الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193 الرجوع إلى "الرسالة"

السلام المسلح

Share

السلام المسلح هو بلا ريب شعار السياسة الدولية هذا العام  فالدول العظمى تتسابق كلها في ميدان التسليح بحماسة لم يسمع  بها في التاريخ، ومع ذلك فالدول تؤكد نياتها السلمية، وتدعي  جميعاً أنها تقوي أهباتها الدفاعية دفعاً للاعتداء وتقريراً للسلم؛  وقد كانت إنكلترا إلى ما قبل أشهر قلائل أقل الدول العظمى تأثرا  بهذه الحمى في سبيل التسليح، ولكنها اليوم تنزل إلى نفس الميدان  ببرنامج للتسليح يفوق بضخامته كل ما عرف حتى اليوم،  وترصد لهذا البرنامج اعتماداً يبلغ ألفاً وخمسمائة مليون من  الجنيهات، وهو إسراف لم يسبق أن عرفته الإمبراطورية  البريطانية في تاريخها الحافل رغم اهتمامها دائماً بشؤون التسليح  والدفاع، وفي نفس الوقت الذي تتقدم فيه السياسة البريطانية  بهذا البرنامج العسكري الهائل تتقدم إلى العالم بنفس التأكيدات  السلمية التي لم تنقطع عن ترديدها طيلة الأعوام الأخيرة، وتعلن  أنها لا تتسلح إلا دفاعاً عن نفسها وحفظاً لكيانها ومصالحها،  وتأييداً للسلام العالمي الذي كانت قوة بريطانيا العظمى دائماً عاملا  كبيرا في تعزيزيه وتأييده

والسياسة البريطانية لا تخفي أنها كانت مسرفة في حسن الظن  بالعهود والمواثيق الدولية، وفي الاعتماد على مبادئ السلم وحسن  التفاهم بين الأمم، وأنها كانت مقصرة في مجاراة الأمم الأخرى  في التسليح بالدرجة التي يقتضيها مركزها الدولي، ومصالحها  الإمبراطورية العظيمة، فهي الآن تجري على نفس سياسة السلم  المسلح التي جرت عليها الدول الأخرى، بعد أن أيقنت أن  التخلف في هذا المضمار يعتبر خطراً على هيبتها الدولية وعلى  سلامتها وسلامة إمبراطوريتها المترامية الأطراف، وبعد أن  لمست عن قرب هذا الخطر جاثماً يتربص بها ويحاول أن يجد  فرصة في نقص أهباتها الدفاعية، وهي تعود اليوم فترى أن الوسيلة  العملية الوحيد لاسترداد مكانتها الدولية، وتأييد كلمتها وإرادتها

وحفظ سلامتها وطمأنينتها، هي أن تضاعف أهباتها في التسليح  حتى تستطيع أن تسحق أية قوة في العالم تفكر في مناوأتها  والاعتداء عليها

وليس من العسير أن نستشف بواعث هذا التطور الحاسم  في السياسة البريطانية الحالية وتحولها إلى خطة السلام المسلح،  بعد أن كانت تعتمد على المواثيق الدولية والسلامة المشتركة  والجهود السياسية، ففي حوادث العام الماضي تفسير شاف لهذه  البواعث، وأولها وأهمها بالطبع هي المسألة الحبشية التي فتحت  عيون السياسة البريطانية إلى حقائق لم تحسن تقديرها، فقد دبرت  إيطاليا اعتداءها على الحبشة عامدة متعمدة، وغزتها واستولت  عليها بوسائل عنيفة وحشية هي أدنى إلى القرصنة منها إلى الحرب  الحقيقية، ولم تعبأ بالمعاهدات المعقودة والمواثيق المقطوعة  ولا بكون الحبشية من أعضاء عصبة الأمم؛ وحاولت السياسة  البريطانية أن تحشد دول العصبة ضد إيطاليا في جبهة أدبية  اقتصادية تقاومها بالاستنكار والمقاطعة، فلم تحفل إيطاليا بهذا  السلاح السلبي وسخرت منه كما سخرت من السياسة البريطانية  ومحاولتها، وانتهى الأمر باستيلائها على الحبشة، ووطدت بذلك  سلطانها الاستعماري في شرق أفريقية بجوار السودان ومنابع  النيل وكنيا وشرق أفريقية البريطاني، ولم يكن موقف السياسة  البريطانية يومئذ دفاعاً عن الحبشة ذاتها، وإنما كان وسيلة للدفاع  عن مصالح الإمبراطورية، لأن قيام العسكرية الفاشستية في  الحبشة على هذه الصورة المتحفزة يهدد سلامة الأملاك البريطانية  ويهدد مواصلات الإمبراطورية في البحر الآحمر، وتوطد  سلطة إيطاليا الاستعمارية يهدد سياسة بريطانيا البحرية في البحر  الأبيض المتوسط، ولم تستطع بريطانيا العظمى يومئذ أن تلجأ  إلى سلاح العنف لمقاومة المشروع الإيطالي. ولم تحاول أن تغلق  قناة السويس في وجه القوات الإيطالية لأنها أدركت يومئذ أنها  ليست مستعدة للطوارئ تمام الاستعداد، وأن من الخطر أن  تدخل مع العسكرية الفاشستية المتوثبة في معركة لا تؤمن عواقبها  لهذا كله اكتفت بمراقبة الحوادث، وشهدت على كره منها  ومضض ظفر الفاشستية بغزو الحبشة وقيام الإمبراطورية  الإيطالية الاستعمارية، وشهدت انهيار سياستها القائمة على تحريك  العصبة؛ ولم يخف على السياسة البريطانية ما أحدثه ذلك الفشل

