الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 241الرجوع إلى "الثقافة"

السلطان!

Share

سمعت معترضاً يعترض على بعض دور الإذاعة ، قال : إن بعض هذه الدور تفتح الكتب القديمة ، مثل الأغاني أو العقد الفريد ، وتقرأ على جماهير المستمعين صفحات من هذه الكتب ، فكأنـها لا تشعر بانتقال العصور من طور إلى طور ، ومن حال إلى حال ؛ إنا لا نزال نقلد ، فليس لنا إلا الأغاني أو العقد الفريد أو ما شاكلهما ، فلسنا نبدع ولا نخترع !

إني أقع في هذا المقال في الخطأ الذي ذكره هذا الفاضل ، ولكني لست أدري هل أقع فيه عامداً أم ساهياً ، فقد فتحت العقد الفريد كما تفتح بعض دور الإذاعة أمثال هذا الكتاب القديم ، وقد باعدت الأيام بيني وبينه ؛ فتحت الجزء الأول منه ، وقرأت ، أو على وجبه أضبط أعدت قراءة كتاب اللؤلؤة في السلطان ، وهو أول الفصول . إني أكرر في هذا المقال ما قاله القدماء ، لست مبدعاً ولا مخترعاً ، ولعلي أري لنفسي فضلا في هذا التكرير . لقد قرأت العقد الفريد من عشرين سنة ، ولكني قرأته من تلك السنين لأحبس فهمي علي لفظة أنبشها من مدفنها ثم أقوّم بها بياني ، أما الفكرة التى تسترها هذه اللفظة فلم أهتم بها ، أو لم أهتد إليها ، غير أنى اليوم أحبس فهمي على الفكرة وحدها ، وأقلل من الاهتمام باللفظة التي تحجبها ؛ وعلي هذا النحو من القراءة فقد اهتديت إلي ما لم أهتد إليه قديماً ، وذقت من المحاسن ما لم أذقه من قبل . وأعتقد أن المعترضين على قراءة طائفة من الكتب القديمة إذا قرأوا هذه الكتب ليفهموا ما فيها ، لا ليلهوا بها ، فانهم يخففون من اعتراضهم ، ثم لا يلبثون أن يرجعوا إلي هذه الكتب ، وأن ينعموا بمزاياها ، وأن يروا أن ميراثنا الأدبى فيه أشياء كثيرة من روح هذا العصر ، ومن روح العصور الآتية !

لا أريد أن أشتت الخواطر التي خطرت ببالي وأنا

أطالع كتاب اللؤلؤة في السلطان ، ولكني أحاول أن أجمع هذه الخواطر ، أو أن أجمع جملة منها في موضوع واحد ، وهو : السلطان ، دون أن أخرج عن هذا الموضوع !

لم يبق في عصرنا لكلمة السلطان الشأن الذي كان لها في عصورنا البعيدة ، فالسلطان كان في تلك العصور زمام الأمور ، ونظام الحقوق ، وقوام الحدود ، والقطب الذي عليه مدار الدنيا ، وهو حمى الله في بلاده ، وظله الممدود علي عباده ، به يمتنع حريمهم ، وينتصر مظلومهم , وينقمع ظالمهم ، ويأمن خائفهم ؛ أما اليوم فقد حلت محل لفظة السلطان لفظة ثانية ، فزمام الأمور في عصرنا هذا بيد الحكومة . إنا لانقول في هذا الباب : السلطان ، ولكنا نقول : الحكومة ، أفرأينا كيف تشقى الألفاظ وتسعد ! أفرأينا كيف يكون لفريق منها شأن في عصر من العصور ، ثم يأتي عصر آخر فيزحم هذا الفريق وتحل                                                                           محله ألفاظ ثانية ! ولكن ليس هذا موضوعي !

كل الذي أحاول أن أشير إليه في هذه السطور أن كتاب اللؤلؤة في السلطان يشتمل علي طائفة من الأفكار الخالدة في مجامع العصور ، إنا لا نزال في حاجة إليها ، وأظن أن شيوع مثل هذه الأفكار فينا لا يخلو من خير كثير ، ولست قادراً علي أن ألخص في سطور ما جاء في ثلاثين صفحة . لا شك في أن بعض ما اشتملت عليه هذه الصفحات الثلاثون أصبح عتيقا بالنسبة إلى عصرنا ، فقد أنشئت الكتب الحديثة في الحكومات ، وعينت هذه الكتب واجب الحكومة وحقوق الشعب ، ولكن كثيراً مما اشتملت عليه هذه الصفحات لا يزال جديداً ، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم : " عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة " ، أو قوله " كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته " , إنما هو خالد علي وجه الدهر ؛ فما هدم الحكومات في القديم والحديث إلا هذا الشئ الذي هو ضد العدل ، وما ضعضع هذه الحكومات إلا قلة الاعتناء برعاياها !

