الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 445 الرجوع إلى "الثقافة"

السعادة الزوجية

Share

السعادة شئ جوهري في حياة المتزوجين ، يحلمون بها قبل زواجهم ، ويحاولون تحقيقها حين تتصل حياتهم بعد الزواج ، فهي المداد الذي يسطرون ، صفحات حياتهم الهانئة . والأمل الذي يجري وراءه كل من يحاول أن يربط حياته بحياة أخري رباطا أبديا مقدسا .

ولما كان الزواج أمرا ضروريا في الحياة ، بل هو الحياة نفسها لأنه الأداة الرئيسية التي تكون النتاج الآدمي على مر العصور ، بل ولما كان امرا واجبا نزل به الوحي وحبذته سائر الأديان ، والنتيجة الطبيعية الشريفة لا تحاد الغرائز الجنسية المسيطرة على حواسنا جميعا . . فإن السعادة يجب أن تكون مزاجه الدائم وملء حياة كل زوجين ، وأهم ما يرغب في الزواج ويدفع الكل إلي طريقه الهاني . لذلك كثر البحث في أسباب السعادة ، وكثرت النصائح لكل من الزوجين ليحاول كل من ناحتة في قدر طاقته أن يوفرها لزميله دائما .

ولكن للأسف الشديد - مع هذا كله - فقد كثرت جوادث الطلاق أخيرا ، وخاصة في أيامنا هذه ، وحاول الكثيرون بحث اسباب ذلك ، وتساءلوا جميعا : لماذا تفشل أكثر الزيجات الحديثة ؟ ولماذا يحدث الانفصال بعد مضي مدة قصيرة على الزواج ؟ ولماذا يقصر أمد تلك السعادة المنزلية التي كان يرجوها الزوجان ؟ ولماذا يتمزق ذلك الثوب من الاحلام الذهبية الذي نسجاه قبل الزواج ؟ ولماذا يندر الآن ان نسمع عن زوجين عاشا طيلة حياتهما الزوجية كأنهما ما زالا في شهر العسل الذي لا ينتهي أبدا ؟

لو استعرضنا الأمر جيدا لوجدنا لذلك عدة اسباب ، منها الخداع والزيف قبل الزواج بين الرجل والمراة وخاصة

في فترة الخطبة ، فلو امكن لكل منهما أن يظهر على حقيقته الطبيعية ولا يتكلف ولا يصنع الرقة والدمائة وهدوء الأخلاق إن لم تكن طبيعية فيه ، ولا يغالي في عواطفه نحو الآخر مغالاة شديدة ، لأصبح كل مهما سعيدا ؛ ولكن يأتي الزواج . . وإذا بكل ما حدث كان مجرد اوهام وسراب . . وعلى ذلك فكل منهما يخدع الآخر ويغشه ، ولما يرفع ستار الحقيقة إذا بهما يختلفان جوهريا واخلاقيا ، وإذا بحياتهما تقوم بدايتها على هذا النفاق . . وإذا ما قامت حياة على النفاق فان تطرق بابها السعادة بطبيعة الأحوال .

فالكذب ، وهو أحد طباع المرأة على وجه الخصوص ، إذا ما لا بس الحياة الزوجية كان دمارا لها واجتاحها بل واقتلعها من جذورها . . الكذب بكافة انواعه . . الكذب المادي . . والكذب الحسي . . كذب الظاهر . . وكذب العواطف . إنه أداة مهلكة وشر من الشرور التى تأباها طبيعة الحياة الزوجة القائمة على المعاونة والعواطف الثابتة العميقة ، والاجتهاد والتشجيع والعمل على تحسين الأحوال على اشرف الأسس . أما إذا سادها ذلك الخداع والزيف والنفاق والكذب فلا سبيل للزوجين سوى الانفصال بعد أن أصبح كل منهما يتهم الآخر بأنه قد غدر به والقي به في ذلك المصير المحتوم

