الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 51 الرجوع إلى "الثقافة"

السفاح

Share

إلى أخى الأستاذ العبادى : قرأت مقالك الثانى ، بعد أن قرأت مقالك الأول ، وقد راعنى فى مقالك الأخير أن تطلب إلى ، وأنا مؤرخ زمنا ما ، وفاض زمنا ما ، أن أحكم فى القضية ؛ ورأيتك بذلك قد كلفتنى شططا أى شطط ، فكيف يجرؤ - أولا - مؤرخ زمنا ما أن ينقد مؤرخا دائما قضى طول حياته باحثا منقبا مؤرخا ؟ إن ذلك - يا أخى - مطلب - بلا شك - عسير ، وكيف أحتمل - ثانيا - أن أكون حكما ، وقد كنت قبل خصما ، وأنت تعلم استهجان الناس قديما وحديثا لمن كان خصما وحكما معا ، فالخصم محام يؤيد وجهة نظر خاصة ، ويهمه أن يجليها ، وقد يبالغ فيها ، والقاضى وازن للآراء المختلفة ، مجرد من العاطفة ، والتحيز لرأى خاص ، فكيف تطلب منى أن أجمع بين المحاماة والقضاء ، وأن أعطف على وجهة نظر ، وأتجرد منها فى وقت واحد ؟ وهل هذا جائز فى الطبيعة البشرية ؟ وإذا كنت قد أنكرت أن تجمع الطبيعة بين كريم جميل وسفاك ، فكيف تجيز أن تجمع الطبيعة بين الشىء وضده ، والأمر ونقيضه ؟ . ألا ترى بعد - يا أخى - أنك طلبت فأعسرت ، وكلفت فشققت ؟ مع هذا لا يسعنى إلا أن أنزل على حكمك ، وأن أحاول التجرد من تحزبى ما استطعت ، ولأسر فى مسألتك سيرى قبل فى قضائى .

تتلخص (( عريضة )) الدعوى المقدمة منك فى أمور : (الأول) أنك تفكر أو تستبعد أن يكون شاب جميل عفيف وفى كريم طروب كأبى العباس سفاكا للدماء .

واسمح لى أن أقول إن هذا الجزء من الدعوى غير

صحيح ، فالطبيعة البشرية سمحت به وتسمح كل يوم ، والتاريخ مملوء بالشواهد الكثيرة على ظهور رجال جمعوا بين اللطف والكرم ، والعفة والشباب ، والجمال والطرب ، وبين سفك دماء البشر ؛ بل إن هذا هو المثل الأعلى للعربى الجاهلى ، كرم إلى أقصى حد حتى لا يبقى شيئا ، وشجاعة إلى أقصى حد حتى ليفنى الأعداء إفناء . ولا أحيلك على معلقة طرفة . (( فان تبقه فى حلقة القوم تلقه )) و (( متى تأنه يصبحك كأسا روية )) ، (( وهو فى ذروة البيت الرفيع المصمد ، نداماء بيض كالنجوم )) . وهو طروب : (( إذا قال أسمعينا ، البرت له مطروفة )) ؛ فيسمع ويطرب ويشرب ، ومع كل ذلك إذا قال القوم من فتى ، فإياه يعنون ، يجيب ويصول ويطول : (( ويسقيهم بكأس حياض الموت قبل التهدد )) .

فهل ترى أن طرفة فى هذا خالف الطبيعة البشرية ، أو هو مثل واضح من الطبيعة البشرية ؟

ولا أذكرك بعنترة وهو القائل : (( سهل مخالفتى إذا لم أظلم )) . والقائل :

فإذا شربت فاننى مستهلك

                 مالى وعرضى وافر لم يكلم

وهو أيضا القائل :

جادت يداى له بعاجل طعنة

                 بمثقف صدق الكعوب مقوم

ولست أحدثك عن عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وأمثالهما ، وما روى التاريخ لهم من أعمال نقرأ بعضها فتراها تسيل رقة ولطفا ووداعة وكرما وعفة ، ونقرأ بعضها لهم أنفسهم فتراها ترعبك قسوة وغلظة وسفكا ؛

وترى الرجل الواحد أحيانا يحن حنين حمامة ، وأحيانا يلبس جلد نمر ؛ والطبيعة البشرية تفسح صدرها لكل هذه المتناقضات ، أو على الأقل التى تسميها أنت متناقضات .