من صدع لهيبتها ونفوذها الدولي، ولم يخف عليها أنها كانت  قصيرة النظر حينما اعتمدت على فكرة السلامة المشتركة، وتخلفت  في مضمار التسليح حتى تفوقت عليها فيه أمم أخرى أصبحت  تناوئها الآن وتشاكسها

وفي نفس الوقت الذي نفذت فيه إيطاليا اعتداءها على  الحبشة على هذا النحو المثير، أعلنت ألمانيا نقضها لميثاق لوكارنو  الذي يكفل سلامة حدود الرين، كما أعلنت نقضها لآخر النصوص  العسكرية في معاهدة الصلح المتعلقة بتحريم التسليح في منطقة  الرين. وإنكلترا من الدول الموقعة على ميثاق لوكارنو. ومع أنها  لم تتأثر بتصرف ألمانيا قدر ما تأثرت فرنسا فإنها رأت في  انهيار هذا الميثاق الذي كان يعد ضماناً قوياً للسلام في غرب  أوروبا نذيراً سيئاً بانهيار فكرة السلام المشتركة وتقويض صرح  السلام الأوربي، ورأت فيه بالأخص ضربة أليمة لشرعية العهود  والمواثيق تنذر بانهيار سلطان القانون الدولي، وتبعث إلى الريب  في قيمة العهود الدولية، وتحمل على عدم الاطمئنان إليها، ما لم  تكن من ورائها القوة الكافية لتأييدها وضمان تنفيذها

ثم كانت المشكلة الأسبانية، وتدخل ألمانيا وإيطاليا فيها إلى  جانب الثوار الأسبانيين لإقامة حكومة عسكرية فاشستية في اسبانيا؛  وقد لمحت إنكلترا منذ البداية شبح الخطر الذي يجثم من وراء  هذا التدخل، وأدركت في الحال أن قيام حكومة فاشستية في  أسبانيا تؤيدها إيطاليا وألمانيا، وكلتاهما تضطرم طموحا إلى  الفتوح الاستعمارية. مما يهدد سيادتها في غرب البحر الأبيض  المتوسط، وهي سيادة تحرص عليها بالسهر على مدخل هذا البحر  من مضيق جبل طارق، وهو توجس لم تلبث أن حققته تطورات  الحرب الأسبانية، وتدفق الجنود الإيطالية والألمانية إلى أسبانيا.  وما قامت به الدولتان من المناورات الاستعمارية المزعجة في جزر  البليار ومراكش الأسبانية

إزاء ذلك كله شعرت إنكلترا بحقيقتين بارزتين، الأولى  أن هناك خطرا حقيقيا على سيادتها في البحر الأبيض يتفاقم يوما  بعد يوم، وان إيطاليا الفاشستية تبذل جهودا جبارة لتحطيم هذه  السيادة؛ والثانية أن سلام أوروبا لم يعد مكفولا، وأن ألمانيا  وإيطاليا المدججتين بالسلاح أصبحتا بما لهما من القوة العسكرية  تتحكمان في سلام القارة، وتهددانه في كل لحظة بنزاعاتهما وأطماعهما

