انشر هذه القصة تسجيلا لصورة من صور المجتمع المصري الحديث ، المجتمع الراقي ، أو جانب من جوانبه ، ليعلم الذين لا يعلمون ، وليطلع الغافلون . . ( ) الكاتب (
اسماعيل - اتعرف هذه السيدة ؛ محمود - لا ولكني أعرف التي معها ، أو على الأصح التي " هي " معها .
اسماعيل - وما الفرق ؟ محمود - الفرق واضح ، فأنت مع غيرك شئ ، وغيرك معك شئ آخر .
اسماعيل - إنها حذلقة . محمود - لا ليست حذلقة يا سي اسماعيل فان السيدة إذا كانت هي التي مع غيرها فانها تكون في مركز ثانوي ، ولكن إذا كانت غيرها هي التي معها فإنها تكون في المركز الأول .
اسماعيل - إنها الحذلقة بعينها . محمود - لا بل قل تقدير الأشياء أقدارها اسماعيل - اسمع يا محمود . قد تكون السيدة هي التي مع غيرها ، ولكنها تكون في المقام الأول ، وتكون هي التي عليها العين !
محمود - هذا شيء آخر . إسماعيل - بل هو الشيء المهم . . والآن من تكون إذا هذه السيدة الأخرى التي " هي " معها ؟
وهنا جاء عم صالح يحمل لهما طلباتهما من الشاي والجاتو والبسكويت ، وقد سمع هذه الجملة الأخيرة ، فظن انهما يتكلمان كلاما جديا ، ورأي أن يقوم بهذه الخدمة ، فأخبرهما بأن التي يسألون عنها ) وهي غير التي يقصدانها هي الزوجة الأجنبية لسعادة محجوب باشا الثري المصري المعروف .
إسماعيل - ولكن من التي معها ؟ عم صالح - لا أدري . وهي تحضر لأول مرة هنا في جروبي . ولكني سمعت مدام محجوب باشا تناديها سعاد هانم وكانت تطلب منها أن تذهبا إلي زوج سعاد هانم في مكتبه ليأخذهما إلي السينما بعد العشاء في هذا المساء ، وقد ردت عليها سعاد هانم بأن زوجها لا يحب أن تذهب إليه في المكتب ، وإن كان نظام الحياة قد تغير ؟
اسماعيل - متشكرون يا عم صالح . محمود - وماذا استفدت
سماعيل - أشياء كثيرة ، فهناك مكتب ، وهناك عدم السماح بالذهاب إلي المكتب ، وهناك ذهاب إلي السينما ، وهناك واحدة حرة في هذا الوقت على الأقل . . محمود - وهناك مدام محجوب باشا اسماعيل - وهناك حضرتك محمود - وهناك عم صالح .
ومضت الأيام بل الأسابيع بل الأشهر واسماعيل يحضر يوميا إلى جروبي فلا يجدها . وأخذ يتحري ويسأل ، ولكن بدون جدوي . إلى أن جاءت ليلة عيد الميلاد ، وقد اتفق إسماعيل ومحمود وغيرهما من الاخوان على أن يتحفلوا بالليلة في إحدي السهرات التي تقيمها الفنادق الكبيرة . وذلك كما يفعلون كل عام . وهو التقليد الحديث الذي تأصل في هذه الأوساط من الشبان ، والذي اتخذوه وسيلة للترفيه والتسلية ، خصوصا والأعياد القومية لا يعرف القوم تنظيمها ولا التمتع بها .