لقد تضمن كتاب اللؤلؤة في السلطان جملة من الأمور تكاد تكون خلاصة الروح الديموقراطية على تعبير عصرنا هذا ، وأي معني لديموقراطية لاعدل في حكوماتـها أم أي معني لديموقراطية يأتي رجال حكومتها فينتقمون من خصومهم دون شئ من الإغضاء ؟ ! قال زياد لما قدم العراق والياً عليها : أيها الناس ! إنه قد كانت بيني وبينكم إحن , فجعلت ذلك دبر أذني ، وتحت قدمي ، فمن كان محسناً فليزد في إحسانه ، ومن كان مسيئاً فليزع عن إساءته ؛ إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من يقضي ، لم أكشف له قناعا ، ولم أهتك له ستراً ، حتى يبدي صفحته لي . لعل القارئ الكريم يري وراء هذا الكلام تجرداً في الحكم ، إذا أراد أن يري مثله في أيامنا هذه ، فلا يستطيع أن يجده إلا في الذي نسميه : أرقي حكومات العالم !

ولو اطلعنا على قوام سياسة الحجاج لعلمنا أن مثل هذا الطرار من السياسة إنما هو المثل الأعلى في الحكم ؛ فقد كتب الوليد بن عبد الملك إلي الحجاج بن يوسف أن يصف له سيرته ، فكتب إليه الحجاج : إني أيقظت رأيي وأنمت هواي ، فأدنيت السيد المطاع في قومه ، ووليت المجرب الحازم في أمره ، وقلدت الخراج الموفر لأمانته , وقسمت لكل خصم من نفسى قسما ، أعطيه حظاً من لطيف عنايتي ونظري ، وصرفت السيف إلي النطف المسيء ، والثواب إلي المحسن البريء ، فخاف المريب صولة العقاب ، وتمسك المحسن بحظه من الثواب .

أفلا نجد في مثل هذا الكلام منتهي الحزم ؟ أفلا نجد فيه فناً من أبرع فنون السياسة ؟ لقد تحقق عندي في أثناء عنايتي بأخبار الحجاج ونظري في سيرته ، أن من جملة العوامل في نجاح سياسته في العراق اختياره لرجاله ، فلم يول إلا المجرب الحازم في أمره ، ولم يقلد الخراج إلا الموفر لأمانته ؛ وهل تقوم حكومة في العالم إلا علي هذا الأساس من السياسة ؟ هل تقوم حكومة في العالم إذا لم

يكن رجالها من أصحاب الحزم والتجربة والأمانة وأشباه هذه الصفات ؟ !

لقد جمع كتاب اللؤلؤة في السلطان أشياء كثيرة من هذا المعنى ، فهل عنق ما كتبه أرسطاطاليس إلي الإسكندر: امتلك الرعية بالإحسان إليها ،تظفر بالمحبة منها ، فان طلبك ذلك بإحسانك أدوم بقاء منه بإعتسافك ؟ واعلم أنك إنما تملك الأبدان ، فاجمع لها القلوب ؛ واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل ، فاجتهد ألا تقول تسلم أن تفعل .

فالذين تتبعوا سياسة الحكومات ، وتعقبوا زلاتها قد علموا العلم كله أن أكثر الفتن والثورات نشأت عن اعتساف هذه الحكومات ، لأن الرعية تصبر علي الاعتساف حيناً من الدهر ، ثم ينقطع صبرها فتنتفض على المعستفين . فكتاب اللؤلؤة في السلطان محتو على حقائق لا نزال نشاهد آثارها .

وكما تضمن هذا الكتاب خلاصة الروح الديمقراطية ، فقد تضمن التنبيه على أحسن الأصول في إدخال الإصلاح على سبيل التدريج ؛ قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر : يا أبت ! مالك لا تنفذ الأمور ، فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور . فقال له عمر : لا تعجل يا بنى ! فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين ، وحرمها في الثالثة ، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة ، فيدفعوه ، وتكون فتنة .

وكم حكومة حاولت أن تحمل الحق علي الناس جملة ، فدفعوه وكانت فتنة . فأحسن الإصلاحات لا تكون إلا على الأصول التي بني عليها عمر بن عبد العزيز ، لأن إخراج الناس من شئ ألفوه وطالت الفتهم إياه ، إلى شئ لم يألفوه بعد ، لا بد فيه من كثير من الرفق والحيلة ، حتى لا يدفعه الناس ، وحتي لا تكون الفتنة التي أشار إليها عمر بن عبد العزيز !

وآخر ما أحب الاستشهاد به من الخواطر التي ازدحمت في صدري وأنا أقرأ  كتاب اللؤلؤة في السلطان هذا الخاطر ؛ فقد مر سيدنا عمر بن الخطاب علي بنيان يبنى بآجر وجص ، فقال : لمن هذا ؟ قيل لعاملك علي البحرين . فقال : أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها ، فأرسل إليه فشاطره ماله !

كلا ، ثم كلا ، لم يعتق العقد الفريد ، ولا عتق كتاب الأغاني ، ولا الكتب التي تشبه العقد الفريد أو الأغاني !

إن هذه الكتب لا تزال زاخرة بحقائقها الخالدة ، ومعانيها البارعة ، ولكن الذي عتق إنما هو فهمنا . إنا لا نعرف كيف نقرأ ، ولا نعرف كيف نذوق محاسن ما نقرأ ، ولجهلنا بهذا كله قلت روعة ميراثنا الأدبي في نظرنا ؛ إن هذا الميراث لا يزال حسنا , ولكن فلنعرف كيف الاهتداء إلي محاسنه وإذا اهتدينا إلي هذه المحاسن فلنعرف كيف نذوقها !!

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية