الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1022 الرجوع إلى "الرسالة"

السليقية، بين الفصحى والعامية

Share

السليقية نسبة إلى السليقة: وهى السجية والطبيعة وبالطبع . وأكثر ما تستعمل السليقة فى الطبيعة الكلامية فاذا قالوا فلان يتكلم بالسليقة أرادوا أنه يتكلم أو يقرأ بطبعه لا عن تعلم

وتسعمل السليقة أحياناً فى غيرالكلام فيقال ( الكرم سليقته والسخاء خليقته ). أما إذا قالوا فلان سليقى بياء النسبة فلا يراد منه حينئذ إلا معنى نسبته إلى السليقة الكلامية وحدها , ويقال كلام سليقي . ويزداد معنى إرادة الكلام في لفظ ( السليقة ) إذا ألحقت بها ياء الصدرية . حتى إذا قالوا السليقية سجية فلان لم يعد يفهم منها إلا الطبع اللغوى الذى نشأ عليه فلان فى ييئته : قال الأزهري فاذا قرأ البدوى بطبعه ولغته ولم يتبع سنة قراء الأمصار قيل

هو يقرأ بالسليقية أى بطبيعته وليس بتعليم . وفى حديث أبي الأسود الدؤلى أنه وضع علم النحو حين اضطرب كلام العرب وغلبت السليقية : قال صاحب اللسان فى  تفسير هذه السليقية انها اللغة التي يسترسل فيها المتكلم على سليقته أى سجيته وطبيعته من غير تعمد إعراب ولاتجنب لحن

ومن هنا نستنتج أن السليقية مادامت لغة البيئة أى اللغة التي يسترسل فيها كل متكلم بطبعه - كانت السليقية ضربين ( سليقية فصاحة )( وسليقية بذلة ) وهي السليقية العامة , وإنما اخترت كلمة ( البذلة ) مشايعة للزمخشري فانه استعملها فى عبارة له كما سيأتى

فسليقية الفصاحة او السليقية الفصحى هي اللغة التى غلبت على لسان المتكلم بحكم البيئة البدوية : كالأعراب الذين ملكت الفصاحة ألسنتهم فلم يتطرق إليها الفساد : فهم لا يتكلمون بها إلا معربة واضحة المقاطع ومن دون أن يتكلفوا الإعراب أو تجنب اللحن . وأشهر شاهد على هذا الضرب من السليقية أعنى السليقية الفصحى قول شاعر البادية

( ولست بنحوى يلوك لسانه     ولكن سليقى أقول فأعرب)

والضرب الثاني من السليقية ماسميته ( سليقية البذلة ) وهي سليقية العربى العامى فى لهجته التى غلبت على أهل مصر بعد انتشار الاسلام وقد مرت الاشارة إليها فى حديث أبي الأسود مذ قالوا إنه وضع علم النحو ( حين اضطرب الكلام . وغلبت السيلقية )

فالعربى العامى كالعربى البدوى : غلبت على كل منهما لهجته أو لغته بحكم تأثير بيئته ونشأته : الأعرابي ترك نفسه على سجيتها فاسترسل فى لغته الفصحى لا يلوى على شىء غير متكلف إعرابا ولا متجنب لحناً , والعربي العامى السليقى البذلة يترك نفسه هو أيضا على سجيتها فيتكلم بلغة أمه ولهحة بيئته لايتكلف إعرابا ولايتجنب لحنا : البدوى

يعرب بحكم السليقية . والعامي يلحن بحكم السليقية . فليس الشاعر أو الراجز البدوى سليقى بقول فيعرب وحده بل إن الزجال الشعبى سليقى أيضا يقول فيلحن ولا يعرب بحكم السليقية ، كلاهما سليقيان

بقى أن نورد شاهدا على السليقية الثانية ( سليقية البذلة ) أى على أن العربى العامى إذا استرسل فى لغته الملحونة صح أن يوصف بالسليقية وأن يقال إنه سليقى

عثرت على شاهد لطيف المغزى رقيق الحواشى أورده الزمخشري فى كتابه ( الفائق ) تعليقا على مادة ظرف قال : ومن حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال لجلسائه يوما : كيف ابن زياد فيكم : قالوا : ظريف على أنه يلحن . قال : أوليس ذلك أظرف له اهـ

قال الزمخشري : وإنما استظرف معاوية ابن زياد لأن السليقية وتجنب الأعراب مما يستملح فى البذلة من الكلام قال : ومنه البيت المشهور :

( منطق صائب وتلحن أحيا    انا وأحلى الحديث ما كان لحنا(1) )

