تغطي المحيطات والبحار ما يقرب من ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ؛ ويبلغ مجموع أحجام المياه الملحة التي تملؤها أربعة عشر ضعفًا لحجوم الأراضي اليابسة التي فوق مستوى سطح البحر . والتاريخ يحدثنا أن الإنسان الأول منذ درج على الأرض وشعر بحاجته إلى غذاء حيوانى عمد إلى الصيد ، ومما لا شك فيه أنه بدأ بصيد الأسماك لسهولته قبل أن يتجه فكره إلى أغلب أنواع الصيد البري ومجابهة الأخطار فيها ، ولذا لجأ إلى البحر وصاد منه الأسماك ، ثم استخرج اللؤلؤ والمرجان . ولقد زادت في نظره أهمية بعض الأحياء البحرية ، حتى إن بعض القبائل من سكان أمريكا الشمالية الأصليين كانوا يتعاملون فيما بينهم بعقود من القواقع أحلوها محل النقود .
لذلك يعتبر صيد الأسماك من أقدم الصناعات التي باشرها الإنسان على الأرض ، وهو الحافز الأول الذي دفع به إلى ركوب متون الأخطار على سطوح البحار ؛ كذلك تعتبر المصايد البحرية النواة الأساسية والدعامة القوية التي تكونت منها وقامت عليها وتطورت إليها الأساطيل التجارية والحربية في الأمم البحرية القديمة ، كالفينيقيين والأغريقيين . وقد تطلع الإنسان منذ أقدم العصور إلى البحار وطرقها في أسفاره ، ونقل تجارته , والبحث عن أرزاقه ، وإشباع الاستطلاع الكامن في نفسه ، حتى انتهى به الأمر في عصرنا الحاضر إلى ربط أطراف المعمورة بطرق ملاحية آمنة تكاد تكون خطوطها مرسومة فوق سطوح البحار . هذا إلى ما أفاده الإنسان من بعض مظاهر الثروة المعدنية والعضوية الكاملتين في أعماق البحار . ومن أمثلة الثروة المدنية
تلك الأملاح الذائبة في المياه الملحة ، وكلنا يعرف ما هو ملح الطعام وفوائده . ومن أمثلة الثروة العضوية أصناف الأسماك والقشريات والمحاريات وغيرها من المواد الغذائية البحرية . كذلك اللؤلؤ والمرجان وأمثالهما من أدوات الزينة
أما رجل العلم فإن نظرته إلى البحار وما تحويه أشمل وأوسع ، إذ يرى الصورة على حقيقتها ؛ وتلك الصورة يمكنه التعبير عنها في قوله : " كما أن أمواه البحار تغطي ما يقرب من ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ، فإنها أيضًا تحوي بين طياتها نحو ثلاثة أرباع عدد الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض . وتندرج تلك الأحياء من أدق الكائنات جرمًا المعروفة للعلم وهي البكتريا ، إلى أضخم الحيوانات التي يعرفها الإنسان وهي الحيتان ، وقد يبلغ طول بعضها حوالي أربعين مترًا ، وبين هذين الجرمين تمثل جميع الفصائل الحيوانية المعروفة .
ونصيب مصر من البحار شواطئ تمتد إلى ما لا يقل عن ١٢٠٠ ميل بحري بين رفح والسلوم على بحر الروم ، وبين السويس وحدود مصر الجنوبية ، بما في ذلك خليج العقبة على شواطئ البحر الأحمر . لكن إنتاج مصايدنا البحرية بالنسبة إلى طول شواطئنا يبدو هزيلا ضعيفًا إذا قورن بما تفيده الدول الأخرى من استغلال شواطئها .
ويقدر محصولنا السنوي من المصايد البحرية بنحو ١٢٠٠٠ طن من الأسماك التي يفوق عددها أكثر من مائة نوع . غير أن الأصناف ذات الأهمية الاقتصادية منها لا تتعدى العشرين ، أهمها السردين الذي يبلغ محصوله وحده ما يقرب من خمسة آلاف طن سنويًا ، أي ما يعادل أكثر من ٤٠ % من إنتاج مصايدنا البحرية كلها .
