الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 340الرجوع إلى "الثقافة"

السعادة، (لورد إلمبرى)

Share

يسير المرء فى سبيل الحياة ، حتى إذا قطع الشوط الأول من حياته لا يلبث أن يقف متسائلا : وإلى أين المصير ... ؟ ! وما هى الغاية من وجودنا ... ؟ !

أما المصير فإلى الفناء . وأما الغاية من وجودنا فهى أن نسعى إلى السعادة . ولكن كيف لنا أن نحظى بها ... ؟

إن الأمر بسيط . فمن أراد السعادة فما عليه إلا أن يكون سببا فى سعادة الآخرين ، وألا يقصر همه فى الحياة على حب نفسه ، وألا بضحى بالمصلحة العامة فى سبيل المصلحة الخاصة ، وألا يكون عبدا لشهواته ، وألا يرمى بنفسه فى بيداء الأحزان ، وألا يستولى عليه اليأس والقنوط إذا كبا الحظ العاثر به .

والمرء يمكنه أن يخلق مما يحيط به جنة أو يقيم حوله سجنا . فأولئك الذين يستكينون للأفكار المظلمة وبتخيلون دائما فريسة الأقدار ، وأن النحس طالعهم والبؤس رائدهم ، فلا هم لهم إلا الشكوى من الأقدار والسخط على الأيام ، إنما يخضع هؤلاء لأوهام تصورها لهم أنفسهم المريضة وما هى فى الحقيقة إلا خيالات لا تلبث أن تزول أمام العزيمة القوية والإرادة الحديدية ، فيتبدل الليل نهارا ويصحو الجو وتبزع شمس السعادة .

ليست الحياة مجرد عيش فقط ، وإن أولئك الذين يعيشون ولا أمل لهم فيها ، ويمرون بها كما تمر الأوراق العائمة على صفحة الماء هم أموات فى ثياب أحياء . فالحياة لا تقاس يطول السنين التى يعيشها الفرد ، ولكن بما يقوم به من أعمال تعود عليه وعلى بنى جنسه بالنفع العميم .

ولو بذلنا كل ما فى وسعنا من كد وكدح دون أن تجعل الصغيرة كبيرة ونظرنا إلى الحياة من حيث ينبغى وإلى الأشياء على حقيقتها - لظهر لنا العالم مملوءا بالمسرات محفوفا بالخيرات وشعرنا بالدنيا مقبلة ، والأيام مؤاتية . ولكن ما أقل أولئك الذين يعرفون ماهية الحياة وقيمة الوجود .

ولله در " رسكن " إذ يقول : " إن كثيرا من رجال الدين فى نصحهم وإرشادهم لا يجدون أمامهم من نعم الله التى أنعم بها على عباده إلا الطعام واللباس والصحة ، تلك الأشياء التى يستوى فيها العظيم والحقير ، ولا يرشدون الناس إلي ما فى العالم من ضروب الحسن وآيات الجمال مما يشهد بعظمة الخالق وتفرده بالقدرة والكمال . ويحببون الزهد فى الحياة إلى الناس والأنزواء فى البيوت بدلا من الخروج إلى الحقول والأودية والأنهار . فهم بعملهم هذا يصرفون النفس عن معانى الجمال وينكرون أقوى دليل وأسطع برهان على قدرة الواحد الأحد القهار .

وقال ماركس أورليس : " إن الله حصن الإنسان بقوى تمنعه من الوقوع فى الشر ، فكيف بمن لم يخلق الإنسان شريرا أن يجعل الحياة شرا ؟ " وقد قال ابكتانوس : " من لم يكن سعيدا فى الحياة فعليه تهمة بؤسه وإنى أرضى دائما بما يقع لى من حوادث لاعتقادى أن الله لا يريد بالإنسان شرا .

هذه فلسفة على جانب عظيم من الصحة ، ولكننا مع ذلك لا نسلم بأن العالم خلو من الصائب والأحران ، فلا بد لنا من تذوق آلام المرض والبكاء على موت الأهل والأحباب ، والتألم من قسوة الظلم وطغيان الاستبداد ، والتحسر على هفوات الأصدقاء ، فكم من يوم قاتم قطعناه وساعة موحشة مرت بنا لكلمة قيلت فى غير موضعها أو هفوة زل بها اللسان .