العنيفة، وأنه أضحى من العبث أن تعتمد السياسة البريطانية على  سياسة العهود والمواثيق والسلامة الاجتماعية، وأنه لابد من  اعتمادها على القوة للدفاع عن سلامتها ومصالحها الإمبراطورية  الواسعة؛ ومع أن إنكلترا عقدت في يناير الماضي مع إيطاليا  اتفاقا باحترام الحالة القائمة في البحر الأبيض، والاعتراف بالمصالح  المتبادلة وهو ما يسمونه باتفاق   (الجنتلمان)  فان السياسة البريطانية  لم تكن ترى فيه على ما يظهر أكثر من وسيلة لتهدئة الحالة  وتسكين الأعصاب المضطربة واكتساب الوقت؛ بل يلوح لنا  أن هذا الاتفاق الذي علقت عليه يوم عقدت آمال كبيرة، ينهار  اليوم من أساسه، لأن إيطاليا رأت في برنامج التسليح البريطاني،  وفي دعوة الحكومة البريطانية للنجاشي إلى حفلات التتويج،  ما يسوغ لها الارتياب في موقف السياسة البريطانية، والسير  في سياستها العسكرية المطلقة دون تردد أو تقيد

وقد كان لهذا التحول في السياسة البريطانية، والتجاء بريطانيا  إلى سياسة التسليح الشامل وقع عميق في ألمانيا وإيطاليا؛ ومما  يلاحظ أنه وقع على أثر إثارة ألمانيا لمسألة المستعمرات ومطالبتها  بمستعمراتها القديمة بصورة رسمية، ورد إنكلترا على مطالبها  بالرفض المطلق؛ وقد أكد مستر ايدن وزير الخارجية البريطانية  في عرضه لسياسة بريطانيا الخارجية، إن بريطانيا لا ترمي بالتسلح  إلى أية غاية أعتدائية، ولاتفكر مطلقا في تعكير السلم، وكل  ما ترمي إليه هو الدفاع عن سلامتها وسلامة أملاكها ومصالحها  الإمبراطورية، ولم يخف الوزير أن ما شعرت به بريطانيا من  خيبة الأمل في قيمة العهود والمواثيق الدولية وقيمة السلامة  المشتركة كان من أعظم بواعث هذه السياسة، ولم يخف إن إخفاق  العصبة في المسألة الحبشية كان صدمة أليمة للعصبة ولجميع الدول  التي تؤمن بمبادئها، بيد أن السياسة البريطانية ما زالت تؤمل في  مستقبل العصبة ومستقبل مبادئها السلمية الحرة. على أن هذه  التصريحات الملطفة لم تخف الحقيقة البارزة في تسليح بريطانيا،  وهي أنه رد عملي على تسليح ألمانيا وإيطاليا، ورد القوة على القوة،  واعتزام التذرع بالعنف لرد العنف. ولم يستطيع منصف أن  يلوم السياسة البريطانية على هذا التحول الذي اضطرت إليه لمثل  هذه البواعث الحيوية القاهرة، ولكن برلين ورومة لا تريان هذا  الرأي، أما برلين فلا تؤمن بما تقوله السياسة البريطانية في تبرير

هذا التسلح، بل ترى فيه تحديا وتهديدا خفيا لها لتأيد السياسة  التي ترمي إلى حرمانها من مستعمراتها ومطامعها الاستعمارية  والاقتصادية المشروعة، وأما رومة فلا تشك أنه موجه إليها  توجيها مباشرا لحرمانها من ثمرات تفوقها العسكري وانتصارها  في الحبشة وتهديد سلامة إمبراطوريتها الاستعمارية التي كسبتها  بسيفها، ولذلك رأينا المجلس الفاشستي الأعلى يجتمع بسرعة  ويقرر مواصلة تسلح دون هدنة أو توقف، وأن يترك فكرة  الاتفاق على تحديد التسليح نهائيا، وسيقترن هذا القرار بإجراء  مناورات بحرية وجوية كبرى في مياه المضيق الواقعة بين طرابلس  وصقلية، وهو المضيق الذي قد تفكر إيطاليا في إغلاقه في حالة  الحرب لتقطع المواصلات البريطانية في البحر الأبيض المتوسط وهكذا نرى معركة تسليح تضطرم بين الدول الكبرى.  ولا ننس أن فرنسا قد أقرت كذلك برنامجا هائلا للتسليح، وأن  روسيا السوفيتية قد دججت سلاحا وأضحت أقوى دول القارة.  بيد انه مما لا ريب فيه أن للتسليح البريطاني آثارا يغتبط لها أنصار  السلام، ذلك أن بريطانيا لا تطلب مزيداً في السلطان والملك،  ولا تفكر في فتوحات أو غزوات استعمارية جديدة، وإنما تريد  الدفاع عن إمبراطوريتها القائمة، ومقاصدها الدفاعية ظاهرة  لا ريب فيها، وفي وسع بريطانيا متى أتمت تسليحها واستكملت  قوتها أن تغدوا بما لها من الكلمة النافذة والقوة المرهوبة عاملا  حاسما في استتباب السلم العالمي (* * *)

اشترك في نشرتنا البريدية