نسبوه إلى عالم الفراخ والديكة لأن الشهقة التى تعقب نوبة السعال تذكر سامعها بديك واقف على ربوة غير عالية يرسل الصيحة تلو الأخرى ، وكأنه ينادى من حوله قائلا هل من منازل هل من مبارز . والفرق بين الديك والطفل أن الأول يرسل الصيحة وهو فى قمة الغرور والشعور بالتفوق ، بينها يرسلها الطفل وهو منهك ذليل لا بكار يقوى حتى على الوقوف من فرط ما سعل . والديك قد يستدع الإعجاب برأسه الصغير الذى يرفعه إلى أعلى متحديا السماء وعرفه الأحمر القانى الذى يكاد يتفجر . أما الطفل فإنه يبعث فيمن حوله شعور ألم وإشفاق وهو يطأطىء رأسه محدقا بعينيه فى الأرض الطيبة التى يقف عليها ، والتى تبعث فيه وهو يدب عليها بقدميه الصغيرتين شعور الأمان بأن روحه لم تزهق بعد ، فيسرع متعثرا إلى أقرب إنسان أو جماد ليمسك به فى استغاثة مؤلمة عساه أن يأخذ بيده إلى بر السلامة ويعينه على بلواه.
والسعال الديكى لا يرحم كبيرا ولا صغيرا ، ولكنه قاهر جبار فى ميدان الطفولة حيث الفريسة سهلة تستسلم دون مقاومة ، وهو أكثر ما يحدث بين السنة الاولى والخامسة من العمر ، ولو أنه قد يصيب الطفل الوليد ، وكثيرا ما شاهدنا أطفالا لا تتجاوز أعمارهم أسبوعين يسعلون ويشهقون حتى تكاد تزهق أرواحهم .
وتنتقل العدوى فى هذا المرض بوساطة الرذاذ الذى يتطاير من الفم والأنف أثناء السعال ، وتكون العدوى على أشدها بين أفراد المنزل الواحد لأنه وجد أن جرثومة المرض تعلق بالفريسة الجديدة - أى المخالط السليم - بنسبة ٨٠ إلى ٩٠ ٪ إذا كانت المسافة بين المريض والسليم أثناء السعال أقل من مترين . أما فى المدارس والملاجىء .
فنسبة العدوى حوالى ٢٠ ٪ وكلما كان المريض فى الهواء الطلق قلت قابلية الاطفال الذين يلعبون حوله للعدوى . ويحدث فى حالات نادرة أن تنتقل الجرثومة بوساطة الهواء مثلا من شقة إلى أخرى فى العمارة الواحدة أو من منزل إلى آخر فى نفس المنطقة .
وتبدأ العدوى بالمرض من أيامه الأولى ، بل هى على أشدها في دور الرشح الذى يسبق ظهور الشهيق . ويمكن تشخيص المرض فى هذا الدور بأخذ مزرعة من الرذاذ المتطاير أثناء السعال ، وذلك بوضع المزرعة أمام فم الطفل وهو يسعل ، ثم تفحص بكتريولوجيا . وقد أثبت البحث أن الجراثيم أكثر ما تكون فى الأسبوعين الأولين من المرض ثم تقل تدريجيا وتختفى تماما فى العادة فى نهاية الأسبوع الرابع ، إلا أنها قد تبقى حتى الأسبوع السابع أو الثامن . وقد يستمر السعال والشهيق مدة أطول من هذا بكثير ، ولكن ليس هذا دليلا على أن الطفل لازال مصدر عدوى لمن حوله ؛ فإذا أدركنا هذه النقطة فهمنا كيف يرسل الطفل إلى المدرسة دون قصد فى أيام الرشح الأولى فينشر العدوى بين أقرانه ويكون أشد خطرا على من حوله منه فى الأسابيع الأخيرة من المرض ، حين يعلو الشهيق ويخيل للجميع أن هذا الصخب والضجيح دليل شدة احتمال العدوى .
ويحدث أن يتم الشفاء ، ثم يصيب الطفل برد بسيط خلال بضعة الأسابيع التالية فيرجع السعال الديكى كمادة لا كمرض ، وكأن أعصاب الطفل قد طغت عليها (( عادة )) الشهيق عند السعال ، فيجب ان يمضى وقت طويل قبل أن ينساها الطفل وأذكر هذا لأطمئن الوالدين حتى لا يظنا أن ما بطفلهما نكسة ، وهو فى الواقع عود إلى عادة قديمة . والواقع أن الإصابة بالمرض تعطى مناعة دائمة طول الحياة ، ويندر جدا أن يصاب الطفل به مرة ثانية .