وليس من العقل فى شىء أن ننتحى مكانا قصيا

ولا نشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ، ونبخل إذا كنا فى يسر ولا يهمنا سعد الناس أم شقوا فاننا بعملنا هذا نقضى على سعادتنا بأيدينا . فمن لا نعرفهم فى سعادتنا لا يعطفون علينا فى شقوننا . ولنعلم أن الأيام دول ، وأن دوام الحال من المحال ، وأن الشر والخير صنوان .

وإذا عجزنا عن أن تكون حياتنا سعادة دائمة فلا نعجز عن أن ترجح كفة السعادة على كفة الشقاء ، وإن الحوادث التى تظهر لنا كنحوس إذا قابلناها بعزم وثبات لا تلبث أن نراها سعودا . وفى ذلك يقول العالم سنكا : " قد تأتى الصائب بالمنافع وتكال الهزيمة بفخر الانتصار " .

ونسوق على سبيل المثال ماحدث للعلامة "هلمهولتز" إذ بدأ حياته العلمية المجيدة بسبب إصابته بحمى الدفتريا وهو طالب وعالجته المدرسة على نفقتها لضيق ذات بدء . وبعد أن أبل من مرضه اشترى مجهرا ليرى به جراثيم تلك الحمى الخبيثة ، ومن ذلك الوقت بدأ نجمه يبزغ فى سماء العلم والشهرة حتى انتهى به بحثه إلى الاهتداء إلى المصل الواقى منها .

وقد شغلت مسألة الخير والشر عقول الفكر والباحثين فى مختلف العصور . وكل أمة تفسر وجود الشر بمقدار ما هى عليه من الرقى أو الانحطاط . فالأمم البربرية ترجع السبب فى وجوده إلى الأرواح الشريرة التى تسكن العالم .

وكان الأغريق يعزون السبب فى وجوده إلى النزاع القائم بين الآلهة . وقد توهم آخرون أن هناك قوتين إحداهما تعمل لإسعاد البشر والأخرى تعمل لشقوته . ولم يهتد أحد إلى معرفة السبب الحقيقى ، ولكن المرجح هو أن ما يحل بالإنسان من خير أو شر هو من صنع يديه ، وعليه تقع تبعة عمله . سواء كانت خيرا أم شرا .

ويعزو الكثيرون السبب فى تعكير صفو الحياة إلى

المرض أو الموت ، ولكن هذه أشياء لا تقع كل يوم . أما السبب الحقيقى فيرجع إلى المشاحنات التى يشعلون نارها بين الأهل والأصدقاء .

وما أسعد الحياة المنزلية يسودها الوئام والحب . ولكن كثيرا ما يفسد هذا النعيم بمشاحنات نثيرها لأسباب تافهة فتنغص بها حياتنا وحياة من يعيشون معنا . ولو تغاضينا عن الصغائر وكنا أكثر تسامحا وتركنا " ضيق الخلق " - كما يقول الكثيرون - واتبعنا الحلم فى معالجة الأمور لأضحى المنزل جنة صغيرة ينعم فيها المرء بألوان من السعادة والنعيم لا يمكن أن يحظى بها فى مكان آخر .

وكثيرا ما نجلب الشقاء على أنفسنا بسبب تغافلنا وعدم التروى والتبصر بالأمور وعواقبها ، فرب لذة ساعة أورثت الآلام طول الحياة .

وهناك أناس يتوقعون فى كل لحظة أن تحل المصائب بهم فيظلون فى انتظارها ويفرقون خوفا ويموتون جزعا من لا شىء . وكثيرا ما نسمع بأناس ماتوا من كثرة مشاغلهم ، ولكنهم فى الحقيقة ماتوا لقلقهم وجزعهم وتبلبل أفكارهم .

ويجهل الكثيرون أن الغضب ضرره أعظم من الشىء المغضوب له أو عليه . وكثيرا ما ندفع الثمن غالبا ، لأن الإنسان فى غضبه لا يتمالك شعوره فيخرج عن حده ويأتى أفعالا يندم عليها إذا ما هدأت ثورته وسكنت حدته . فكم من عائلات تهدم صرحها واختل نظامها بسبب الغضب .

