بينما تتصارع الشيوعية والديمقراطية من جهة، وبينما تتصارع شعوب تدين بالإسلام مع كلتا الكتلتين من جهة أخرى؛ يقفز من بين الشعوب الإسلامية دعاة إسلاميون وهيئات إسلامية، فيتقدمون الصفوف، ويمسكون بدفة التوجيه فى محاولات جبارة ليحولوا وجهة الكفاح الشعبي في القعة الإسلامية، إلى كفاح إسلامى يستعصى على الفكرة الشيوعية، ويتمرد على دعاة الديمقراطية، ويتجه إلى الإسلام.. ليكون القوة الإسلامية الأولى، التى انبعثت من بطن الصحراء، لتديل دولة الفرس الوثنية، وتزيل دولة الرومان الظالمة، فتبلغ رسالتها، وتؤمن رقعتها، وترفع الظلم عن كل إنسان
وفى غضون ذلك كله، ومن بين صفوف قادة الفكر، ودعاة الفكرة، ومن بين أبراج الأدباء والكتاب فى بلادنا؛ رأينا صاحب قلم جرىء، ينزل من بين الأبراج، ليبرز خلال الصفوف الشعبية، متجرداً، مخلصا، للكفاح.. الكفاح المرير بثمنه وقيوده، فيضرب هنا ويضرب هناك، ضربات متتاليات متواليات، فى ميدان الفكرة الإسلامية، وفى ميدان الفكرة الإشتراكية. وفى ميدان الشعوب.. لتأكل.. لتلبس.. لتعى.. لتتحرر. لتعيش عيشة الإنسان!
وما نظننا بعد فى حاجة إلى الإشارة لصاحب هذه الضربات الحرة السافرة، فنحن نعرف فيها الأستاذ سيد قطب، كما نعرفه بها والجدير بالإشارة: أن الفكرة الإسلامية تحت ذبابة قلمه بدت لنا مكبرة ضخمة، واضحة، فى كلياتها وجزئياتها، فى مباحثها وأقسامها؛ وهذه حالة جديدة، وظاهرة فريدة، فى
(الفهم الإجتماعى) للفكرة الإسلامية، منذ نشأت إلى الآن.. فكل ما كان من فهم لفكرة الإسلام، لم يعد تناول بعض جنباتها فى شطحات مفككة، بين خطأ وصواب؛ أما سيد
قطب فكان من الإسلام فى عصرنا الحاضر، بمثابة العدسات المجمعة المكبرة.. المفرقة الموزعة، أو كان بمثابة المرآة الضخمة التى إنعكست لنا فيها الفكرة الإسلامية، واضحة ناطقة صافية معقولة، جذابة منطقية
ولعلنى لا أعدو الواقع، حين أقول إن سيد قطب لو قدر له فى أسلوبه، طبيعة السخرية والتورية، والإيماء والكناية؛ لفاق تأثيره تأثير (فولتير) فى هزه للنفس البشرية، من داخل لا من خارج، وفى إشعاره لها بالكبت والضغط.. وإذن لاحتل سيد قطب فى حيلته وفى عصره مكانة لا تقل عن مكانة (فولتير) فى التاريخ.. ولدى المؤمنين بالحرية والإخاء والمساواة بعد مماته. ولكننى أعتقد أن سيد قطب ينأى بنفسه عن ذلك الجانب، ليوائم بين كتابه وحقيقة ما يكتبه عن الفكرة الإسلامية، التى لا تعرف الألغاز والمعميات، والتى لا تهرب من الضوء. وأعتقد أيضا أن الجامع مع ذلك بينه وبين (فولتير) هو أن كليهما فى عصر ويلد ملىء بالقلق، ملىء بالتطلع، وأن كليهما مخلص لفكرته، مؤمن بها فى ميدانه، وأن كليهما متأثر بعصره، شديد التأثر فى زمانه وما بعد زمانه.. ورغم ما بينهما من تفاوت فى المنهج والمنحى والطريقة , ورغم ما بين فكريتها من تباين فى الأسس وفى الأصول
وقد لا يقصر بى التعبير عن الواقع حين أقول: أن طبيعة الأستاذ سيد قطب ككاتب، طبعة مرنة لينة، تستجيب وتعى.. وتتأثر وتؤثر. فى أسلوبه بساطة محببة أليفة، وسلاسة طبيعية غير متكلفة، وفى أدائه دقة الكليات والجزئيات.. وفى تصويره براعة التناسق والتوازن، والتعادل والانسجام. وإنك لا تكاد تقرأ الصفحة من كتابه، أو النهر من مقاله، حتى تقسم بكل مقسم، أنك قد لمست من خلال السطور، رفرفة الروح، وحرارة العقيدة، وتظارة الفكرة، وأن سيد قطب يكتب حين يكتب، بكل جوارحه ومشاعره وأحاسيسه؛ وأنه يفنى فيما يكتب ويخلص لما يسطر، وأنه يتكلم من خلال السطور، فى قسوة وفى رحمة..