والسردين من الأسماك الرحالة التي تجوب أنحاء البحر الأبيض المتوسط متنقلة بين بقاعه في فصول السنة المختلفة ؛ وذلك بدافع الغريزة الطبيعية وما وهبها الله فيها من حساسية كامنة تنير لها طرائق هجرتها في البحث عن البيئات التي تلائمها لتبقى على حياتها حفظًا لنوعها
وقد يكون الدافع لزيارة الأسماك الرحالة لبقعة معينة في البحر وفي أوقات معلومة من السنة ، إما وفرة الغذاء في تلك البقعة ، أو صلاحيتها لإلقاء البويضات فيها وإفراخها ، أو كونها مكانا تلتمس فيه الدفء هربا من برد الشتاء القارص . ومن عادة السردين وأشباهه من الأسماك الرحالة أن ينتقل على سطح الماء في جماعات قد يربو عدد أفراد كل جماعة منها على ملايين عديدة .
وإذا كانت مصر هبة النيل السعيد ، فإن السردين جزء من تلك الهبة الغالية الثمينة التي يقدمها النيل إلى شعب مصر المجيد ؛ ذلك لأن موسم السردين يبدأ عادة في غضون مدة لا تزيد عن شهر واحد من وقت وصول ماء الفيضان إلى البحر الأبيض المتوسط . وتلك علاقة أبدية وثيقة تربط السردين بفيضان النيل ، وترجع أسبابها إلى ما يحويه ماء الفيضان من كميات هائلة من المواد المخصبة ؛ فحينما تتدفق مياهه من فرعي رشيد ودمياط ، وتشق طريقها وسط المياه الملحة ، وتنتشر على طول شواطئ الدلتا ، تكسب ماء البحر خصوبة نادرة ينشأ عنها نمو نباتات دقيقة الجرم ميكروسكوبية الحجم ، تطفو فوق سطح البحر بكميات هائلة وبكثرة وافرة ؛ وتلك النباتات هي المغناطيسية القوية التي تجذب السردين إليها بدافع غريزته الطبيعية في كل عام ، إذ يجد فيها غذاءً طيبًا دسما شهيًا ، فيأكل منها بشراهة وينمو ، وسرعان ما يمتلئ جسمه لحمًا وشحمًا .
وعند بدء الموسم يكون السردين عادة ضعيفًا هزيلًا ، لأنه - في مدى الفترة التي سبقت ظهوره في
مياهنا ، ومدتها المقررة حوالي ثلاثة أشهر - يتكاثر السردين ويتناسل ، وذلك بأن تلقي الإناث بويضاتها الناضجة التي يربو عددها على مليون بويضة في كل أنثى . كذلك يلقي كل ذكر ملايينه العديدة من مواد التذكير ، وتتم بعد ذلك عملية تلقيح البويضات في الماء . وتنتهي عملية التكاثر في أغلب الأسماك عادة بإنهاك قواها إلى درجات متفاوتة من الضعف والهزال . وفي بعض أسماك معينة تنتهي العملية بموت الذكور والإناث على السواء .
لذا كانت زيارة السردين لشواطئنا ضرورية لحياته من أجل الغذاء النباتي الدسم الذي يقدمه إليه ماء النيل بطريق غير مباشر ليعوض عليه ما فقده في عملية التكاثر . ويسترد نشاطه ليواصل نموه وليختزن حول أمعائه وفي خلايا جسمه من المواد الشحمية ما يكفيه مع الاستهلاك البطيء ( لمواصلة نشاطه ومظاهر حياته الضرورية حتى يزورنا ثانية في موسم الغذاء من العام التالي ) ، لأن الأدلة العلمية تثبت أن السردين بعد رحيله عنا يكاد يتوقف عن الغذاء إلا في القليل النادر ، ويظل كذلك حتى يظهر في مياهنا مرة أخرى .
ويبدأ موسم صيد السردين عادة في أوائل سبتمبر ، وينتهي غالبًا في أواخر ديسمبر ، عندما يحل برد الشتاء القارص ، وتختفي النباتات التي يتغذي عليها ، فيرحل عنا إلى حيث الراحة والدفء في عرض البحر ؛ والمرجح أن يتجه شرقًا لهذا الغرض مع التيار الذي يجري على سواحلنا الشمالية من الغرب إلى الشرق في أغلب أوقات السنة .