اكتظت صالات الفندق بالجماعات المختلفة ، وأخذت الحركة تزداد شيئا فشيئا ، وعرف كل مكانه . وأنشأت فرق الموسيقى تعرف الحان الرقص المتنوعة ، فيرقص الراقصون ، ويتفرج المتفرجون ، ويأكل الآكلون ، ويشرب الشاربون ، والكل في طرب يمرحون يتعارفون ويتراقصون ، يتآخون وبتقربون وهم في موجة من الفرح مأخوذون ، يضحكون ولا يحزنون . فهي ليلة للسرور ، وهذا عيد للبرية شامل
واسماعيل شاب ثري من أبناء العائلات المعروفة ظريف محبوب من اخوانه . مثقف لفادة عالية . ذكي النفس ذكي الجنان . يميل إلي الجد من الأمور ، ولكنه يحمل بين جنبية قلبا يميل إلى الظرف والدلال ، ويحب الرشاقة والجمال
وهو يحسن الرقص ولا يبذل فيه ، ويحبه ولا يسرف فيه . وقد وطد النفس في تلك الليلة على أن يكون من المتفرجين دون الراقصين ، على أنه كان مع ذلك كثير الحركة ، كثير التنقل هنا وهناك . يمضي مع هذا ، ويجلس مع ذاك ، فهو كثير الأصحاب . كثير الصلات
وهكذا رضي اسماعيل بهذا النوع من التسلية في تلك الليلة دون الرقص الذي هو في الواقع المحور الذي يدور عليه كل شئ في هذه السهرات الساهرات
ولكنه وهو يتنقل من صالة الى اخرى ، ومن مكان إلى مكان ، في رشاقة ظاهرة ، معروفة عنه بين إخوانه ، وتساعده عليها نشأته ولطافة حركاته وابتساماته وإيماآته واعتدال جسمه
وحسن قوامه - لمح في إحدي الصالات سيدة تنظر إليه مختلسة النظرات ، وقد لحظ هو منها ذلك ، ولكنه تظاهر بأنه لم يلحظ شيئا ، على أن شعر بأنها احتوته ، وأنها لا تريد التفريط فيه ولا تريد عنه بديلا - وإذا به عند ذاك يقوم بحركة التفاف رشيقة ، تعقبها حركة التفات سريعة ، وإذا يرى سعاد تلك التي يبحث عنها الأيام والليالي فيكاد يضطرب لشدة الفرج وتحقيق الأماني !
على أنه لم يكن فرحه بلقائها بأكثر مما لاحظ أنها هي التي التقطته من وسط هذا الجمع الحاشد . مع أنها في تلك المرة الأولى في محل جروبي منذ شهور لم يلحظ أنها ألقت إليه بالا
لذلك كان يطير فرحا . ثم أخذ يجرب تبادل النظرات ، فإذا هو ناجح تمام النجاح ، وإذا بالتبادل والرضا ، وإذا يقوم بالمناورات اللطيفة ، فيصل إليها يطلب منها أن تراقصه . وإذا بها تسرع إلي تلبية طلبه . وفي نظراتها وبسمات وجهها الرضا كل الرضا .
خطأ اسماعيل بعض الخطوات بها راقصا . فاذا هي تراقصه رقصا بديعا كاملا . وما أشهي الرقص بين شخصين متفاهمين متفقين
هي - إنك ترقص راقصا في غاية الأتقان هو - وانت ترقصين رقصا رشيقا بديعا ؟ . - أنت السبب - العفو .
لا هذا صحيح ، إني أقول الحقيقة ، فان الراقص -covalier هنا هو الذي يدير الرفض ، وأما السيدة dsme فهي تبع : وقد تكون هي راقصة ماهرة وهو راقص عادي فلا يستطيعان رقصا ولكن قد تكون هي راقصة عادية وهو راقص ماهر ، فيرقصان ويرقصان ، وفي هذه الحالة يغطي الراقص بمهارة رقصه ما في السيدة من نفس في الرقص .
- هذا صحيح يا سيدتي ولكن ما رأيك في أنك تجيدين الرقص تماما ؟ .
- مع أني لا أرقص كثيرا - وأنا كذلك أرقص نادرا .
- ولكن لا شك في أنه بالرغم من ذلك - قد جاء عليك زمان كنت ترقص فيه كثيرا وكثيرا - فيا تري متي كان ذلك ، وأين كان ، ومع من كان ؟
- نعم كنت أرقص كثيرا ، لأن كنت أجد المجال ذلك ، وإني وإن كنت أجيد الرقص وأحبه ، فاني لا أرقص حتى أجد المجال ، ولست على رأي غيري ممن يرقص ويرقص ويرقص . .
- اسمع لي أولا أن أقول لك إنك اناني . . -!!! ...
- سافسر لك ذلك . وثانيا اسمع لي أن أسألك : ما معنى انك تجد المجال للرقص . . أما أنك . . - !!! ....
- لا تقاطعني . انتظر حتى أتم كلامي - أما أنك لا ترقص مثل غيرك لمجرد الرقص ففي ذلك دلالة صريحة على أنانيتك . فانك وأنت الذي يرقص رقصا بديعا ، جميلا ، رشيقا ، لا يصح أن يحرم غيره من التمتع برقصه .