فالزمخشري استعمل السليقية بمعنى استرسال الظريف فى البذلة من الكلام . وليست البذلة فى الكلام الواردة فى عبارته إلا التبذل وعدم التصاون فى تحرى الفصيح المعرب . ومن هنا صح لنا استعمال سليقية البذلة فى مقابل سليقية الفصاحة

فاذا كان علماء اللغة خصوا البذلة والابتذال والمباذل فى رث الثياب أو فى لبس الممتهين منها فان شيخنا الزمخشرى استعمله فى رث الكلام وعاميه والمبتذل منه على أنهم يقولون فى فصيح اللغة ( كلام مبتذل ومثل مبتذل ) إذا كان كثير الاستعمال ملهوج الذكر . ولكن

قولهم هذا لايستدل منه على جواز وصف اللغة الملحونة بالابتذال . فالكلام المبتذل والمثل المبتذل إنما جاءهما وصف الابتذال من ناحية اللهج بذكرهما وكثرة الاستعمال لهما حتى لو قالهما الحضرى البليغ أو البدوى الفصيح سميا مبتذلين بمعنى أنهما متداولان لا أنهما عاميان ملحونان وفرق بينهما

فالبذلة فى الكلام بمعنى العامية الملحونة إنما استفدناها مباشرة من عبارة الزمخشري . وفوق ذلك كله فان اللحن فى البذلة السليقية إن أنكره بعضهم واستبشعه فان الجاحظ وابن قتيبة وغيرهما استحسنوه وافتوا بجوازه بل نصح بعضهم بان يستعمل الكلام اللحون في مخاطبة المرء لغيره وفي تحديثه جلساءه لا فى ما عدا ذلك فقال ( لا تستعملوا الإعراب فى كلامكم إذا خاطبتم . ولا تحلو منه كتبكم إذا كتبتم ) كأنه يقول أوصيكم أن تعربوا كتاباتكم وتلحنوا وفى محاوراتكم

ولعل هذه الوصية في مراعاة الإعراب فى الكتابة وتركه فى المحاورة إنما استندت إلى ما وقع للفراء مع هارون الرشيد : ذلك أنه دخل عليه يوما وتكلم بكلام لحن فيه مع جلالة قدره وعلو رتبته فى النحو . فقال جعفر يا أمير المؤمنين إن الفراء قد لحن . فقال الرشيد أنلحن يا يحيى ؟ ( ويحيى اسم الفراء ) فقال يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب وطباع أهل الحضر اللحن : فاذا حفظت أو كتبت لم الحن واذا رجعت إلى الطبع ( اى فى محاولة الناس ) لحنت . فاستحسن الرشيد كلامه .

واعتذر صاحب صبح الأعشىى للحانين فى الكلام مؤيدا الوصية المذكورة فقال إن اللحن قد فشا فى الناس والألسنة قد تغيرت حتى صار التكلم بالأعراب عيبا . والنطق فىالكلام الفصيح عيا . والذى يقتضيه حال الزمان الجرى على منهاج الناس بأن يحافظ على الأعراب فى القرآن والحديث والشعر والكلام المسجوع وما يدون من الكلام ويكتب من المراسلات ونحوها . ويفتفر اللحن فى الكلام

الشائع بين الناس الدائر على ألسنتهم يتداولونه بينهم ويتحاورون به فى مخاطباتهم . وعلى ذلك جرت سنة الناس فى الكلام مذ فسدت الألسنة وتغيرت اللغة . انتهى كلام القلقشندى وهذه المسألة أى مسألة استباحة اللحن والإخلال بالإعراب فى لغة المحاورة موضع نزاع كبير بين فضلاء العصر ولاسيما أساتذة المدارس والمشتغلين بتعليم النشء

وينبغي أن يزاد على المواطن التى عددها القلقشندى وحظر اللحن فيها من مثل المدونات والمراسلات - يزاد كلام المدرسين والمعلمين فى قاعات الدروس حيث يبسطون محاضراتهم تحت أسماع الطلاب . فلا يجوز بحال اللحن فيها , ولا الإخلال بالإعراب فى ألفاظها ومبانيها : فإن الناشئين فى ليونة ألسنتهم وحساسية أدمعتهم قابلون للانطباعات والتائيرات , فإذا سمعوا الكلام الملحون المرة بعد المرة يوشك أن تفسد ملكاتهم وتستعجم لهجتهم

