من أخص ما يتميز به النقد الأدبى الحديث، تلك المرونة التي تسيع الخلاف في الحكم والتفاوت في الرأي، ونتسامح في هذا الخلاف حين لا يجوز التسامح في الخلاف على رأي علمي أو حكم تجريبي. وإذا فليس يعيب زميلي الأستاذ شوقي ضيف أن أنكر الرأي الذي ذهب إليه في السرقات الشعرية، والا أسبغ تلك الحملة القاسية التى حملها على نقاد العرب الذين تتبعوا مآخذ الشعراء بعضهم من بعض، واتهموا بعض الأخذين بالسرقة والانتحال.
الفكرة التى يدافع عنها الأستاذ الزميل، هي محاولة " الاعتراف بالصياغة الجديدة لمعنى طرق من قبل ". وأشهد لقد أدى الأستاذ حق رسالته، فكان دفاعه عنها حارا مخلصا، وتأييده لها قويا مقنعا، وما اتردد في التسليم له بهذه الفكرة العامة، ولكنى بعد ذلك اخالفه في رايه عن أثر السرقات الشعرية في الأدب العربي، وأخالفه في الأفق الضيق المحصور الذي عرف به السرقات الشعرية ليجيز لنفسه بعد ذلك أن يحمل على النقاد القدماء
ولنتفق أولا علي موضوع البحث، ليسهل علينا بعد ذلك ضبط تناوله
ما هي السرقات الشعرية ؟ يعني بها الزميل " أن يأخذ الشاعر معني مسبوقا او مطروقا فيديره في ذهنه، وما يزال يحور فيه حتى يظهر في هيئة جديدة كانها
تخالف الهيئة القديمة ".
ونحن نذكر أن الأستاذ يتناول بالنقد موضوعا قديما طرقه القدماء، ولهم فيه رأي لا يعجبه، ومن حقه ألا يعجبه هذا الرأي، ولكن الذي ليس من حقه، أن يضع بنفسه الحدود التي تعجبه، ثم يحمل بها على القدماء أقل ما كان يجب عليه بأن يعرض رأي القدماء في الموضوع، وله بعد ذلك ان يردها بما يشاء. أما أن يعرف الموضوع تعريفا خاصا، ثم يحكم على القدماء في حدود هذا التعريف، ففيه ظلم الموضوع والقدماء جميعا .
هو يعني بالسرقات الشعرية الهيئة الجديدة المعنى المطروق، وهذا هو سلاحه الاهم في حرية على القدماء ولو صح ان محاكم النقد قامت لتفصل في هذه القضية وحدها لاتهمناها بالظلم والتعسف، ولكان الأستاذ معذورا في نقمته عليها، ولكن المحاكم النقدية عقدت لتفصل في قضية أوسع آفاقا من هذه الحدود؛ فلم يكن القدماء يعنون بالسرقات الشعرية أن تصوغ المعنى المطروق صياغة جديدة، وإنما عنوا بها علي الأخص شيئا آخر، هو السرقة المكشوفة والانتحال الصريح
وليس صحيحا انهم اعلنوا الحرب الشعواء على الهيئات الجديدة في الصياغة، وإنما أعلنوها على الأخذ الصريح المكشوف .
وهؤلاء القدماء لم يأخذوا المسألة هذا الأخذ العام المبتسر، وإنما ردوا السرقات الشعرية إلى أقسام جعلوا
لها اسماء توحي دلالاتها بتقدير النقاد لكل نوع من مآخذ الشعراء.
فمن السرقات الشعرية ما هو أخذ مكشوف، وقد أسموه نسخا وسرقة وانتحالا، وإليه وجهت أقسي حملات النقاد
ومنها ما هو اخذ للمعنى وبعض اللفظ، ويسعى " إغارة " والنقاد يحسنون تقبل هذا النوع إذا كانت الهيئة الجديدة أجمل أداء للمعنى المأخوذ، وإلا رفضوه، وسموه " مسخا " .
