكان في البيت اطفال آخرون لا يستطيعون ان يدبروا امر معاشهم . ولا كان من المستطاع ان نتركهم في رعاية الخدم ، لان الخدم لا يؤمنون في امثال هذه الظروف . ولم يبق لهذا الموقف إلا حل واحد يفرض نفسه علينا فرضا . . وهو ان تقيم الام مع ابنها في المستشفى ؛ وان يذهب الوالد إلي عمله في ذلك البلد النائي الذي لم يكن له معدي عن السفر إليه ؛ وان يقيم باقي لاطفال في بيوت الأقارب ، وأن يقفل البيت موقتا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا . .

وعلى هذا الأساس تمت التصفية . فجاء إلينا من اهلنا من استلم اطفالنا الاصحاء . وجاءت بعد ذلك عربة المستشفى لاستلام الوديعة الغالية ، فركبت مع الطفل امه . وركبت أنا مع الاثنين ، لأن الحمي التي كانت ترعي جسد الصغير وصل هجيرها إلى عقل الأم فأصبحت أولى منه بالعناية .

وفي المستشفى وجدنا كل شئ جديدا علينا . ولا يخفي ما تحدثه هذه النقلة من اضطراب نفسى ، ولو ريثما يعتاد الإنسان بيئته الجديدة . ناهيك بمن توفر لهم من أسباب  الاضطراب قبل ذلك ما لا يدع زيادة لمستزيد . فكانت تلك الساعات الست ، التى مرت بي بين دخول المستشفى ظهرا وبين إخراج عماله لي عند الغروب ، دهرا كاملا بكل  ما في طوق الدهر أن يحمله من محن وآلام . .

ومهما يكن من رجاحة عقل الإنسان ، ومهما تكن تفاهة ما قد يمر به في حياته من تجارب ، فإنه يقضي عليه في

أيام محنته حتى تتجسد في عينه الأشباح وتتحيز الأوهام ، ويملأ الأمر صدره قبل وقعته ، وبضيق به ذرعا إذا وقع ،  ويبتلي في نفسه بأشد مما تبتليه به المقادير .

وليس ينقذ الإنسان في أمثال هذه المواقف إلا رصيد طيب من خلق التفاؤل والصبر والإيمان بالله . وان يكون  من قبل قد راض نفسه على إدراك ان هذه الدنيا معبر  قصير يزدحم عليه العاطل والحالي علي السواء ، وهما في طريقهما من الأزلية إلى الأبدية ، ثم ينتهيان إلي نهاية قريبة واحدة . وإنه لفرط قصر هذا المعبر لا يكاد ينتفع الحالي  فيه بحليه ، ولا يجوز ان يتأذي العاطل فيه من عطله .  وإنه لذلك يجب ان يأخذ المرء من الدنيا ما تعطيه ثم يقنع  به . وإنه مادام بعيش مسيرا في الحياة غير مخير فمن الحكمة  ان يجعل شعاره : " إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون " .

طافت كل هذه المعاني برأسي المثقل وأنا اقف أمام " البواية " في انتظار مرور ذلك القطار ، الذي قطع علي وعلى غيري الطريق ، وإذا بقمقمة دواليبه وجلجلة حديده تقترب نحونا رويدا رويدا فتنبهني من تلك الغيبوبة التي  أغرقني فيها تفكيري . . وإذا بي أنفث من صدري نفسا عميقا كأنما زفرت به كل ما كان يعشش في حناياه من وساوس

وانطلقت بعد ذلك في طريقي حتى دخلت داري الخاوية  الموحشة ، فجعلت تحية نزولى فيها على هذه الصورة ركعتين صليتهما لله . وإني أحمده تعالى على ما آنس بهما من  وحشتي في تلك الليلة ، وما آمن من خوفي !

هذا هو تاريخ اليوم الأول من فترة قوامها ستون  يوما ، سار بنا موكبها الملىء بالحوادث حتى اشرفنا علي قباب . " حي الغفير " وكدنا نشرف على أقبائه ايضا ، لولا ان

تداركتنا رحمة الله بجرعة من الدم أجريناها في عروق  المريض وهو في اللحظة الأخيرة التي كان يرفع الموت فيها رايته البيضاء بعد جلاد شهرين متتالين . فوفقنا بذلك إلى  اجتذابه مرة اخري نحو هذا المعبر الفاني ليتم معنا رحلته عليه .

وإني لأعتذر عن تقدمي بهذا الحديث الخاص إلي أسرة الثقافة ، فإني لم أسقه إلا تبريرا لغيابي عنهم كل هذه  الشهور الطوال ، ولقد شعرت وانا اعود إليهم أن لابد لي من أن أقول في ذلك كلمة ، فكانت هذه هي كلمتي . ولعل حديثي معهم في المرة القادمة أن يكون أشرح للصدر ، وأروح للنفس من هذا الحديث

اشترك في نشرتنا البريدية