بيديه ورجليه، وعقله وعاطفته
وهذه واحدة أخرى نذكرها فى إجمال عن طبيعة مؤلفاته الإسلامية، وطريقة عرضها: بعد أن قدمنا طبيعته ككاتب، فى أسلوبه، وفى تصويره، وفى أدائه:
قرأت للأستاذ سيد قطب فى ميدان الفكرة الإسلامية، خمسة كتب: التصور الفنى فى القرآن. والعدالة الإجتماعية فى الإسلام، ومشاهد القيامة فى القرآن، ومعركة الإسلام والرأسمالية، وأخيرا هذا الكتاب الذى بين يدى (السلام العالمى والأسلام) وقد عرفت عن هذه المؤلفات عدة أشياء؛ تتركز فى دقة التقسيم، وجودة العرض، والقدرة على الإستنباط والإستنتاج وعمق البحث وجدته؛ وتتمثل فى بساطة وسهولة وسلاسة توائم سائر القراء من جميع الطبقات، رغم ما بها من تجنيح وتحليق، فى تقسيماته واستنباطاته وإستنتاجاته؛ على جعبة مليئة بالعديد الدقيق من مألوف ألفاظ الإقتصاد والمنطق والطبيعة. وعرفت أيضا لمؤلفاته طريقتين وطرفين : إحداهما , هادئة كالسطح الساكن، وأخراهما متأججة ثائرة لا تلوى على شىء.. الطرف الأول فى كتابه العدالة، والثانى فى كتابه المعركة، وبين الكتابين وبين الطريقتين، أوساط عديدة تقف بين الوجه الهادى للنفس المتأججة، وبين الوجه الغاضب للنفس الثائرة، فى مكان خاص بين الوجهين والطريقتين، وكتاب المؤلف الأخير أقرب إلى الهدوء وإلى العدالة منه إلى المعركة، وإن كان الباب الأخير فيه، يميل إلى أن يكون وسطا متوازيا فى عرضه وأدائه بين الكتابين، وبين الطريقتين
وقد كان بودى أن أتحدث عن كتبه كلها، ولما أكنه لها ولنتاجه وطريقته من تقدير وحب، لولا إننى فى مجال الحديث عن كتابه الأخير، أو هذا هو ما فرضه على الإعجاب والحب. ولا أعتبر أن ثمة إعتبارا من حبى وإعجابى يقف بينى وبين أن أقول للأستاذ سيد قطب على رؤوس الناس ما يود سائر القراء قوله: لقد وضعت لبنات جديدة فى (مكتبة القرآن) حتى كتابك (مشاهد القيامة فى القرآن) رغم أن جودة العرض وحسن التقسيم قد هربا منه هروبا لم يخلف ورائه سوى مستنبطات ومستنتجات.. الحق أنها تستأهل الإعجاب والتقدير. والحق أنها تستأهل أن يكون بجوارها جودة العرض وحسن التقسيم، لتكون لها القيمة
النشودة، والفائدة المرجوة
وعسير على الباحث، كما يقول المؤلف فى كتابه (السلام العالمى والإسلام) - (البحث فى أى حقل من حقول الإسلام، دون الإلمام بفكرة الإسلام الكلية عند الكون والحياة والإنسان.. فهذا الدين لا يعالج مشكلات الحياة أجزاء وتفاريق.. إنما هو يرجعها كلها إلى نقطة إرتكاز واحدة.. مردها إلى فكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان) وفكرة السلام فى الإسلام (تتصل إتصالاً وثيقاً بطبيعته وبفكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان) ومن أجل هذا يعقد المؤلف باباً خاصا بعنوان (طبيعة السلام فى الإسلام) ويؤكد فيه أنه يجب أولاً وقبل كل شىء، ربط فكرة السلام بفكرة الإسلام الكلية عن الكون والحياة والإنسان رغم إنها ليست موضوع كتابه هذا