وتظهر أعراض المرض عادة بين اليوم الخامس والعاشر من تعرض الطفل للعدوى ، وقد تطول مدة الحضانة إلى ستة عشر وما ، وقد تقصر فى بعض الحالات إلى ثلاثة أيام ، وتكون الأعراض فى أول الأمر على شكل برد بسيط لا يلفت النظر ولا يغرى بالشك فى طبيعته ، حتى إذا ما جاء اليوم الخامس أو السادس يزداد السعال ، شدة ويكثر حدوثه أثناء الليل لدرجة تقلق نوم الطفل ، ويأتى على شكل نوبات يزرق فى أثنائها وجه الطفل وتنتهى عادة بالقىء ، ثم يظهر الشهيق بعد أيام قلائل ، ولو أن هذا ليس دائم الحدوث ، وخاصة فى السنة الأولى من العمر .
وإن منظر الطفل عند ما ينتابه السعال لمؤلم حقا ، فهو يجرى نحو والدته أو مربته ويتعلق بها طالبا الغوث ، أو قد يمسك بكرسى قريب ويستند إليه ثم يسعل فى سلسلة متصلة قد تصل إلى خمس عشرة مدا ، وفى سرعة عجيبة لا تمكنه من أن يتنفس ، فيزرق وجهه وتنتفخ منه أوردة الرقبة وتدمع عيناه وهما تكادان تخرجان من مآقيهما ، ثم يعقب كل هذا شهيق عال بشبهه العامة بصياح الديك ، وقد يشهق الطفل فى النوبة الواحدة ما يزيد على ست مرات ، ثم تنتهى الرواية القصيرة المؤلمة بأن بتقايأ الطفل مخاطا لزجا ويرتمى على أول مقعد وهو منهك لا يكاد يقوى على الوقوف .
ويتفاوت عدد النويات من خمس إلى خمسين فى اليوم الواحد ، وأكثر ما يهيج السعال جرعة باردة أو تيار هواء بارد أوالقيام بأى مجهود كالجرى مثلا ، أو الانفعالات النفسية كالبكاء والضحك ، أو دخان السجائر . وكثيرا ما يكون التقليد باعثا على إثارة السعال كأن يسمع طفل مريض بالسعال الديكى طفلا آخر يسعل أمامه أو على مسمع منه . وتكون النوبات فى الليل أكبر منها في النهار وفى غرفة مقفلة أكثر منها فى الهواء الطلق .
وهناك حالات متوسطة الشدة لا يسمع فيها الشهيق
الذى يتميز به مرض السعال الديكى ، ولكن يمكن تشخيصها بما نلاحظه من شدة السعال واستمراره حتي يخرج الإفراز المخاطى اللزج ، والقىء فى معظم الحالات ، وتورم الجفون وانهمار الدمع من العينين . وكثيرا مانرى أطفالا يسعلون لدرجة الاختناق ومع هذا لا يسمع لهم شهيق . ويحدث أحيانا أن يصاب المريض بالتهاب رئوى حاد فتقل النوبات مؤقتا حتى يشفى الطفل من الالتهاب وعندها تعود أشد مما كانت .
ومما لاشك فيه أن هناك حالات خفيفة نكاد لاتفرق من النزلة الشعبية العادية ، ومما يسهل على الطبيب تشخيصها حدوثها فى حالات انتشار السعال على هيئة وباء ، فبينما هناك طفل يسعل ويشهق حتى يوقظ الأهل والجيران ، إذا بآخر لا تظهر عليه أكثر من علامات البرد العادى .
وينتج من شدة السعال نزيف من الأنف أو العين أو الشعب فيتلون البصاق بالدم ، ويظهر تحت ملتحمة العين ، مما يسبب انزعاجا لأهل المريض ، وقد يتسرب الدم من الأذنين ، وقد يكون النزيف من أوعية المخ ، وهذا الأخير خطير جدا بطبيعة الحال ، وهو - لحسن الحظ - نادر الحدوث .
ومن مضاعفات السعال الديكى التهابات الأذن والإلتهاب الرئوى ، وقد يتأثر الجهاز العصبى كذلك فتنتاب الطفل تشنجات قد تعقبها الوفاة إذا كانت ناتجة عن تزيف فى الخ ، أما ما عدا ذلك فانها تنتهي بسلام .
ويستمر السعال من ثلاثة أسابيع إلى ثلاثة أشهر ، يخف بعدها تدريجيا فى حوالى ثلاثة أسابيع . ولا يسمح للطفل بالعودة إلى مدرسته قبل مضى ستة أسابيع من ابتداء المرض .
أما علاج السعال الديكى فمن أهم عناصره تعريض الطفل للشمس والهواء النقى وإعطاؤه المسكنات التى قد تفلح فى الإقلال من عدد النوبات ، وقد يستفيد الطفل
كثيرا من تغيير الهواء أما الطعم (( أي الفاكسين )) فقد يفيد علاجيا إذا أعطى مبكرا ، ولو أن هناك من يشكك فى مفعوله ، وخاصة المدرسة الأمريكية . أما المدرستان الإنجليزية والأوربية فتعتقدان أن للطعم فوائدلاشك فيها من حيث الوقاية والعلاح ، وخاصة إذا حقن فى بداية المرض قبل ظهور الشهيق . وإذا أصيب الطفل المخالط رغم حقن (( الفاكسين )) فإن الأعراض تكون غير
شديدة والنوبات قليلة .
