للكاتب الكبير ه . ج . ولز آراء صائبة في مستقبل العالم ، بسطها في كتبه الكثيرة ومقالاته في الصحف ومحاضراته التي القاها على الهيئات المختلفة في إنجلترا وخارجها . وله فوق هذا نبوءات صادقة اجماعية وسياسية تحقق الكثير منها . ويمتاز المستر ولز بتفكيره الحر الجريء الذي لا يتقيد فيه بالأراء السائدة في هذه الأيام ، ولا بالتقاليد المسيطرة على عقول معاصريه .
ومن أهم آرائه الاجتماعية رأيه في التاريخ الذي يدرس الآن في المدارس والجامعات وفي طريقة تدريسه . وقد بسط هذا الرأي في محاضرة القاها في جمعية تقدم العلوم بأستراليا وزيلنده الجديدة ، ونشرت بعدئذ في كتاب له بعنوان : في البحث عن ماء حار : insearch of hot water بدأ المستر ولز محاضرته بقوله إن الآراء التي سيعرضها على مستمعيه - وكانوا كلهم من المدرسين - ستغضب العدد الكبير منهم ومن جماعات المدرسين المنتشرة في أنحاء العالم ، لأنها ستصطدم بما ألفوه من العقائد القديمة التي رسخت في عقولهم رسوخ العقائد الدينية ، فأصبحت لا تقبل جدلا ولا نقدا . ولكن الرجل الذي يعنى بالبحث العلمي ، والذي يهمه أن يصل إلي الحقيقة سواء اتفقت مع آراء الناس ومعتقداتهم أو لم تتفق ؛ هذا الرجل يستطيع أن يتحمل غضب جماعات المدرسين وسخطها عليه مهما يكن شديدا .
ثم انتقل بعد هذه المقدمة إلي موضوع المحاضرة فقال : إن العالم في الوقت الاضر يعانى حالة من الفوضي والاضطراب لم يشهد مثلها من قبل ، وسيواجه في المستقبل
القريب ) وقد قال هذا قبل الحرب الحاضرة ( حالة من الفوضى والاضطراب شرا من حالته التي يعانيها الآن .
ومن أكبر العوامل في خلق هذه الفوضى تلك الطريقة البالية العتيقة التي يدرس بها التاريخ في مدارس العالم اجمع ، والموضوعات التي تدرس على انها تاريخ ، والأراء التي يبثها مدرسو التاريخ في عقول الاطفال والشبان في المدارس والجامعات ، والتي لا تتفق مطلقا مع حال العالم الراهنة التي أوجدتها الاختراعات والاكتشافات الحديثة . ومن أجل هذا أصبح التوفيق بين الاثنين - بين حال العالم في الوقت الحاضر وما اوجدته الاختراعات والا كتشاقات من قوة هائلة يمكن توجيهها إلى الخير أو إلى الشر وبين دراسة التاريخ - من أهم المشاكل التى تتطلب الحل العاجل ، لأن التناقض القائم بينهما يؤدي دائما إلي الخراب والعذاب وسفك الدماء والاستعباد والفوضى في ابشع صورها
وستظل هذه الفوضى قائمة حتى يتنبه المدرسون إلي أثرهم فيها وقدرتهم على وقف تيارها ، أو حتى تصل إلي غايتها فتقضي على المدينة الحاضرة كما قضى على المدنيات التي قامت قبلها
إن التاريخ يدرس بطريقة خاطئة شديدة الخطر على العالم وعلى قضية تنظيمه في المستقبل ، وكل محاولة ترمي الى تنظيمه من جديد على اساس ضمان السلم وتخفيف ويلات الإنسانية مقضي عليها بالفشل لا محالة ، مادام التاريخ يدرس كما يدرس الآن .
إن اهتمام المدرسين الشديد بالماضى يعميهم عما يحدث حولهم في الوقت الحاضر ، ولذلك لا يحاولون تعديل ارائهم بما يلائم الحقيقة الماثلة أمامهم ؛ وهي ان العالم تمزقه الافكار القديمة مسلحة بأسلحة فتاكة حديثة ، وأن ما يبثه المدرسون في عقول الأطفال والشبان من آراء درجوا عليها عن المجد القومي والسيادة القومية والفتوح والانتصارات
والثأر والإنتقام ، وهو ما يسمونه تاريخا وما أسميه أنا سما زعافا ، هو الذي يحول بين العالم وبين التطور الاجتماعي المنشود ، ويهييء العقول بل يدفعها دفعا للحروب المتوالية وما تجره على الإنسانية من ويلات .