ويتصل ببحث استظراف السليقية فى الكلام اللحون بحث آخر فيه طرافة وله علاقة يبحث اللهجات وهو : هل يجوز للكاتب أو المحدث أن ينقل الكلام الملحون بنصه من دون تغيير ؟ والجواب عن هذا يعلم مما مر بالضرورة . اليوا قد أجازوا التكلم بالملحون فلأن يبيحوا نقله أو روايته بالطريق الأولى . على أن أساطين الأدب العربى صرحوا بالترخص فيه بل بترك القول الملحون على اعوجاجه وقبيح أغلاطه

قال الجاحظ في كتابه ( البيان والتبيين ) ومتى سمعت حفظك الله نادرة من كلام الأعراب ( وقد عنى بهم أرباب السليقية الفصحى ) إياك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها . فإنك إن غيرتها بأن لحنت فى إعرابها او أخرجتها مخرج كلام المولدين والبلدين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير (٢) وإن سمعت نادرة من نوادر

العوام ( وقد عنى بهم أصحاب السليقية العامية ) أو ملحة من ملحهم فإياك أن تستعمل لها الإعراب أو تتخير لها لفظا حسنا فإنك إن فعلت أفسدت الإمتاع بها وأخرجتها من صورتها التى وضعت لها واذهبت استطابة السامعين إياها ؟ فالجاحظ يرى أن رواية الأقوال الملحونة والنوادر الملتوية اللهجة يستطيبها الجلساء , ويلذون بسمعها وخاصة إذا كان اللحن ( من الجوارى الظراف والكواعب والنواهد والشواب الملاح ) فإن ذلك يستملح فى كلامهن مالم تكن الواحدة منهن صاحبة تكلف فإن المتكلفة للكلام المسلحون تسمج ويتجافى عنها الطبع ويكثر هذا اللحن المستملح فى الأعجميات من النساء كالروميات والآرمنيات

أعجب ما أسمع منها فى السحر      تذكيرها الأنثى وتأنيث الفكر

                        والسوأة السوآء فى ذكر القمر

وما قولكم فى ابى اسحق بن سيار النظام فإنه كان يلحن فى كلامه ويروى عنه صديقه الجاحظ كلامه الملحون ويعتذر عنه بل يسوغ له عمله : فقد روى فى كتابه الحيوان ( جزء ١ صفحة 136) أنه خرج مع النظام ليلة فى بعض طروقات الأبلة فالح على النظام كلب من شكل كلاب الرعاة فثبت لهولم يجر ع وأقبل على الجاحظ يحدثه عن نفسه ويعدد خصاله إلى أن قال ما نصه : إن كنت سبع فاذهب مع السباع . إلى آخرحديثه ؛ فعلق الجاحظ على هذا بقوله : لا ننكر ( أيها القارى .) على حكايتى عن النظام بقول ملحون مذ قلت ( إن كنت سبع ) ولم ( اقل إن كنت سبعا )

ثم علل ذلك بقوله إن الإعراب يفسد نوادر المولدين كما أن اللحن يفسد كلام الأعراب لان سامع النوادر إنما أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج وتلك اللنة , فإذ أدخلت على هذا الأمر الذى أنما أضحك - خفه وعجمته حروف الأعراب والتخفيف والتثقيل وجولته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء؛ وأهل المروءة والنجابة - إدا فعلت ذلك انقلب المعنى مع انقلاب نظمه وتبدلت صورته .

ثم قال الجاحظ في مكان آخر: ولكل ضرب من                                           الحديث ضرب من اللفظ ولكل نوع من المعانى نوع من  الأسماء فالسخيف  للسخيف والخفيف للخفيف : فإن كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله وداخل فى باب المزاح والتفكيه فاستعملت فيه الإعراب انقلب عن جهته وإن كان فى لفظه سخف فأبدلت السخافة بالجزالة صار الحديث الذى وضع على أن يسر النفوس يكربها ويأخذ باكظامها

ثم قفي الجاحظ على رأيه هذا بهذه العبارة الجريئة فقال ( وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر كذا وكذا وعدد الجاحظ ألفاظاً يستحى من ذكرها ) ارتدع وأظهر التعزز واستعمل باب التورع . وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار إلا يقدر هذا الشكل من التصنع . ولم يكشف قط صاحب رياء ونفاق إلا عن لؤم مستعمل ونذالة متمكنه انتهى