- ولكن ... - لا لا لا تقاطعني حتى أتم كلامي . . - تفضلي
- إنك تقطع الكلام كثيرا ، ويظهر أنك تحب الكلام كثيرا - ولا تحب أن غيرك يتكلم أكثر منك . . ولذلك تجدني قد نسيت ما كنت أريد أن أقوله . . فلماذا هذه المقاطعة ؟ .
- معذرة ،
- لا لا لو أنك كنت سكت ولم تقاطعني لكنت أنا الآن قد قلت ما أريد أن أقوله وخلصنا . .
- اعتذر . ولكن تقولين خلصنا ، فمن أي شئ خلصنا ؟ ؟
- من الكلام الذي أريد أن أقوله . . - اتريدين أن اذكرك بما كنت تريدين أن تقوليه ؟ - نعم نعم
وإذا الموسيقي تنتهي من هذا الدور ، وسيفترقان لفترة الراحة بين الرقصات . وقد شكرته كثيرا على رقصة " القالس" هذه ، وأخبرته بأنها ستقرقص الرقصة التالية مع صديق كانت قد وعدته بها . ثم سألته
- في أي الصالات مكانك ؟ . . - ليس في هذه الصالة - ولماذا لا تحضر وتأخذ مكانك في هذه الصالة . . إنها كبيرة تضم اشخاصا كثيرين متنوعين - إنني مع إخواني
ثم افترقا بعد أن أوصلها إلي مكانها منحنيا في تحية رشيقة بديعة ، وانسحب في لطف يمشي وحيدا .
وقد كانا يرقصان رقصا لفت الأنظار إليهما ، من الراقصين وغير الراقصين ، كما تمت نظر الجميع كلامهما الذي لم ينقطع أثناء الرقص ، حتى ظن الكثيرون فيهما أنهما على تعارف قديم منذ سنين ، وليس في هذه المقابلة الأولى منذ دقائق معدودة .
وهدأت الرقصة التالية على نغم ، " التانجو " فرقصتها مع زميلها الذي كانت قد وعدته بها . رقصتها معه دون أن نتكلم اثناء الرفص كلمة واحدة . أما إذا كلمها هو فكانت نجيب بأقصر ما يمكن من القول . .
على أنها وهي ترفض مع زميلها لمحت أخانا إسماعيل يراقص شابة أخرى ، ولكنهما كذلك لا يتكلمان . .
حتى إذا انتهت الرقصة وعادت إلي مكانها أخذت تنظر إليه دون أن تؤدي إشارات أو علامات ، وهو من ناحيتة يخرج من الصالة دون أن ينظر إليها ملتفتا ، مع أنه قد شعر بنظراتها إليه ، وانها تتبعه وكأنها تريد أن تقول له : إلي اين أنت ذاهب ؛ ابق هنا ,
أما هو فقد ذهب إلي إخوانه ، وبالأخص إلي صديقه محمود ، يخبره بأنه " وجدها "
ثم عاد بعد قليل إلي صالتها ، وكان الرقص قد دار مرة اخري ، فلمحها قد رفضت مراقصة أحد ، كما انه هو بدوره لم يطلب الرقص من أحد ، ووقف مع الوافقين يشاهد الراقصات والراقصين .
على أنه لم يقصد من هذا شيئا بالذات ، اللهم إلا أن يجعل الأمر بينهما غير ظاهر لأحد ، مع أن الحال في مثل هذه السهرات لا يمنع سرعة الاختلاط ، بل يدعو إليه ، وإن كان الأمر لا يخلو مطلقا من قيل وقال إذا أراد أحد أن يكون هناك قيل وقال ولو لم يكن له من أساس
واسماعيل بطبيعته وبمهنته يميل إلى أن يعمل في هدوء وكياسة ، وان يصل إلى أغراضه بالتأني والسلامة
ولما أن جاءت الرقصة التالية ، تقدم إليها يطلب مراقصتها ، وقد كانت هي في غاية اللباقة ، إذ بادرت قبل أن ترقص معه إلي القديم سليمان وعزيز ولدي عمها إليه ، ثم أسرعت به ، إلى ساحة الرقص .