كما أن التعاون هو أهم ما يقوم عليه عماد الحياة الزوجية المرجو لها السعادة . التعاون بين الزوج والزوجة . التعاون الصحيح القائم على الحب المتمكن من قلبيهما معا . . التعاون في سبيل حياة يغمرها الهناء لتزدهر وتنمو وتثمر خير الثمار . فيجب على الزوجة ان تكون اليد التي تدفع زوجها نحو الكمال دائما . فكم من الزوجات كن ذوات أثر قوي في حياة أزواجهن . وكم من عباقرة في هذا الجيل والأجيال الماضية كان لزوجاتهم أكبر الفضل في

نجاحهم . إن المرأة التي تقدم كل ما يمكنها من معونة زوجها امراة تشرق السعادة في سماء حياتها . والرجل إذا احس مثل هذه العواطف الشريفة من زوجه احبها حبا يفوق كل عبادة ، وكانت هي لديه اهم ما يملا حياته بهجة وسرورا ، فعلى المرأة إذا ان تعاون زوجها بكافة الطرق ، بعواطفها الحارة . . بكلماتها المشجعة . باقبالها عليه دائما ، باهتمامها بكل أموره . . بتوفير سبل راحته دائما . . بإشعاره أنه كل شئ لها . وما سعادتها مستمدة إلا من سعادته .

هذا ولما كانت السعادة في الزواج تقوم دائما على الحب المتبادل بين الزوجين ، فإن اهم ما يجب أن يضعه الزوجان نصب اعينهما هو دوام ذلك الحب ودوام فورته وحرارته ، لأنه إذا ما خمدت هذه الحرارة فإن السعادة المتعلقة بها والتي تسير معها جنبا إلي جنب سيصبها الوهن هي الأخرى ويشقي كل من الزوجين بحياته .

ولكن كيف يحتفظ الزوجان بهذا الوهج من الحب دائما ؟ .

لقد سئل الكاتب الإيطالي المشهور بيراندلو يوما من ذلك فأجاب : يجب علينا ان نعنى عناية فائقة بتلك الحقيقة الكبرى ، ألا وهي ( الخيال ). فالزواج يجب أن يكون خيالا لا نهاية له . . والزيجات السعيدة هي التي يمكن أن يعيش فيها الخيال دائما والى تتجدد بتجدد الطبيعة نفسها . فإذا حاولنا إيضاح ذلك نجد أن المرأة تحب الرجل كما تعتقد فيه هي وكما تراه بغرائزها وحواسها لا كما يراه غيرها ، فهو في عينها يبدو حينئذ بطلا من الأبطال أو شخصا ممتازا ، بينما هو نفسه يبدو في أعين الغير رجلا عاديا لا يميزه شئ . . يختلف تمام الاختلاف عن الصورة التى تحتفظ بها هي . ولا تملك حينئذ نحن الذين نراهما على تلك الحال إلا أن نضحك ساخرين من

ذلك الحب الجنوني الذي تغمره به . ويمكن تطبيق نفس هذه الفكرة على حب الرجل المرأة . فهو يحبها لا كما تبدو لنا ، ولكن كما يرجو هو ان تكون . فهو إن تكلم عن الجمال والظرف والجاذبية وغير ذلك إنما يتكلم عن وحي من شعوره الخاص نحو شخص سمين هو بطبيعة الحال المرأة التي يراها بعينيه وغرائزه وإحساساته

فالسمعادة مثل الحقيقة ليست بالشئ الثابت ، إنما هي تتغير مثلها ، لاننا نحن أنفسنا نتغير فتري السعادة في ضروب مختلفة تبعا لاختلاف فترات حياتنا . فإذا ما حطمنا الخيال وحطمنا العقيدة وإنما السعادة الزوجية نتيجة لذلك

وفي كلمة أخري فإن الحب يبقى كلما عنينا بدوامه . . يبقى ما دمنا نخلقه خلقا ونحييه دائما ونجدده كلما تجددت حياتنا . فالحقيقة ليست مجردة . . فإن كانت كذلك ولم تتغير . . كان لها سكون الجثث والتماثيل . . وعلى ذلك فلن تكون هناك حياة بل هو الموت فكل اثنين بتحابان يريان بعضهما يمين الحقيقة التي تخصهما هما فقط ، وليس بمنظار الحقيقة الذي يراهما به الناس . فإذا ما حطمنا الحقيقة . . وحطمنا القوة التي نري بها أحباءنا كما ترجو فكأننا قد حطمنا الحب نفسه