كما لم تكن من موضوع العدالة. والمؤلف يستهل ذلك الباب بقوله : (( إن فكرة السلام فى الإسلام فكرة أصلية عميقة )) ثم يمضى بربط فكرة السلام بفكرة الإسلام الكلية , إلى أن بقوله: (من هذا التناسق فى طبيعة الكون، وفى ناموس الحياة وفى أصل الإنسان. تستمد طبيعة السلام فى الإسلام.. فتيتند إلى أصل أصيل عميق، ويصبح السلام هو القاعدة الدائمة، والحرب هى الإستثناء). ولكن الإسلام (يستبعد الحروب التى تثيرها العصبية العنصرية) أو (العصبية الدينية بمعناها الضيق.. كراهية الأديان الأخرى) كما (يستبعد الحروب التى تثيرها المطامع والمنافع: حروب استعمار والاستغلال والبحث عن الأسواق والخامات، وإسترقاق المرافق والرجال) ويستبعد أيضا تلك (الحروب التى يثيرها حب الأمجاد الزائفة للملوك والأبطال، أو حب المغانم الشخصية والأسلاب) .. فما هو ذلك النوع من الحرب، الذى يستثنيه الإسلام من قاعدته الدائمة: السلام؟
نترك ذلك للمؤلف فى كتابه، كما نترك ما يطوف حول موضوع السلام والحرب فى الإسلام من شبهات وظنون، ومخاوف وأقاويل
قد يسأل القارئ، لماذا وضع المؤلف ذلك الكتاب..؟ ولمن يقدمه من الناس.؟ ونعتقد أن الجواب يدلى به المؤلف نفسه فى أخريات الفصل المعقود بعنوان (العقيدة والحياة) الذى جعله مطلعا لكتابه، حيث يجيب فى أخرياته من ثنايا قوله (ولقد كنا
نتجنى على عقيدتنا الضخمة.. أنها لا تسعفنا بالحلول العملية لمواجهة الحياة العصرية ومشكلاتها وبخاصة فى الحقل الإجتماعى والحقل الدولى. فأما الحقل الاجتماعى فقد صدرت فيه عدة مؤلفات تكشف الحلول العملية التى يملك الإسلام أن يوجه بها الحياة.. وأما الحقل الدولى، فربما كان العمل فيه قليلاً، ولم تشرح هذه الناحية بعد شرحاً كافياً، وأمامنا اليوم مشكلة السلام العالمى التى تواجهها البشرية جميعاً. ونواجهها نحن ضمناً. فهل للإسلام فيها رأى؟ ولها عنده حل؟
هذا الكتاب كله هو الإجابة التفصيلية على هذا السؤال.. وفى سبيل هذه الإجابة، وفى سبيل تحديد (طبيعة السلام فى الإسلام) وتفصيلها، يقيم المؤلف هذه الطبيعة، ويشيد ذلك السلام، ويبنى كتابه على عمد أربعة (سلام الضمير، وسلام البيت، وسلام المجتمع، وسلام العالم) فبدون واحد من هذه العمد لا يتحقق اللام فى نظر الإسلام، بل ولا يستقيم للآخر موقف، ولا يستقر له مكان (فالإسلام يبدأ محاولة السلام أولا فى ضمير الفرد، ثم فى محيط الأسرة.. ثم فى وسط الجماعة.. وأخيرا.. يحاوله فى الميدان الدولى بين الأمم والشعوب)