هي - أين كنت هو - لم أذهب بعيدا . . - ومن هي تلك السيدة التي رقصت معها التانجو ؟ - لا أعرف - وكيف رقصت معها ؟ - اتريدين أن تقولي " لماذا رقصت معها ؟ أم
تريدين أن تعرفي " كيف " كان الرقص معها ؟ ؟ - نعم معك حتى ، أريد أن أقول ، أولا ، لماذا رقصت معها ؛ - وثانيا ؟ - وثانيا كيف رقصت معها ؟ . . - هل افهم أن كيف ، هذه هي بمعني كيف تجرؤ - لا ، لا
- إذا
- إذا أريد أن تفهم أن رقصك معها لا يهمني ، أي أنك حر ، على أنني أفهم انك لم تشأ أن تقف ساكنا وأنا أرقص وكذلك لم تشأ أن تذهب بعيدا وأنا أرقص ، فقد تكون ، وانت الراقص الماهر ، تريد أن تعرف كيف ترقص تلك التي - أى أنا .. - التي راقصتها ، لأنك وأنت تراقصها لا تراها كيف ترقص وإن كنت تشعر بها وبرقصها . .
- إنه تحليل بديع وكلام صحيح - سأجعل أحد أقاربي يراقص الفالس معي ، إنما يجب أن لا تذهب عند ذلك إلي الصالة الأخرى . . وعلي فكرة ، ماذا تري بعد أن قدمتهما إليك أن ادعوك لتجلس معنا ؟ ؟
- حسنا ، ولكنك لم تقدميني إليهما - معك حق ، ولكن إذا كنت أنا لا أعرفك إلى الآن . فهل كنت تنتظر مني أن أقدمك إليهما ! ومع ذلك كنت أتوقع ساعتها أن تتقدم بنفسك إليهما ، وليس في ذلك من غرابة ، في عرف الاجتماعات ، بل كانت تكون حركة كلها " شياكة " وتكون قد خلصني من الورطة .
- وتكونين قد خلصت من الأشكال الذي أوقعت نفسك فيه - ولكن أي إشكال تقصد ؟ - إشكال ظهورك بأنك تراقصين شخصا لا تعرفينه ، وفي الوقت نفسه تجعلين له قيمة فتقدمين أقاربك إليه . .
- هذا يحصل كثيرا في مثل هذه الاجتماعات . . وليس فيه مخالفة الاصطلاح المتعارف عليه ولذلك فان هذه الحركة تفسيرها عندهما بسيط . خصوصا وقد عرفتك بهما ، فلم يبق إلا ان اعرفهما بك . فهل تسمح ؛ كما انه ستكون هذه المناورة مدعاة للجلوس معنا . . خصوصا وأتى سأراقص أحدهما رقصة " الفالس التي يلوح لي أنك تحبها . .
- نعم أحبها . . على أنك كنت بديعة في رقصة التانجو . . - وانت كذلك فقد أدتها احسن أداء وإن كنت لا ازال أشعر بأنك في " الفالس " أرقص منك في التانجو .
- الواقع أني لا أميل إلي التانجو ، لما فيه من حركات اعتبرها حركات تكلف وظهور . . - والآن فاسمح لي أن أسألك من أنت ؟ وسأدعوك على الجلوس معنا ، فلا تمتنع . . وهما في الواقع أهل أدب ودمائة أخلاق . كما انهما كثيرا ما سيرقصان ويرقصان عند ما تجيء عائلة عبد الكريم بك
- أتريدين حقا أن أخبرك من أنا ؟ - نعم نعم بالطبع . ضروري . وفي الواقع كيف فاننا نحن الاثنين هذا التعارف . . حقيقة أن الانسان عجبب !!
- حقيقة أنت الانسان غريب الأطوار بصفاته ونزعاته وظروفه وأحواله . وإني أشكرك قبل كل شئ على هذا الظرف وهذه المجاملة في قبولك ميراقصتي ، وعلى ما أفضت من سحر حديثك في هذه البساطة والصراحة المحترمتين النادرتين .
- بل بالعكس . إني لا أجد غرابة في أن يرقص المرء مع من لا يعرف . . بل إن في هذا سمي ساميا يرتفع بالرقص عن ذلك المستوي الذي ينزل به إليه كثير من الراقصين في بلادنا
- نعم إن الرقص فن جميل ، فيجب أن يحيطه كل شئ جميل وأهم ما فيه من جمال هو جمال الأداء في طلب المراقصة وجمال الأداء في الرقص نفسه ، وجمال الحديث ، وجمال التوديع والشكر . . وإني قبل أن أعرفك بنفسي اشكرك على كل هذه الاعتبارات . إنني لإسماعيل ثابت أجد رجال السلك السياسي .
