ظهر منذ أسابيع السجل الثقافى الثاني لسنة ١٩٤٩ . وقد أعجبنا منه أول ما أعجبنا المقدمة التى كتبها أستاذنا الدكتور محمد عوض محمد بك المدير العام للثقافة ، فهو يعترف فيها بما شاب السجل الأول من قصور ، وهو يشكر للناقدين نقدهم وتوجهاتهم ، ويصرح أن القائمين على السجل قد بذلوا الجهد كل الجهد لاستكمال النقص ، وأنهم أعادوا النظر في جميع الأبواب فأكملوا البعض وعصوا البعض الآخر ، كما أنهم أضافوا إلى السجل الثاني أبوابا جديدة رأوا أنها من مكملات التسجيل الثقافي ولوازمه . وأهم التغيرات التي أحدثت في السجل الثاني - إلي جانب استكمال النقص في الأبواب المختلفة - هو التغيير الذي أصاب باب الكتب ، فهذا الباب في السجل الأول كان أبعد ما يكون عن تحقيق الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه . ولكنه في وضعه الحالي قد قرب كثيراً من النموذج الذي تحب أن يكون عليه . فقد عدل القائمون على السجل عن النظام الجدولي القديم إلى نظام التعريف بكل كتاب ، بذكر نبذة قصيرة عنه تعطى القارئ فكرة سريعة عن الكتاب وموضوعه ومؤلفه أو مترجمه أو ناشره ، وعن عدد الأجزاء والصفحات ودور النشر والطبعات المختلفة . وهو جهد قيم يتفق والطريقة العلمية الصحيحة لوضع أمثال هذا السجل .
والسجل مع عنايته الفائقة - في طبعته هذه - بباب الكتب ، فإنه عنى كذلك عناية كبيرة بميادين النشاط الثقافي الأخرى ، فإنه لم يترك منها شاردة أو واردة إلا أحصاها ، فهو يتكون من أربعة عشر بابا ، خص كل ميدان من ميادين الثقافة باب منها ، فأنت تجد فيها نسجيلًا وإحصاء للكتب التي أخرجتها المطابع بعد تصنيفها إلى كتب موقعة وكتب مترجمة ، ودور الكتب العامة والخاصة ، ودور النشر وجهودها ، والصحف والمجلات عربية وغير عربية ، والمحاضرات فى العلوم والفنون المختلفة ، ولأحاريث الإذاعة
وتعثيلياتها ، والهيئات الثقافية والعلمية والفنية ، والمؤتمرات التي اشتركت مصر فيها بأنواعها المختلفة . وللتعاون الثقافي ، والمهرجانات والمسابقات العلمية ، والمتاحف الأثرية والفنية والعلمية ، وللحفائر الأثرية ، وللمعارض ، ثم للمسرح والسينما .
فالسجل عمل ضخم دون شك ، والجهود التي بذلت في إعداده وتبويبه وترتيبه والاشراف على طبعه وإخراجه جهود قيمة تستحق كل ثناء وتقدير ؛ ولكنه مع هذا لم يخل من هنات نرى من واجبنا التنبيه إليها ليعمل القائمون على السجل على تداركها في الطبعات القادمة إن شاء الله ؟ وعن بهذا إنما نستجيب للدعوة الكريمة التي دعاها الأستاذ الدكتور محمد عوض بك في مقدمته حين أعلن أن الإدارة الثقافية قد أفادت الكثير من نقد الناقدين للسجل الأول . وحين صرح انه يرحب بكل نقد أو ملاحظة جديدة .