إن أهم ما يعني به التاريخ بشكله الحاضر هو الفوارق الاجتماعية والاقتصادية القائمة في العالم ، وهو يعدها حقائق ثابتة لا سبيل إلى التخلص منها ، بل إنه يعمل على توكيدها وتتثبيتها في عقول المتعلمين ، فيشب الصغار وهم يعتقدون أن الفرنسيين والإنجليز والالمان واليهود اقوام مختلفون بطبيعتهم ، وسيظلون مختلفين مدى الدهر لا يمكن التوفيق بينهم بحال ! والحقيقة ان الفروق بين الشعوب المختلفة فروق سطحية ليس فيها شئ غريزي ، لقنها الناس من صغرهم وتعلموها وفرضت عليهم فرضا . ولو انك نقلت اطفال امة على بكرة ابيهم ونشأتهم في امة اخري لشبوا كما يشب من حولهم ، ولما تبينت في طباعهم وتفكيرهم ما يختلفون فيه عن غيرهم ؛ ذلك بأن القومية خلة مصطنعة عارضة اصطنعها التاريخ كما يعلمه الآباء والأصدقاء ، وكما تعلمه الأعلام الوطنية والحفلات الرسمية ، وكما تعلمه المدارس بنوع خاص . وبفضل هذه القومية المصطنعة في المدارس وفي سبيل هذه القومية المصطنعة في المدارس تتعرض الحضارة بأكملها لخطر الزوال
يضاف إلي هذا كله ان هذا التاريخ في حد ذاته ناقص خاطئ معيب . فليس هو في الحقيقة كما نتصوره أو كما يصوره لنا مدرسوه رواية حقيقية كما حدث في الماضي ، وهو ابعد ما يكون عن النزاهة ، فمصدره الوثائق المخطوطة والكتب والنقوش والقصص الشعبية ؛ ومن يدرينا ان ماجاء في هذه كلها صحيح . إننا إذا قسنا الماضي بالحاضر كان اقل ما توصف به هذه المصادر انها عرضه للشك ، وان ما تحتويه لا يصح أن يؤخذ كله على علاته ، وانه لا يمثل الحقيقة كل التمثيل .
والمؤرخون عادة يهملون الأسباب والعوامل الفعالة الخفية ، لأنهم لا يعرفون منها إلا القليل ، ويكتفون بوصف النتائج الظاهرة ، أي أنهم يتركون العلة ويكتفون بالمعلول : وهم في كثير من الاحيان يلونون الحوادث ويرسمون الصور كما يتخيلونها لا كما حدثت في واقع الامر ! ومن أجل هذا كان التاريخ في اغلب الاحيان بعيدا كل البعد عن النزاهة ،
وكثير منه توجهه الأغراض الشخصية أو ما هو شر من الأغراض الشخصية ؛ ومنه ما تغلب عليه الصناعة اللفظية أو الغرض الفني ، كتلك الرواية الزائفة البعيدة عن الحقيقة التى خلقها جبنGIbbonخلقا وسماها " اضمحلال الدولة الرومانية وسقوطها The Deciine and fall of the Roman Empire
وأكثر التاريخ قد كتب وهو كله يعلم لصياغة عقول الناس وجمعها حول فكرة عامة يريدها المجتمع الذي يعيشون فيه . وأهم ما يعنى به كتاب التاريخ القومي ومدرسو التاريخ القومي في المدارس والجامعات أن يجعلوا الناس مواطنين وأن يلهبوا فيهم نار الحماسة الوطنية ويجمعوهم حول فكرة المجد القومي والأعتداء على غيرهم من القوميات الأخرى ،
ويزيدون من كبريائهم وإعجابهم بأنفسهم . ولقد كان هيرودوت نفسه وهو أبو التاريخ ، داعية من دعاة الحرب على فارس . ولا يزال معظم التاريخ إلي يومنا هذا دعاية قومية أو إقليمية مزجت بها الثرثرة والقصص الزائف ، بعيدة كل البعد عن المثل الإنسانية العليا .