وفى سبيل (سلام الضمير) حيث (لا سلام لعالم ضمير الفرد فيه لا يستمتع بالسلام) وفى سبيل (سلام البيت) حيث أن (الفرد الذى لا يستمتع بالسلام فى بيته) لن يعرف للسلام قيمة، ولن يتذوق له طعماً، ولن يكون عامل سلام، وفى أعصابه معركة، وفى نفسه قلق، وفى روحه اضطراب) وفى سبيل (سلام المجتمع) حيث (تتشابك المصالح، وتتزاحم الدوافع، ويكثر الشد والجذب، والأخذ والعطاء) وفى سبيل (سلام العالم)
. . . فى سبيل كل ذلك
يستعرض المؤلف الوسائل والأسباب، ويستكشف السبل المؤدية فى الإسلام إلى (سلام الضمير، وإلى سلام البيت، وإلى سلام المجتمع، وإلى سلام العالم) على قيود النظر الإسلامية إلى الفرد والجماعة (فالفرد والجماعة فى الإسلام ليساعدوين ولاندين، إما هما خلية واحدة فى صورتين: الفرد فرداً، والفرد مشتركا فى
جماعة، وقد نشأت هذه الصورة من طبيعة الإسلام وإستمداد شريعته من الله لا من إنسان، فالفرد لا يشرع للجماعات فى الإسلام، والجماعة لا تشرع للأفراد، إنما يخضع افرد، وتخضع الجماعة، لذلك القانون الألهى الذى يرعاهم جميعاً، وحينما يتقرر ذلك يصبح أمن الفرد الشخصى هو أمن الجماعة الكلى، وأمن الجماعة العام هو أمن الفرد الخاص، بلا تعارض بينهما ولا انفصام
ثم يعقد المؤلف فصلاً آخر أو باباً ختامياً بعنوان (والآن...) يتساءل فيه عن طريقنا نحن الأمة المسلمة.؟ وكيف نواجه مسألة السلام العالمى بعقيدتنا اٌسلامية. وكيف نتصرف فى المجال الدولى طبقاً لهذه العقيدة، وما واجبنا تجاه الحياة.. وتجاه الإنسانية... وتجاه أنفسنا؟ وقبل أن يجيب الأستاذ يأخذ فى إستعراض الحالة الدولية، بما يقوم فيها من صراع، وبما يشتجر فيها من مذاهب، حتى يخلص بنا إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، وإلى (طريق الخلاص) الذى نترك كتابه يتحدث عنه فى واقع منطقى يعلو على الشك وعلى الجدال
ذلك هو كتاب الكاتب الداعية الأستاذ سيد قطب، حاولت جاهداً أن أجمل فكرته للقراء فى تلك السطور
وبعد فالكتاب يقع فى ١٨٠ صفحة من القطع المتوسط، ويتمتع بكل الخصائص الممكنة لمؤلفه، أما ما حدث فيه من تكرار لبعض ما ورد فيه من كتابه العدالة، مما قد يؤدى إلى إذهاب بعض جدته، فلعل السبب هو التشابك والتماسك فى كليات الفكرة الإسلامية وجزئياتها، تشابكا يرغم الباحث على التطرق لكل ما يجاور مبحثه المطروق. والكتاب أيضاً كتاب فريد فى بابه , فريد شموله وتكامله، وما نزال فى إنتظار كتابه التالى (نحو مجتمع إسلامى) متحضر، لأنه (كمحاولة للقيام بدراسة وافية لمقومات المجتمع الأسلامى ودستوره كما يمكن أن تكون فى القرن العشرين) يعد أقرب الخطوات الفكرية والكشفية لطريق العمل الجدى المنتج. وللوقت السانح للوحدة الإسلامية، فإلى ذلك الحين... وإلى ذلك الحين