والبلاد التي تشتغل بصيد السردين هي على الترتيب من الغرب إلى الشرق : أبو قير ورشيد والبرلس ودمياط وبور سعيد . ويبلغ عدد مراكب أسطول السردين كله في موسم الصيد نحو ألف مركب . لرشيد وحدها
ما يقرب من أربعمائة مركب . والسبب الذي جعل رشيد الثغر الأول في صناعة السردين ونسبة كل جيد منه إليها ( السردين الرشيدي السمين ) هو أن تاريخ هذه الصناعة يثبت على مدى سنين طويلة - أن الصيادين كانوا يحصلون على الجزء الأكبر من السردين في كل عام أمام فرع النيل الغربي ؛ وكان طبيعيًا أن تكون رشيد مركزًا مهمًا لصيده وصناعته .
إلا أنه منذ سنة ١٩٣٢ بدأت ظاهرة غريبة بتحول ذلك الجزء الأكبر من محصول السردين من الغرب إلى الشرق . وأصبح أغلب السردين يصاد أمام فرع دمياط , بدلًا من فرع رشيد من قبل . أما أسباب هذا التحول فغير واضحة ، وتحتاج إلى دراسات مستفيضة لمعرفة كنهها .
ومحصول السردين كله كما قدمنا يربو على خمسة آلاف طن سنويًا ، يقدر ثمنها الإجمالي عند أول عرض لها في أسواقها المحلية بما يقرب من سبعين ألفًا من الجنيهات ، أي بواقع متوسط ثمن الكيلو الواحد أربعة عشر مليما . وبالرغم من تطور الزمن ومسايرة الأمم المتمدنة هذا التطور باستغلال جميع موارد ثرواتها الطبيعية وطرق أبواب ممكناتها الاقتصادية لتنميتها على دعائم قوية من التجارب العلمية ، فإن مصر ظلت تنظر إلى ثروتها من الأحياء المائية على العموم ، ومحصولها الضخم من السردين على الخصوص ، بنفس العين التي نظرت بها إليها منذ قرون وقرون . ولا تزال طرق استغلال مصر للسردين - كما كانت في عهود الأقدمين - تنحصر في استعمال جزء ضئيل منه طازجًا ، وتمليح الجزء الأكبر منه في البراميل بتلك الطرق العتيقة التي تتنافى مع قواعد الصحة العامة والاقتصاد الحديث والذوق السليم .
ونتيجة لهذا الإهمال من جانبنا غزت أسواقنا أصناف السردين الأجنبي المحفوظ في العلب على أحدث الطرق وأصحها ؛ ويقدر ما نستورده منها سنويًا بنحو مائتي طن
يبلغ ثمنها حوالي عشرة آلاف جنيه مصري . وبذلك وجد سردين العلب الأجنبي طريقه إلى دور الطبقة المتوسطة وقصور الأغنياء ، فاتسعت له موائدهم . أما الزميل المصري فقنع بأكوخ الفقراء وغزاها طعامًا رخيصًا شهيًا مملحًا أو مشويًا . تلك حالة أقلقت الباحثين في شئون المصايد من رجال معهد فؤاد الأول للأحياء المائية ، وأحدثت في نفوسهم أثرًا عميقًا هو في الواقع مزيج من الأسف والألم على الماضي والحاضر يحدوها أمل عظيم في المستقبل .
أما الأسف فسببه غمر أسواقنا بسردين العلب الأجنبي ، وتسرب عشرة آلاف جنيه من الأموال الوطنية كل عام ثمنًا له ، في حين أن محصولنا يربو على عشرين ضعفًا للكميات التي نستوردها ، بحيث إذا استقل هذا المحصول على الوجه الأكمل . لسد حاجة أسواقنا المحلية من السردين الطازج والمملح والمحفوظ في العلب ، وقد تزيد كميات هذا الأخير وتصدر إلى الأسواق الشرقية القريبة . وأما الشعور بالألم فهو نتيجة ما ألفته المقادير علينا من مسئوليات جسام في العمل دائمًا لتحسين حالة الصيادين عامة ، ومنهم آلاف يشتغلون في صيد السردين معرضين حياتهم لأخطار البحر الجسيمة ، ومع ذلك فحظهم للآن من العيش ضئيل نظرًا لخروج السردين من أيديهم بثمن قليل .