قسم السجل الكتب إلي مؤلفة ومترجمة ، ثم أحصى فى باب الكتب المؤلفة كل كتاب غير مترجم سواء أكان مؤلفاً في سنة ١٩٤٩ أو قبل ذلك يقرون ، فكتب : البيان والتبين للجاحظ ، وديوان عامر بن الطفل ، وشروح سقط الزند ، ومقاتل الطالبيين للأصفهاني ، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردى لاشك أنها كتب مؤلفة . ولكنها لم تؤلف قطعا في سنة ١٩٤٩ . فمن الخطأ أن تحصى ضمن الكتب التى ألفت في هذه السنة ، وكان من الواجب أن يفرد باب خاص لإحصاء المخطوطات القديمة التي تنشر في كل سنة ، وفي هذا الباب تذكر الكتب التي ذكرناها وأمثالها ، وبهذا يقدم السجل إحصاء ناقصاً لميدان من اهم ميادين النشاط الثقافي ، وهو ميدان النشر العلمي وبحث التراث القديم ، فالجهد الذي يبذل في النشر مختلف اختلافاً كبيراً عن الجهد الذي يبذل في التأليف أو الترجمة ، والأثر الذي يتركه إحياء التراث العلمى القديم مختلف كذلك عن الأثر الذي تتركه الكتب المؤلفة أو الترجمة .
وأصحاب السجل قد أحصوا عدد الكتب المؤلفة والمترجمة في جدول خاص ختموا به باب الكتب ، فذكروا أن عدد الكتب المؤلفة في عام ١٩٤٩ هي ٥١٥ كتاباً . وهم قد أحصوا من بينها - دون شك - امثال الكتب القديمة المنشورة التي ذكرناها ، فهل يعتبر هذا الإحصاء الرقمي إحصاء صحيحاً من الناحية العلمية ؟ أعتقد أن سجل العام القادم سيشهد تغييراً جديداً في باب الكتب ، فيكون فيه فصل للمخطوطات المنشورة ، وفصل للكتب المؤلفة وفصل للكتب المترجمة .
ذكرنا أن من محاسن هذا السجل التعريف بكل كتاب في سطور قليلة ، غير أنا نلاحظ أن التعريف بالكتب لا يسير على وتيرة واحدة ، فالكتير من الكتب قد عرف بها ومؤلفها وموضوعاتها وطبعاتها وعدد أجزائها وصفحاتها . . الخ ، والبعض قد قصر في التعريف بها تقصيرا تاما ، فذكر مثلا في ص ٢٣ : " كتاب فرسان القادسية لأحمد إبراهيم الشريف " وفي ص ٢٣ : " كتاب النجوم الزاهرة ( عاشر ) لابن تغري بردي " وفي ص ٢٦ : " شربتلي لمصطفى عزمي ، سيرة محسن عربي معاصر " : وإذا كانت إدارة التسجيل الثقافي قد عجزت عن الحصول على كتاب فرسان القادسية أو كتاب شربتلي للتعريف بهما ، فما أظنها كانت عاجزة عن الحصول على الجزء العاشر من كتاب النجوم الزاهرة ، فهو من مطبوعات دار الكتب المصرية ، والتعريف بمحتويات هذا الجزء ضروري ليعلم القارئ أى عصر يبحث هذا الجزء فالكتاب كبير ويؤرخ في أجزائه الكثيرة لمصر منذ الفتح العربي إلي أواخر القرن التاسع الهجري .
كذلك لاحظت أن القائمين على السجل كانوا يلجأون - للتعريف بالكتاب - إلي النظر في مقدمته ، وهذه طريقة لا بأس بها . ولكن يبدو لي أن هذه النظرة إلي المقدمة كانت في بعض الأحيان نظرة سريعة السرعة كلها . تخطب كلة من أول الصفحة وكله من آخرها وتكون منهما التعريف لهذا جاء التعريف ببعض الكتب تجهيلا ، وأضرب هنا مثلا واحدا قبل التعريف بكتاب "المؤرخون
في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي " للدكتور محمد مصطفى زيادة ، إنه " بحث مقارن بين مؤرخي ذلك القرن من المصريين ومعاصريهم من الأوربيين للتعليل على قيمة ما ساهمت به مصر في التراث العلمى " والحقيقة أن هذه المقارنه لم تشغل إلا سطوراً قليلة من إحدي صفحات المقدمة ، أما الكتاب كله فموضوعه التأريخ لمؤرخي مصر في القرن الخامس عشر .
- من بين الكتب المؤلفة كتب ألفت بلغات أجنبية كالانجليزية والفرنسية ، وقد وضعت والكتب المؤلفة باللغة العربية في قائمة واحدة ، والأفضل أن يفرد لها فصل خاص لدلاتها على اتجاه في التأليف له أهميته .