ومنها ما هو أخذ للمعنى دون اللفظ، ويسمى " إلماما وسلخا "، ومنها ما هو نقل المعنى الأول إلي غير محله ويسمى " نقلا " ومنه ما هو نقل المعنى إلي نقيضه ويسمى " قلبا " .
ويأتي بعد ذلك الاقتباس والتضمين والحل والعقد والتلميح وهي معفاة من قسوة النقاد .
هذا التوسع في البحث، وهذه الدقة في الحكم، وذلك الاحتياط في التصنيف، نرى فيها جميعا نوعا من الوفاء لحق البحث، وقصد العدل في الحكم، وإذا فقد كان يجوز للزميل ان يحمل على القدماء لو انهم قصدوا ببحثهم عن السرقات الشعرية، الصياغة الجديدة لمعنى مطروق، او انه نص على أن بحثه هو خاص بهذا النوع دون سواء. وإذا فليعذرني الأستاذ إذ ارد قوله: " والقدماء يعلنون حربا شعواء على هذه الهيئات الجديدة التى كانها تخالف القديمة " يقول الخطيب القزويني عقب سرد أنواع السرقات الشعرية: " وهذه الأنواع ونحوها ، اكثرها مقبول، ومنه ما اخرجه حسن التصرف من قبيل الأخذ والاتباع، إلي حيز الاختراع والابتداع، وكلما كان اشد خفاء كانت أقرب إلي القبول " الإيضاح ٤-١٠٨ طبعة المحمودية .
وزاد القدماء في الاحتياط ، فاشترطوا في صحة الإتهام :
" أن يعلم أن الثاني أخذ من الأول ، بأن يعلم حفظه له أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه لجواز ان يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر ، اي مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلي الأخذ والسرقة ، ولهذا لا ينبغي لأحد بت الحكم على شاعر بالسرقة ما لم يعلم الحال ، وإلا فالذي ينبغي ان يقال : " قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا " فيغتم به فضيلة الصدق ويسلم من دعوي العلم بالغيب ونسبة النقص إلي الغير " .
حملوا على بيت ابى نواس :
دارت على فتية ذل الزمان لهم
فما يصيبهم إلا بما شاءوا
بعد صوت معبد:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم
فما يصيبهم إلا بما شاءوا
واتهموا الفرزدق بالسرقة في قوله :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم
ولا الدار بالدار التي كنت تعرف
اخذه من قول العباس بن عبد المطلب :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم
ولا الدار بالدار التي كنت تعلم
وردوا قول الشريف :
يا عذولي قد غضضت جماحي
فاذهبا حيث شئتما بزمامي
إلي قول مالك بن الريب :
خذاني فجراني ببردي إليكما
فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
وكذلك قول الشريف :
إذا قلت قد علقت كفى بصاحب
تعود عواد بيننا وخطوب
ردوه إلي قول امرئ القيس
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته
وقرت به العينان بدلت آخرا
وردوا قول الشريف :
إما فتى نال العلا فاشتقي
أو بطل ذاق الردي فاستراح
إلي قول امري القيس :
فقلت له لا تبك عينك إنما
تحاول ملكا أو نموت فنعذرا
على أن القدماء - مع ذلك - قبلوا قول سلم الخاسر :
من راقب الناس مات غما وفاز باللذة الجسور
وقالوا إنه اخصر واجود سبكا من قول بشار :
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك الهج
هنا أقول للمرة الثانية : إن القدماء لم يعلنوا الحرب على الهيئات الجديدة للمعنى المطروق ، وإنما اعلنوها شعواء حقا على السرقة المكشوفة والانتحال الصريح ، وهذا هو ما أسقطه الأستاذ شوقي من حسابه ، ولم يشر إليه بكلمة واحدة ، ليمضى بعد ذلك في حملته على القدماء .
بقي على أن أتعرض لرأي الأستاذ في أثر هذه الأبحاث النقدية في الأدب العربي ، وقد اطلت فلاتركه لعدد قريب إذا شاء الله .