- خارجية ؟ ؟ - نعم - وهذا جميل ، تصرفنا . وإنني أشكرك بدوري ، وإنه لمن الفخر أن يكون أمثالك في سلكنا السياسي . مهارة في المناورة . . مهارة في الحديث و و و ولكن هل أنت هنا في إجازة ؟ . .
- نعم - وفي أي الممالك سفارتك ؟ - في الصين . . سكرتير أول المفوضية . . - الصين ؟ ؟ إنها بعيدة جدا . ولكن لا لا بأس . إن الشباب لا يعرف الأبعاد . .
ثم انهت الرقصة ، وقد أو صلها إلي مكانها وانحني منسحبا في احترام كعادته ، وإذا بها تقدمه إليهما قائلة إنها نسيت أن تقدمه من قبل لنسرعها ساعتها إلى الرقص ، وإن ذلك سهو منها ، ثم التفت إليه تقدم الاعتذار عن ذلك قائلة . .
هي - وإلا فان البروتوكول السياسي يغضب علينا ! هو - العفو .
ثم التفت هو إلي قريبيها محييا منسحبا ، وإذا بها تستفيد من هذا الموقف وتدعوه إلى أن يجلس معهم ، ولو قليلا من الزمن ، وقد رحبا به ترحيبا طيبا ، وطلب منه أحدهما أن يشاركهما السهرة ، وقال الآخر : خصوصا وان ابنة عمنا ثريا هانم ستزيد زميلا في الرقص الذي تحبه كثيرا
هي - وخصوصا أن عائلة عبد الكريم بك ستحضر الآن ، وستحتاج كل من آمال وإحسان إلى راقصين ، وهما لن تجدا أطوع منكما وهنا حضرت عائلة عبد الكريم بك ، فأسرع ولدا عمها
ثلاثهم وحرمه وبنتيهما آمال وإحسان . ذهبا مسرعين وبقيت ثريا مع اسماعيل .
هو- ثريا ؟ اليس كذلك ؟ هي - نعم اسمي ثريا ، ألا يعجبك هذا الاسم ؟ . . - بديع ، وهو يعجبني إسما و
- ومسمى ، أليس كذلك ! متشكرة . - نعم فقط - فقط ماذا ؟ - فقط ليطمئن قلبي . .
- يطمئن قلبك ! من أى شيء لا سمح الله - لاشيء اطمئني ، اطمئني - اطئمن أنا ! إنني مطمئنة ولله الحمد . ولكن أنت ، أنت الذي ليس مطمئنا .
- الأمر سهل بسيط . - وما هو ؟ . - هل اسمك الحقيقي ثريا ؟ - نعم ثريا ثريا منذ ولدت الي الآن . - لا تقلقي واطمئني . .
- الآن ، صرت أنا كذلك أطلب الاطمئنان . . ولكني أرجو أن تطمئن أنت أولا . . - سأطمئن . فاطمني . . ثم هذا هو " الفالس تضرب موسيقاه ، ونحن هنا جالسان لتحدث حديثا غريبا . مع اني كنت أرجو أن أراك راقصته
- يلوح لي أنك لن " تراني راقصته فان سليمان وعزيزا ولدي عمي قد نسياني بأمال وإحسان . . على أني أتوقع أنهما سيطلبان مني أن أنضم معهما إلى مائدة عبد الكريم بك - وهل عليك من ضير في ذلك ؟
- لا . ولكن ليس معهم من يراقصني ثم كذلك ما العمل وانت قد انضممت إلينا !! - عني لا تفكري ، فان مكاني لا يزال هناك مع إخواني - ألا يمكنكم أن تأخذوا مكاننا لكي تكون جميعا في صالة واحدة
- قد يكون اخواني قد تراقصوا مع راقصات . . تفضلي انت إذا دعوك الانضمام إليهم ، وأنا أحضر إلى هنا من رقصة إلى أخري
وهنا انتهي دور الرقص ، وأقبل سليمان وعزيز ومعهما آمال وإحسان ، وقد سألوا ثريا الانضمام إلي مائدة واحدة ، فلم ترفض ، ولكنها أشارت بوجود إسماعيل بك ، وهنا أراد هو الانسحاب معتذرا بوجود مكانه مع إخوانه . فما كان من الأنستين
إلا أن دعاه للانضمام معهم جميعا ، فاعتذر بارتباطه باخوانه . ولكن ألح عليه كل من سليمان وعزيز وثريا طبعا . وهنا انتهزت الفرصة وقدمته للآنستين وكأن وظائف السلك السياسي لها كهرباؤها ، فأشرقتا سرورا ، وتمسكنا بضرورة وجود إسماعيل معهم جميعا . ثم انتقلوا جميعا إلى مائدة واحدة
والواقع أن المجال لا يمنع من هذه الحركات وهذه العلاقات ، بل إن جو هذه السهرات يدعو إلى ذلك ويتطلب ذلك
وهكذا تعارفوا جميعا وتراقصوا ، وكما قدموا إليه الشمبانيا قدم لهم هو بدوره الشمبانيا ، وقضوا الوقت في سرور مرتاحين لتوافق الطبقات والثقافات .