أقول قد غلا الجاحظ فى تهوين أمر كلمات الرفث والبذاء على الناس ؛ وأرى ان أستدرك عليه بما استدركه ابن قتيبة على نفسه وقد حام حول ما قاله الجاحظ فقال : ولم اترخص لك فى إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجيراك على كل حال , وديدنك فى كل مقال . بل الترخص منى فيه عند حكاية تحكيها أو رواية ترويها تنقصها الكناية ويدهب بحلاوتها التعريض وأحببت لك أن يجرى فى القليل من هذا على عادة السلف الصالح فى إرسال النفس على السجية والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع ولا تستشعر أن القوم ( يعنى السلف الذين ترخصوا بذكر الرفث ) فارقوا وتنزهت , وثلموا أديانهم وتورعت ا ه

ثم انتقل ابن قتيبة فى كتابه ( عيون الأخبار ) من رواية كلمات الرفث والترخيص بها بقدر معلوم إلى رواية الكلام الملحون من نوادر وملح , وهو موضوعنا الذى كنا فيه مع الجاحظ فقال : وكذلك اللحن فى الإعراب

ان مر بك فى حديث من النوادر التى نرويها لك : لأن الإعراب ربما سلب بعض الحديث حسنه وشاطر (1) النادرة حلاوتها قال : وسأمثل لك مثالا : قيل لمزيد ( وهو رجل صاحب نوادر ) وقد أكل طعاما كظه ( أى ثقل على معدته ) قى . فقال ما أقى ؟ أقى ؟ نقى ! ولحم جدى : مرتى طالق ، لو وجدت هذا قياً لأكلته . ألا ترى أن هذه الألفاظ لو وفيت بالإعراب والهمز حقوقها لذهبت طلاوتها ولاستبشعها سامعها

والمؤلفون فى نقد الشعر كابن قدامة لم يغب عنهم حسن ما قاله الجاحظ وابن قتيبة : فهم على شدة تنطعهم فى نقد الأقوال وتمييز زيوفها أجادوا رواية الملحون , وحكاية السخيف من النوادر : قال ابن قدامة فى كتابه نقد الشعر ( وللفظ السخيف موضع آخر لا يجوز فيه غيره وهو حكاية النوادر والمضاحك وألفاظ الخفاء والسفهاء فإنه متى حكاها الإنسان بغير ما قالوا خرجت عن معنى ما أريد بها ويردت عند مستمعها ا هـ

هذه هى كلمتى فى السليقية بنوعيها : السليقية فى القول الفصيح , والسليقية فى البذلة من الكلام . والسليقية الثانية هى سليقيتنا نحن أبناء هذا العصر فقد ملكت علينا ألسنتنا كما ملكت لسان الفراء فى عصر الرشيد حتى أصبحنا غير قادرين على التفلت من أوهاقها إلابتكلف وتلكؤ شديدين . وذلك يكون منا إذا رأينا انفسنا مضطرين إلى إفهام غيرنا ممن لا يفهم لهجتنا ولا ما بحكى بها : كما إذاً حاورنا أبناء المغرب الأقصى أو حاورونا , فإن لهجاتنا المختلفة تحول بيننا وبين الاستمتاع بحديثهم فنضطر إذ ذاك إلى ترك سليقية البذلة واللجوء فى التفاهم إلى السليقية الفصحى وهي لغة القرآن وما أبركها لغة وأكثر ما تتحقق هذه الضرورة أى ضرورة الالتجاء

إلى لغة القرآن حينما نجتمع بإخواننا المسلمين الأعاجم الذين أصابوا ولو قليلا من الثقافة القرآنية او الثقافة العربية :فإنه لا ينفس الكرب عنا وعنهم ويجعلنا ننعم بالحديث معهم إلا لغة القرآن . ويظهر أن وسائل النشر والإذاعة والآلات والمواصلات وفرة دواعي الاجتماع والتلاقى بيننا وبينهم وفى البعثات والمؤتمرات

وكل ذلك يمهد الطريق أمام استعمال اللغة الفصحي بيننا فتقوى فينا ملكة التكلم بها من حيث تضعف فى نفوسنا إلى حد محدود سليقية البذلة العامية وإنما قلت إلى حد محدود ؛ لأنه مادام هناك اختلاف

وتباين فى عقول أبناء الأمة الواحدة وقابلياتهم ومعارفهم وتفاوت في ملكاتهم وتربيتهم وثقافاتهم فلابد أن تبقى فيهم لهجة عامية عائشة بجانب اللغة الفصحى

على أن اللغة الفصحى مع الأسف مهما انتشرت وقام لها سوق فيما بيننا سوف تبقى عاطلة من حليتها , مجردة من حركات إعرابها كما هى حالة لغة أهل ( عكاء ) فى اليمن على ما حكاه الشيخ عبد الرحمن الكواكبى للشيخ أحمد الإسكندرى ، ولله الأمر من قبل ومن بعد

اشترك في نشرتنا البريدية