ولعلنا نقرأ من حين إلى حين من تعد ملكة الجمال لطفا ورقة وعدوبة ، ثم هى تستفز لسبب من الأسباب فتسفك الدم ، وتقتل أشنع قتل وأجرأه وأقساه ، ولا يمنعها جمالها ورقتها من وحشيتها .

وأنت أعلم منى بهذا الباب من التاريخ . إذا فهذا الجزء من الدعوى مرفوض شكلا وموضوعا ، وأن السفاح يجوز أن يكون شابا ظريفا عفيفا كريما ، وسفاكا للدماء ، بحكم الطبيعة البشرية .

والجزء الثانى من الدعوى ، أن السفاح الذى وصف به أبو العباس مؤسس الدولة العباسية ، والذى وصف هو به نفسه فى خطبته ليس معناه السفاك للدماء ، بل معناه الكريم السخى ، وذلك من معانيه اللغوية .

والمحكمة ترى أن هذا الجزء من الدعوى قد عدل عنه المدعى فى مقاله الثانى فقال : " إنى أعلن اليوم أنى لا أتمسك بهذا التفسير للفظ السفاح ، لأسباب سأذكرها " فالمحكمة تهمله لأنه لم يعد مطلبا للمدعى . ولكن لا يفوتها أن تلاحظ أن لفظ السفاح لما كان فى الدعوى الأولى يوصف به أبو العباس مؤسس الدولة ، اجتهد المدعى أن يفسره بالكريم ، فلما تبين له أنه وصف اسمه أقر بأن ممناء السفاك للدماء ، وعلى قول إخواننا الأزهربين " في هذا ما فيه " .

الدعوى الثالثة أن السفاح بمعنى السفاك : (( إنما أطلق أصلا على عبد الله بن على الوالى على الشام لعمه أبى العباس ؛ وقد استحق هذا اللقب باسرافه فى قتل الأح0ياء من بنى أمية )) ، (( وأن لفظ السفاح نقل خطأ من حامله الأصلى عبد الله بن على أمير المؤمنين أبى العباس )) ، (( سمع هؤلاء المؤرخون الجدد الرواة يذكرون عبد الله السفاح ،

فخيل إليهم أن المراد عبد الله بن محمد بن على أبى العباس الخليفة ، لا عمه عبد الله بن على واليه على الشام ، فتشابه الاسمين كان علة اللبس )) .

والمحكمة ترى أن هذه الدعوى ذات شطرين : الشطر الاول أن السفاح لقب لقب به عبد الله بن على عم الخليفة وواليه على الشام . وهذا الشطر صحيح بالأدلة التى ذكرها وإن كان لا يمنع أن يكون لقب السفاح أطلق على أكثر من واحد .

وشطر آخر هو أن الخليفة لم يلقب بالسفاح أيضا ، وإنما هو خطأ المؤرخين الجدد . وهذا الشطر الأخير غير صحيح لما سيظهر فى مناقشة الجزء الآتى من الدعوى .

والجزء الأخير من الدعوى ، وهو أهم الآجزاء ، وهو اساس المقالين ، أن (( السفاح )) لم يكن لقبا للخليفة الأول ، ولم يعرفه المؤرخون الأولون إلى عهد الطبرى ، وأن القرن الثانى والثالث مرا من غير أن يلقب هذا الخليفة بالسفاح ، وإنما جاء هذا اللقب للخليفة من طبقة من المؤرخين جعلت قصدها إمتاع القارئ وتفكهنه كأبى الفرج الأصفهانى وأمثاله .

هذه هى النقطة الجوهرية فى الموضوع ، والمحكمة مخالفه فى هذا الرأى كل المخالفة ، وتبنى حكمها على (( مستندات )) تدل على نسبة هذا اللقب للخليفة فى القرن الثانى والثالث الهجربين .

وتقدم لذلك مقدمة منطقية بديهية ، وهى أن المدعى إذا قال إن ابن عبد الحكم والبلاذرى والطبرى لم يلقبوه بالسفاح فليس معنى ذلك أنه لم يلقب بالسفاح ولم يكن عدم ذكرهم حجة على الدعوى ، وأن الخصم إذا أثبت أن شخصا واحدا موثوقا به كان فى القرن الثانى أو الثالث لقب أول خليفة بالسفاح كان ذلك حجة لقول الخصم ؛ فكيف إذا أثبت ببراهين متعددة استفاضة هذا اللقب للخليفة ؟

إذا كان هذا مسلما فلتسق الأدلة .