وقد أراد إسماعيل أن يجعل تحقيق مسألة الأسم أثناء رقصة من الرقصات ، لأنه يري في ذلك مزايا لا يستهان بها . فطلب من ثريا أن تراقصه ثم دار هذا الحديث . .
هو - ثريا أليس كذلك ؟ هي - نعم ثريا ! ألا تصدقني ولكن قل لي ما هي الحكاية . لا بد أن وراء ذلك سرا .
هو - لا ، ليس هناك سر . . نعم قد تكون هناك حكاية ، وقد يكون هناك أمر عجب وقد لا يكون هذا العجب إنما هل تسمحين لي أن أسألك سؤالين قبل أن أخبرك كل الخبر ؛
هي - تفضل . هو - هل تذهبين إلي محل جروبي ؟ هي - نعم أذهب لشراء ما يلزمنا . . على أني أذكر أني لم أذهب إلي هناك منذ سنة أو يزيد .
لا وحيدة ولا معك أحد . . - لا ، لا ، ولماذا هذا التحقيق البوليسي ، أو إن شئت هذا التحري الدبلوماسي . .
- ستعلمين واطمئني . . - قلت لك اني مطمئنة . ولكن يظهر أنني في حاجة إلي زيادة الاطمئنان
- إذا لا تستعجلي من فضك . . - ولكن - ولكن إن الله مع الصابرين . . فانني في حيرة . .
- من أي شيء ؟ . . - إنني رأيتك منذ خمسة شهور في جروبي مع سيدة أفرنجية مجوز . . - أنا ؟ - نعم أنت - أنا ثريا ؛
- أنت نعم أنت . ولكن ليست ثريا ، - لم أفهم . . كيف أكون أنا وكيف لا أكون ثريا !!
-انني من الذين يترددون كثيرا علي جروبي ، بل من الزبائن المؤسسين القليلين المتمسكين ، إلى الآن . ومنذ خمسة أشهر رأيتك لأول مرة تتناولين الشاي في شرفة الحديقة مع تلك السيدة الأجنبية العجوز على أنك ما كنت تنظرين إلي أحد ، ومجرد تناولكما الشاي خرجتما . وكان يجلس معي يومذاك أحد اخواني فسألته فلم يعرف ، ولكنه أخبرني عن السيدة الأجنبية .
- وماذا قال عنها ؟ - إن الله مع الصابرين . . - لقد فرغ صبري . .
- نعم وفي ذاك الوقت كان الخادم عم صالح يحضر لنا طلباتنا ، وهو مثلي من مؤسسي جروبي فأخبرني أنه سمع الست الكبيرة تنادي حضرتك باسم " سعاد
- آه . فهمت ، فهمت . . - انتظري قليلا من فضلك . - لا ، لا ، فهمت ، فهمت . . لقد اطمأن قلبي . . قل ، قل ، هيه
- ولكني أنا - لا ، لا . اطمئن أنت كذلك . . إذا كان هذا يطمئنك . الله اعلم
- ما هي الحكاية ؟ ؟ ؟ - الحكاية عويصة جدا . وبسيطة جدا . - من تكون هي . . هل تعرفينها ؟ - سعاد ؟
- لا ، لا ، لا اقصد سعاد ولا ثريا . لما أريد أن اعرف من تكون تلك السيدة الأجنبية العجوز ؟ . - لا تحاورني . . إننا لسنا في مفاوضة سياسية - بالله ارجعي إلى بساطتك وصراحتك . .