ولقد بذلت في السنين الأخيرة عدة محاولات لكتابة تاريخ جامع للجنس البشري ؛ ولكن كل ما فعله المؤرخون الذين حاولوا هذا انهم جمعوا التواريخ المتفرقة المعيبة التي كتبتها كل أمة عن نفسها ، فكانت كتبهم من أجل ذلك خليطا مهوشا من هذه التواريخ ، فصل فيها عن هذه الأمة وفصل عن تلك ، وفصل عن هذا الإقليم ، وفصل عن ذاك
ولم يكتب أحد منهم تاريخا للإنسانية على أنها وحدة مجتمعة . واراد بعضهم ان يعمموا ولكنهم عمدوا إلى تلك الخيالات والأوهام المدهشة العجيبة ، فكتبوا عما سموه روح الشرق " و " روح الغرب " و " الروح اليونانية " و الروح العبرية " و " فضائل الجنس الثوري و " الأمم الناشئة " و " الأمم القديمة " و " العصر الذهبى " و " الأمة المختارة " وما إلى هذا .
ذلك هو ارقي ما وصل إليه تفكير المؤرخين في كتابة التاريخ وتدريس التاريخ ، وهو تفكير قاصر يسيطر عليه الروح القديم ، ولا يؤدي إلى خير على الإطلاق ، وسيظل العالم يعاني من جرائه ما يعانيه الآن من عداوات وضغائن .
والشواهد كثيرة على ما بثه هذا التاريخ في العقول من سموم ، وما ينشأ عن هذا التفكير من أضرار . وسنكتفى بذكر شاهد واحد منها وهو مشكلة اليهود ، تلك المشكلة التي يخيل إلي الكثيرين أنها مستعصية على الحل .
لقد سيطر الميديون والفرس واليونان واللاتين من بعدهم على الشعوب السامية التي كانت تسكن في أرض بابل وفينيقية وقرطاجنة ، واخضعوها لسلطانهم واحدة بعد واحدة بفضل تفوقهم الحربي ، وإن كانوا أقل منها دراية بالشئون المالية والتجارية ، وفي كثير من مقومات الحضارة بوجه عام . وخضعت هذه الشعوب السامية لسلطان المغيرين ولكنها ظلت تسيطر على شئون المال والتجارة في غرب اسية وفي اوربا ، وتوالت المحن عليها فألفت بينها ؛ ومن أجل ذلك كنت تجد في هذا الصقع من العالم القديم شعوبا سامية مغلوبة علي امرها من الوجهة السياسية ، متشابهة في مدنيتها وعقليتها وعاداتها وطقوسها واحتفالاتها ومواسمها . وحلت رابطة الدين محل الرابطة القومية ، فنسيت هذه الشعوب اصولها الفينيقية والقرطاجنية والبابلية ، وكان طبيعيا جدا ان
تعزي نفسها عما حق بها من المحن باعتقادها انها شعب الله المختار ، وانها على الرغم مما هي فيه من بؤس وشقاء ستنال النصر في مستقبل الايام ، فتعود عزيزة قوية كما كانت في عهد داود وسليمان .
كان ذلك تفكيرا طبيعيا من الوجهة النفسية ، ولكنه كان عظيم الضرر من الوجهة التاريخية ، فقد كانت نتيجته أن قسما كبيرا من بني الإنسان يشمل طائفة من اذكي الناس وأقدرهم على تصريف شئون التجارة والمال وغيرهما في أوربا وغرب آسيا ، قد انفصلوا بتفكيرهم هذا عن سائر الأقوام المحيطة بهم ، وزادت عزلتهم على مر الزمن كلما نمت تقاليدهم وقدم تاريخهم ، حتى لم يعد في وسعهم ان يندمجوا في هذه الأقوام . وتسممت أفكار اليهود بتلك الأسطورة القديمة ، أسطورة الشعب المختار والوطن الموعود وما تجمع حولها على مر الزمن من اساطير اخري وتقاليد .
ولو أن هذا التاريخ قد أغفل برمته ، ولو أن التاريخ قد درس كما ينبغي ان يدرس ولم تسمم به أفكار الناس على هذا النحو ، لما كان لهذه المشكلة وامثالها وجود . إن التاريخ الذي يدرس في جميع انحاء العالم إنما يقصد به التفريق بين الناس لا الجمع بينهم ؛ ولا يكتفي لإصلاح هذه الحال أن يعلم تاريخ العالم كله بحالته التي يكتب بها الآن في كل بلد من بلاده ، لان ذلك لا يحل المشكلة القائمة ، بل الذي يحلها أن يتعلم الناس تاريخا من نوع جديد ، وان يعلموه بطريقة جديدة " .
وهذا التاريخ الجديد ، وهذه الطريقة الجديدة ، قد شرحهما المستر ولز في محاضرته ، وسنلخصهما في المقال
الآتي .