ثبت لدينا أن جملة من مشهورى المؤرخين والأدباء لقبوا الخليفة الأول بالسفاح ، وهم المدائنى شيخ ابن جرير الطبرى والناقل عنه والمتوفى نحو سنة ٢٩٤ ه عن ثلاث وتسعين سنة ، والجاحظ إمام الأدباء والمتوفى قبل ابن جرير الطبرى بنحو خمس وخمسين سنة ، وابن قتيبة الدينورى إمام عصره فى اللغة والأدب والحديث والمتوفى سنة ٢٧١ .

فهؤلاء ، وهم أعلام القرن الثالث إذا لقبوا أبا العباس أول الخلفاء العباسيين بالسفاح كان ذلك دليلا على اشتهار هذا اللقب قبل الطبرى ، وأنه كان معروفا منذ أوائل القرن الثالث على الأقل .

أما النصوص فهى : ( ١ ) روى ابن النديم فى الفهرست - وهو أيضا حجة - عند كلامه على المدائنى أنه ألف كتبا فى أخبار الخلفاء ، منها كتاب أخبار الخلفاء الكبير (( ويحتوى على أخبار أبى بكر وعمر ، إلى أن يقول : والوليد بن يزيد ، ويزيد بن الوليد ، ومروان ، والسفاح ، والمنصور )) الخ ص ١٠٢ .

فابن النديم يعدد عناوين الكتاب ، ومنها عنوان السفاح ، ولا يمكن أن يكون السفاح عم أبى العباس لأنه يعدد الخلفاء .

(٢) أما الجاحظ فقد روى فى البيان والتبيين ما يأتى قال :

(( أخبرنى ابن السندى قال دخل العمانى الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج ، فقال الرشيد : إياك أن تنشدنى إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان دمالقان . قال : يا أمير المؤمنين ، قد والله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته ، وأنشدت يزيد بن الوليد وابراهيم بن الوليد ... وأنشدت السفاح ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته وأنشدت المنصور )) الخ . جزء ٩٣/١ .

فالعماني - أولا - في عهد الرشيد يسمى الخليفة

الأول (( السفاح )) كما ترى ، والجاحظ - ثانيا - يروى هذا اللقب .

(٣) وأما ابن قتيبة فيقول فى كتابه (( الشعر والشعراء )) ما يأتى :

ا - روى قصة العمانى كما رواها الجاحظ وسماه السفاح ص ٤٧٥ طبع أوربا .

ب - وقال فى ترجمة أبى دلامة ، وكان منقطعا إلى أبى العباس السفاح ، فقال له يوما : سل حاجتك ، قال يا أمير المؤمنين الخ ص ٤٨٧ .

حــ - وقال فى ترجمة حماد عجرد : وهو القائل فى محمد بن أبى العباس السفاح كذا ص ٤٩١ .

وأعيذك - يا أخى - أن تستشهد بابن قتيبة فى كتاب (( الإمامة والسياسة )) وهو الذى يشك المؤرخون في نسبته إليه ، وتنكر ما قاله فى الشعر والشعراء ، وهو ما أجمع الناس على نسبته إليه .

بل أريد أن أقول إنه لا يصح إنكار هذه المستندات إلا إذا أنكرنا نسبة هذه الكتب إلى أصحابها ؛ وفي هذا جرأة لا أتوقعها منك ؛ فإذا صح نسبتها إليهم ، فليست المسألة مسألة رواية يمكن مناقشتها وادعاء صحتها وبطلانها ؛ بل هى ، ولو كانت روايات باطلة ، يكفى أن ينطق فيها باسم السفاح المداينى والجاحظ وابن قتيبة لنتأكد من أن هذا الاسم معروف من أول القرن الثالث .

هذا - يا أخى - رأى المحكمة التى حكمتها ، حاولت بقدر ما تستطيع الطبيعة البشرية أن تتجرد من التحزب والعصبية ؛ فان أرضاك الحكم فيها ونعمت ، وإلا فلا كلام للقاضى فى القضية بعد أن ينطق بالحكم ، وإنما لك الحق كل الحق فى الاستئناف عند هيئة أخرى . والسلام عليك من أخ يحبك ويجلك ،

اشترك في نشرتنا البريدية