- وهل أنتم يا رجال السياسة تحبون البساطة والصراحة : وإلا فأين تكون السياسة ، وكيف تكون المهارة الدبلوماسية - بالله عليك ، فإننا لسنا الآن في شأن غير هذا . . - ولكن بهذه اللغة ، وعلى هذه الطريقة أنتم تفهمون . وتريدون أن الناس يفهمون بهذه الطريقة ، أو على الأقل يفهمونكم بهذه الطريقة !
- بالله أما تركت هذا . - سبحان الله . أيضيق صدرك للمداعبات ويتسع للمفاوضات . إنك إذا لسياسي عظيم ! ولكن هل تسمح لي وأنا الناشئة التي لم تتعلم فن السياسة أو علم السياسة ، لست أدري
أيهما اصح ؟ هل تسمع في أن أشير عليك بأنه يجب أن تكون في حالتي المداعبات والمعارضات واسمع الصدر حليم النفس . بل إنه يجب عليك أن تعود نفسك المداعبة حتى تتقن المفاوضة . وأرجو أن لا تتكبر عن أن تأخذ هذه القاعدة الذهبة من امرأة
- عفوا إن السيدات سياسيات بسليقتهن . . - لا تتهكم . . ولنعد إلى موضوعا . . ألم يخبرك صديقك ولا عم صالح زميلك القديم في تأسيس محل جروبي . عن تلك السيدة ؟
- أي سيدة يا سيدتي ؛ - السيدة العجوز . . بالطبع . اليست هي التي تريد أن تعرف عنها كل شيء ؟ . .
- بالله أما تركت هذا . . - اسمع يا اسماعيل بك . أنه لم أكن هناك في ذلك الوقت ، ولكن فهمت الموضوع . . فلا تحاول المناورات وقد اتكشفت .
- لا محاولات ولا مناورات . . وأنا لم أسألك إلا أن تكوني صريحة . وان تخبريني ما تعلمين ، فقد قلت انك تفهمين كل شئ
- وهل نفذ مجهودك فلا تستطيع أن تحاول وتحاول . . ما هذا اليأس وما هذا الافلاس الدبلوماسي - لقد حاولت كثيرا وكثيرا الى أن - إلي أن - إلي أن رأيتها هنا هذه الليلة أو رأيتك أنت على الأصح . .
- لا ، لا اياك والأدعاء فانني انا . التي رايتك وتنسب انت الذي رأيتها . . أو علي الأصح رايتني . . أليس كذلك ؟
- من فضلك لا لزوم لزيادة التعمية . . - لا تعمية ولا تغطية . انك أنت الذي كنت تقوم بمناولات تتظاهر فيها بعدم اهتمامك بالنظرات التى تلقى عليك منها أو مني . هي أنها كانت " هي " فاهمة لكل هذه المناورات ، فلماذا لا تظهر وتتشجع . . فقد يصح أن يكون الدبلوماسيون شجعانا وظاهرين .
- لم تكن إلا مناورات ومحاولات بريئة . - الله اعلم على أنها كانت ولا شك موجهة الى حضرة سعاد هانم جروبي ، وليس الى ثريا هانم شبرد . . - هذا حقيقي . . ولكن أحمد الله أن سعاد هانم جروبي هي هي نفسها ثريا هانم شبرد . . والعتب علي النظر . .
- لا تحاول اعتذارا . ولا تداري إخفائه - سبحان الله ! - لا ، بل قل سبحان الخلاق . - أفندم - أي نعم ، فسبحان الذي يخلق من الشبه أربعين ؛ مع العلم بأن سعاد وثريا . توأمتان .
ثم رقصا ورقصا ورقصا . . وعلم إسماعيل من ثريا أن سعاد متزوجة من أحد رجال الملك السياسي العراقي . وأنها كانت بمصر إلي أن نقل زوجها إلى بلد آخر فسافرت معه
إسماعيل - والآن ، هل أنت كذلك تحبين السلك السياسي ؟ ثريا - نعم احبه . ولكن إسماعيل - ولكن ثريا - ولكن هل السلك السياسي يقبلني ؟ . . إسماعيل - يقبلك ويقبلك. .
(المعادي ) :