وأما الأمل في المستقبل فيقوم في نفوسنا لا على مجرد الخيال ، وإنما على دعائم من التجارب والمشاهدات العملية والعلمية . فمنذ عام ١٩٢٩ ومعهد الأحياء المائية والمصائد القائم بجوار طابية قايد باي بالإسكندرية يواصل تجاربه في حفظ السردين وممكناته الاقتصادية ، ونحن نذكر ما وصلت إليه نتائجنا في صدر هذه العملية الاقتصادية العظيمة :
١ - تدخين السردين بنجاح على غرار سمك الرنجة المعروف في السوق ، وهي طريقة سهلة جدًا قليلة التكاليف بحيث يمكن تعميمها في دور صغار الصيادين . ويفضل السردين المدخن السردين المملح في البراميل من
وجوه متعددة في قوام جسمه وشكله وطعمه ورائحته ونظافة أكله .
٢ - نجح حفظ السردين المصري في العلب نجاحًا باهرًا دل على أنه لا يقل صلاحية للحفظ ولا جودة في الطعم عما نستورده من السردين الأجنبي إن لم يفقه في بعض الأحيان . وتدل تقديراتنا المبدئية على أن جملة تكاليف العلبة الواحدة من السردين المصري لاتتعدى عشر مليمات ، في حين أن نظيرتها في الحجم من السردين الأجنبي تباع في أسواقنا المحلية بما لا يقل عن عشرين مليمًا .
3 - الفضلات المتخلفة من عمليات الحفظ في العلب - وتقدر كمياتها بنحو ثلث وزن السردين الطازج الذي تحتاج إليه الصناعة - لا تضيع هباء ، وإنما يستفاد منها بعصرها واستخراج زيوتها ، لأنها تكون عادة غنية بالمواد الدهنية والشحمية ، والزيوت المشابهة لها في البلاد الأجنبية تستعمل بنجاح في صناعات دبغ الجلود والبويات والصابون ومواد التشحيم .
أما المواد البروتينية المتخلفة من العصر فإنها تجفف وتصحن لتقدم غذاءً صحيًا للدواجن .
أما القيمة الغذائية للسردين فعظيمة جدًا ويحوي الطازج منه حوالي ٣٠ % من وزنه مواد زلالية وبروتينية ، هي غذاء مفيد للجسم سهل الهضم . وتتفاوت كميات المواد الدهنية والشحمية في السردين ؛ فعند بدء الموسم - حينما يكون هزيلًا - لا تتعدى نسبة تلك المواد في جسم السردين أكثر من 5% من وزنه . ولكن وفرة الغذاء النباتي وشراهة السردين في أكله ترفع نسبة المواد الدهنية فيه بسرعة مدهشة في غضون فترة لا تزيد عن شهرين إلى ما يقرب من ٣٣ % من وزنه الطازج ، وعندئذ يسجل السردين المصري رقمًا قياسيًا بين أسماك العالم المشابهة له بالتفوق عليها في سمانته ، وما يحويه من دهن وشحم
وإذا كان جسم الإنسان يستهلك الجزء الأكبر من الغذاء كوقود لحركته والنشاط في عمله ، كما يحتاج سير الآلة البخارية للوقود ، فإن طعامًا كالسردين غنيًا بالمواد الدهنية لهو أثمن الأطعمة من حيث المقدرة على توفير الوقود اللازم للجسم في حركته وتجديد نشاطه . يضاف إلى ذلك ما أثبته العلم الحديث من أن المواد الدهنية والشحمية في الأسماك تحوي ما لا يقل عن ثلاثة فيتامينات ، لا يستطيع جسم الإنسان أن ينمو نموًا طبيعيًا بدونها ، لذا كان ( زيت السمك ) دواء شائع الانتشار لمقاومة بعض أمراض معينة والشفاء منها ، ولتجديد القوى وإمداد الجسم بما ينقصه من تلك الفيتامينات .
من ذلك كله نرى أن كل مصري يغتبط أشد الاغتباط لقيام مصانع محترمة لهذا الغرض في مصر ، وهو ما نأمل أن يتحقق في القريب العاجل .
