هل تظن أن في وسع شعب كامل أن يحتفظ بسر ما مدة مائة عام أو مائتين؟
هل تظن أن نساء ورجالاً وأطفالاً يعرفون كلهم ذلك السر وأن الأجانب الراغبين في معرفة السر والآتين من بلاد بعيدة يمشون في الأسواق ويطوفون بالمدن متجسسين على هذا السر ولكن أحداً منهم لا يستطيع أن يكشفه؟
هذا هو الذي فعله الشعب الصيني بسر الحرير ثلاثين قرناً ثلاثة آلاف عام.
كان الصينيون في العهد الأول من إنتاج الحرير شديدي الزهو بالصناعة الجديدة التي ابتكروها فكانوا من أجل ذلك شديدي العناية برعاية هذا السر. وأصدر الحكام قوانين تحرم على أي إنسان إخراج الحرير من بلادهم. ولتجار الأجانب أن يشتروا ما يريدون من الخزف والشاي والأرز ومن المحاريث ومن المعادن المطروقة ومن كل ما تنتجه الصين من صناعة. ولكن
ليس لهم من النسيج اللامع الحريري إلا أن ينظروا إليه بأعين طامعة فإن هذا الحرير لم يكن ليباع.
وكانت قوانين التجارة لا تكفي لمنع التجار عن تهريب الأقمشة الحريرية من حدود الصين فخرج الحرير من الصين حتى في العهد الذي كانت فيه القوانين صارمة وزاد مقدار المهربات زيادة مطردة في القرن الأخير بازدياد الاتصال بالشعوب الأخرى.
وكان بين الصين وبين إيران طريق منقطع بين الجبال ويقول بعض الناس إنه أقدم طرق العالم، وقد بدأ ضيقاً بحيث لا يتسع إلا لمرور رجل واحد فمن أجل ذلك كانوا يمشون فيه صفاً، وعلى التدريج كانوا ينظفونه من الصخور والأحجار التي تعوق المسير فيه حتى أصبح أعظم طريق للقوافل في الدنيا القديمة، وهو الطريق ما بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى، وهو الطريق الذي يسلكه أهل البلاد المجاورة للبحر الأبيض المتوسط للحصول على المصنوعات الجميلة من الصين ومن الهند.
ومن هذا الطريق كان التجار يهربون الحرير من الصين إلى الأغنياء في مصر وفي أشور وفي بابل وفي فينيقيا، ومع كثرة ما كان المهربون يهربونه من كميات الحرير التي تؤخذ سراً. أو تشترى علناً فإن تجار الفرس لم يعرفوا سر دودة القز.
وجاء الاسكندر الأكبر، وكادت فتوحاته تشمل العالم كله، وفي أثناء قيادته جيوشه في مناطق الشرق في القرن الرابع قبل المسيح رأى نبات القطن في الهند فنقله إلى اليونان، ورأى الثياب الحريرية يرتديها نبلاء الصين فأتى بشيء منها إلى بلاده وذهب إلى الأماكن التي يصنع فيها الحرير فلم يكتف بنقل كميات من المنسوج بل نقل كذلك أثقالاً من مادته الخام قبل نسجها، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يعرف من أين تأتي هذه المادة الخام.
هذا هو سر الصين الذي كتمته طول عمرها والذي لم يستطع معرفته حتى قاهر العالم الاسكندر.
وكان الرومانيون في بداية العهد المسيحي يختالون بقصورهم في ثياب حريرية اشتروها من تجار الفرس، وقد بلغ بهم الأمر أن حلوا النسيج الصيني واستخرجوا خيوط الحرير وأعادوا نسجها على أنوالهم ولكن هذا العمل كان كبير النفقات إلى أقصى حد. وكانت القوانين في الإمبراطورية الرومانية تحرم لبس الحرير على غير النبلاء وقد رفض الإمبراطور أورليان (٧١٢ - ٢٧٥ قبل المسيح) أن يلبس الحرير أو أن يسمح لزوجته بلبسه لأنه
غال جداً، وكان يدعوه باسم (الهواء المنسوج) وذلك بالقياس إلى المواد السميكة الأخرى التي كان الرومانيون يصنعون منها ثيابهم وأخيراً أفشت سر الحرير أميرة صينية مخترقة بذلك حرمة القوانين: كانت مخطوبة لملك هندي حوالي سنة ١٢٠ قبل المسيح، وهذا الملك هو خوتان. وكان يعلم أن أميرات الصين اعتدن لبس الثياب الحريرية دون غيرها فبعث إليها بأن الهند وإن كانت قد اشتهرت بقطنها فإنها لا تستطيع أن تزودها بشيء من الحرير فخاطرت مخاطرة جسيمة عند سفرها إلى منزل زوجها فخبأت في زينة شعرها بذور شجر التوت وبيض دود القز وغادرت الحدود دون أن يشتبه في ارتكابها للجريمة التي عقوبتها الإعدام.
ولما وصلت إلى البلاد التي اختارتها وطناً ثانياً بدأت زراعة التوت وتربية دود القز.
ولكن سفراء الصين لدى بلاط زوجها رأوا ما فعلته ولم يكن في وسعهم أن يعاقبوها لأنها أصبحت ملكة على بلاد أخرى وكانوا لا يزالون يريدون الاحتفاظ بالسر، فأخبروا زوجها الملك بأنها تربي الثعابين السامة فأمر الملك بإحراق المكان الذي يربى فيه دود القز معتقداً أنه ثعابين.
لكن السر تسرب إلى الهند في بداية العهد المسيحي؛ ففي سنة ٢٨٩ بعد المسيح ذهب أربع فتيات صينيات إلى اليابان لتعليم اليابانيين تربية الدود. لكن إلى سنة ٥٠٠ بعد المسيح كان صنع الحرير لا يزال مجهولاً في القسطنطينية وهي إذ ذاك عاصمة العالم الغربي، وكان الإمبراطور جوستنيان الذي يتولى شئون الإمبراطورية في القسطنطينية رجلاً ذا مشاريع كبيرة حاذقاً في تغذية التجارة، وكان كالاسكندر الكبير دائم البحث عن شيء جديد مما يصنع في البلاد الأخرى. وعاد اثنان من الرهبان الفارسيين ومن أصحاب العهد النسطوري المسيحي إلى القسطنطينية بعد أن عاشا في الصين سنوات كثيرة. وعلما لطول مدة الإقامة ما لابد أن يعلمه من طالت مدة إقامتهم هناك من سر هاتين الصناعتين: إنماء شجر التوت وتربية الدود.
سمع الامبراطور قصتها فاشتد اهتياجه وحملهما على الوعد بأن يحاولا عند عودتهما إلى القسطنطينية في المرة التالية تقل شئ إليه من بيض دود القز وفي سنة 555 عاد الراهبان وقد خبآه في تجويفي عصوين من الغاب . وقد اشتدت العناية في القسطنطينية بهذا البيض تحت إشراف الراهبين وصنع الدود لوزاته وأخرج