هذا وقد ثبت دائما أن الحب يجب ألا يقوم على الغريزة الجنسية فحسب ، بل يجب أن تدخله بعض العواطف الروحية . . وهو دليل آخر على ما سبق القول به ؛ فهاهو تولستوي الكاتب الروسي الكبير يعلن نظريته التي اصبح يؤمن بها بعد بتجربة زواجه التى دامت طويلا ، وهي تقول إن الحياة الزوجية إذا ما قامت على علاقات متبادلة أساسها الرغبة الجنسية فقط فهي حياة فاشلة مسممة . . إذ أن الاستسلام إلى هذه الرغبة نتيجته الدمار دائما

فالمواطف الروحية في الزواج واجبة ولكن على شرط ألا تطغي على ما عداها . . بل يجب ان تكون لها أوقاتها الملائمة حتى تشتمل دائما قوة الحب الكامنة في نفس الزوجين وروحيهما معا .

ولكن لعل هناك سببا آخر للزيجات التمسة الحديثة ، فالحب بطبيعته الممقدة نادرا ما يأخذ طريقا واحدا بالنسبة للرجل والمرأة . ونادرا ما يسير حب كل منهما موازيا للآخر . بل نادرا ما نري شخصين متكافئين في الحب في حد حياتهما الزوجية ويستمران في حبهما لبعضهما بنفس القوة ، فغاليا ما يحدث ان يضيف حب أحدهما بمرور الزمن . وفي هذا الوقت يجب على المرأة ان تلعب دورها المهم حتى تحتفظ بسعادتها الزوجية .

ولعل أكثر نساء اليوم قد تناسين أن الزواج ليس مجرد حقوق تؤخذ ، بل هو من ناحية اخرى واجبات تعطى . ولعلهن لا يذكرن ايضا ان مهمة المرأة الكبرى هي أن تعطى أفضل وأشرف وأسمى ما تملك من عاطفة

ونحن نهتم أيضا تلك المدنية الحديثة ، لأنها من أهم اسباب فشل الحياة الزوجية وتقويض دعائمها . المدنية الحديثة التى يسرت للمراة ان تجرفها تيارات من الأفكار الحديثة والآراء التي تضرها أكثر مما تنفعها . إذ أن النساء في هذا العصر الحديث يحاولن تقليد الرجل في كل شئ والخروج إلي معترك الحياة مثله . . ولكنهن أخطأن بذلك في حق أنفسهن ، فالمراة المسترجلة تعادل الرجل المخنث ، والمراة التي تحاول ان تكون رجلا عما هي نسخة رديئة من بنات جنسها

فالمرأة لها دورها الذي خلقت من أجله لتؤديه على مسرح الحياة ، وعليها أن تحتفظ بأنوثتها إذا ما ارادت السعادة في الزواج . . وحظها في هذه السعادة سيلازمها ما دامت لا تحيد عن مهمتها التى وجدت لها .

والمرأة السعيدة هي التي تبقى على حقيقتها في حياتها .

أقصد تلك التي تظل دائما زوجة وأما والتي تعتقد دائما انه قد القيت على عاتقها مهمة كبرى تتقبلها في سرور وشجاعة ، فتحتفظ دائما بروح الهدوء والسلام في مجري حياتها ، وهما اساس السعادة العامة . وسعيدة هي المرأة التي تشع من حولها تلك الروح . . وستكون السعادة ملء بيتها تبعا لذلك ما دامت لديها القوة الكافية التى تجعل الرجل يستسلم إليها عن طريق الحب والحب فقط .

كل هذه الأسباب إذا تأملها الرجل والمرأة معا كانت السعادة رائد حياتهما وعليهما تتوقف نتائجها وخاصة المرأة ، فهي كالتربة الخصبة التي تتلقي الماء من السماء فتنبت البذرة وتحمل الثمار التي وجدت من أجلها . . ثمار الحب التي تتعهدها وتنميها وتعني بها .

فلندعها نسير وفق غر يزتها الطبيعية لتلعب الدور الذي خلقت له ، وحينئذ لن يعلق بحياتها اي شقاء . بل بل ستحوطها السعادة دائما .

اشترك في نشرتنا البريدية