والمصائب إذا حلت بالمرء فإنه يزيدها بحزنه . وهاك ما قال " ابكتاتوس " عند ما وقعت به مصيبة ، فإنه يعلمنا كيف نتلقاها بصبر وشجاعة . إذ يقول : " سأموت ولكنى لن أموت حزينا . . سأكبل بالقيود ولكنى لن اجزع . سأتعرض للنفى والتشريد ولكن هل سأمنع من الذهاب إلى منفاى بثغر باسم وقلب ضاحك ؟ ... سأسجن . . أيها الناس . ماذا تقولون ؟ ... نعم ... لكم أن تسجنوا جسمى . ولكن عقلى ؟ ! . إن " زفس " رب الآلهة

لا يستطيع أن يسجنه أو يوقفه عن التفكير ، فليس لأحد سلطان عليه " .

فإذا لم نشعر بالسعادة فالذنب راجع إلينا ولو كنا فقراء . فقد تعرض سقراط فى حياته لأشد أنواع الألم والظلم ، وكان ابكتانوس عبدا فقيرا ، ولكن ما أعظم وأجل أثرهما . وهاك ما قاله ابكتاتوس يصف حاله وفقره : " كيف لرجل معدم لا يملك من حطام الدنيا شيئا أن يعيش آمنا مطمئنا فى الحياة ..؟ ! لقد ضرب الله لكم بى مثلا فاصغوا إلى ... أنا الفقير . أفترش الغبراء وألتحف السماء لا بيت لى أطمئن إليه . ولا زوج ولا ولد . لا عقار ولا مال ولا رياش ولا أثات . . ومع ذلك فانى سعيد . . ماذا أطلب من الحياة .. ؟ ألست خلوا من الأحزان ؟ .. لقد أمنت الدهر ومصائبه فعدت لا أخشاه ولا أتوقع شره . إننى فى جو طلق أنعم فيه بالحرية . فمن منكم بعد ذلك يرانى فاقدا لشىء من متع الحياة ؟ كل شئ فيها ملكى ، فالسماء والأرض والفضاء كلها لى . هل عهدتم فى السخط على الله وعباده . . ؟ هل شكوت أحدا ؟ هل رآنى أحدكم حزينا كئيبا .؟ . . إنكم لو رأيتمونى عند ما أقابل من تخرون لهم سجدا وتقبلون الأرض بين أقدامهم لعرفتم مقدار عظمة الحياة التى أحياها ، ولخيل لكم أننى سيدكم ، بل ملك عليكم " .

إن نعم الله علينا عديدة ، ولكن ما أقل شكرنا وما أعظم جحودنا . لقد غفلنا عن فضل ما وهبنا لوفرته لدينا . فهذه العطايا على صغر شأنها كالخبز والفاكهة واللبن التى نتمتع بها كل يوم فأصبحت مألوفة لدينا ، إذا أتى يوم وذهبت فيه عنا ، ففى هذا الوقت فقط نعرف قيمتها ونقدرها حق قدرها ، فاحفظوا النعمة ، واشكروا الله كثيرا ، فبالشكر تدوم النعم .

وإذا أردنا أن نعيش سعداء حقا فما علينا إلا أن نراقب القمح فى نموه والأزهار فى تفتحها ، ونستنشق النسيم

العليل المعطر بشذى الزهر ولنقرأ ونفكر ونعبد الله كثير ولنشارك " جرمى تالير " فى إحساسه إذ يقول : " سلبنى اللصوص ماسلبوا . ولكنهم تركوا لي الشمس المشرقة والقمر المنير والمياه الفضية الأديم ، وزوجة مخلصة تسهر على مصالحى وتربية أطفالى ، ورفقاء يشدون أزرى ويأخذون بيدى فى كربى فماذا سلبنى اللصوص بعد ذلك ؟ لا شىء . فأنا الآن كما كنت قبلا .. فها هو ثغرى باسم وقلبى ضاحك وضميرى نقى طاهر " .

اشترك في نشرتنا البريدية