- في باب الكتب المترجمة ذكرت عناوين بعضها بلغاتها الأصلية ، وكذلك أسماء المؤلفين . ولم نذكر هذه العناون والأسماء أمام البعض الآخر . ومن الواجب تصميم القاعدة ، وذكر العنوان الأصلي واسم المؤلف أمام كل كتاب مترجم
- عن السجل بإحصاء المكتبات في مصر ، ومع هذا فانه الإشارة إلي عدد كبير من المكتبات الهامة ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : المكتبة الخاصة لحضرة صاحب الجلالة الملك ومكتبة معهد دمياط الديني ومكتبة معهد الاسكندرية الديني ومكتبة معهد طنطا الديني ، وهذه الكتب الثلاث الأخيرة من الواجب التعريف بها ، فإن بكل منها عددا من المخطوطات النادرة الهامة التي هي في الواقع بعض التراث الذي خلعته الحياة الدينية النشيطة التى كانت تضج بها هذه المدن الثلاث في الصور الوسطى ؛ ومن الكتب التي أهمل السجل الإشارة إليها رغم أهميتها : مكتبات الأديرة المختلفة - وخاصة في طور سينا ووادي النطرون والصعيد ومكتبة واد البطريركية بالقاهرة والإسكندرية ومكتبة بطريركية الروم الأرثوذكس بالاسكندرية ومكتبة جامع الشيخ بالاسكندرية ، كما يحسن الإشارة إلى أنه بكل مدرسة ثانوية أو ابتدائية مكتبة خاصة مع التنويه بأقدمها وأكبرها .
- أشير في باب الجمعيات العلمية وفي باب المتاحف إلي أن الكثير من هذه الجمعيات والمتاحف تضم إليها مكتبات ضخمة هامة ، وكان الواجب أن تحصى هذه المكتبات ويعرف بها في باب الكتب ليكون إحصاء المكتبات وافياً جامعاً مانعاً ، وللدلالة على قيمة هذه المكتبات يكفي أن نذكر منها على سبيل المثال ، مكتبات : الجمعية الحغرافية الملكية ، والجمعية الملكية للدراسات التاريخية ، والمجمع العلمي المصري ( ومكتبته من أقدم وأعظم الكتب فهي تضم ٣٨٧٨٣ - س كتابا ( ، والمتحف اليوناني الروماني بالاسكندرية ، والمتحف الحربي بالقاهرة ، والمتحف القبطي ومتحف فؤاد الأول الزراعي . . الخ .. الخ
- باب الصحف والمجلات عتاج إلى عناية كبرى لإعادة ترتيبه وتصنيفه وإ من نقص ، فاقبلات العلمية مثلا يجب أن يفرد لها باب خاص ، فقد أهملت في هذا السجل إهمالا لا تاما مع كثرتها وأهميتها ، ويكفي أن نشير إلى عجلات : الجمعية الجغرافية الملكية ، والمجمع للصري العلمي والجمعية الملكية للدراسات التاريخية ، وجمعية هي الآثار القبطية . وكلية الآداب مجامعة فؤاد الأول وجامعة فاروق الأول والمعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة ، والجمعية الأثرية بالإسكندرية ، وكراسات التاريخ المصري . . الخ
- وأمنية أخيرة نرجو لو عمل السجل على تحقيقها ، فإن لها خطورتها كمصدر من مصادر الإنتاج الفكرى ، وتلك هي الرسائل الجامعية العلمية التي تجاز لدرجتى الماجستير والدكتوراه في كل عام ، فحبذا لو خصص فصل لإحصائها وذكر نبذ قصيرة عنها .
وبعد فإن المولود لا يولد كاملا ، ولكنه يحبو ثم يخطو ثم ينمو إلى أن يصلب عوده ويشتد ساعده . وما قصدنا بهذه الملاحظات أن نغمط السجل حقه أو القائمين عليه فضلهم ، ولكننا قصدنا المساهمة في إنماء السجل والوصول به إلى المثل الذي تهدف وتهدف إدارة الثقافة إلي الوصول إليه

