الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 235 الرجوع إلى "الثقافة"

السوسن وبرعمة الورد

Share

كتب هذه القصة فريدريك ليوبولد فون هاردنبرج Hardenberg المشهور في عام الأدب باسم نوفاليس Novaliz . وقد في سنة ١٧٧٢ م . ومات شاعرا يغرد في التاسعة والعشرين . ولما استيقظ ذهنه أيقظ خياله فخلق في سماء الأدب بجناحي استر . وتوفر علي العلوم والفلسفة ، وتتلمذ على شيلر وارتبط بشليجل schiegle ونفته بأواصر الصداقة ، وشعره يصدح بالنغم الموسيقى ويتضح بالصوفية ، وتتغله بحرات الحزن الذي فضى عليه قبل الأوان من موت شقيقه وموت خطيبته ، وكانت زهرة بائعة مذهلة نطفها الموت ولما تسكن خمسة عشر ربيعا  .

كان في سالف الزمان إنسان في نضرة الصبا يعيش بعيدا نحو الغرب . وكان هذا الإنسان طيبا غاية الطيبة عجيبا مع ذلك غاية العجب ؛ فهو دائب الحزن في غير ماشئ ، لائذ دائما بالصمت ، يلتجيء إلي العزلة حين يلهو الناس ، ويتعلق أمورا لغاية في الغرابة .

فالمغارة والغاية مقامه المحبوب يتحدث فيه إلى الحيوان والطير ، والشجر والصخر ، حديث خرافة باعثا على الضحك . وقد جهد في تسليته السنجاب والقرد ، والببغاء ، والصعو ( ١ ) ، وتعبت كلها في رده إلي السبيل السوي ؛ لكنه ظل الساخط الكتئيب .

كانت الإوزة تقص عليه مختلف الأقاصيص ؛ وكان القدير يترنم بينها ، والحجر الضخم يقفز أثناءها قفزات مضحكة كقفزات التيس . وكانت الوردة تتبعه راضية حيثما سار ، وتتسلل في خصله متوددة ؛ وكان اللبلاب لا يفتأ يلاطف جبينه الحزين .

لكنه مع هذا لم يدع الاكتئاب ، ولم يزايله التجهم . فكان أبواء من جراء ذلك جد كئيبين ، وكانا ابدا في حيرة من أمره ماذا يصنعان ؛ فقد كان صحيحا لا يزهد في طعام ، وكانا حريصين على مرضاته ؟ وكان من سنوات مضت طروبا مرحا كما لم يكن إنسان ؛ يرتع ويلعب في

طليعة اللاعبين ، ويفوز بالثقات الفتيات الحسان . وقد كان جميلا بار ع الجمال ، يحسبه الرائى صورة بالألوان حاذفا للرقص كحذق العشاق . وكان في الفتيات طفلة فاتنة يخالها من براها قد صنعت من شمع ، ناعمة الشعر كانه حرير ، شقراؤه كانه نضار ، دعجا ، العينين ، نامية كالدمية ، فانية الشفتين في لون العناب ، يتمني المرء لوفي في هواها فهذا القدر حسنها وصباها

وكان السوسن ، وهو اسم الفتي ، يحب البرعمة ، وهذا اسم الفتاة ؛ قد اشرب حبها إلي حد الفناء . وكان سائر الفتية والفتيات يجهلون امرهما ، حتى نفضته البنفسجة على الأسماع ، ولحظته القطط لتجاور البيتين . فكان السوسن وهو بنافذته ليلا ، وكانت البرعمة وهي بنافذتها كذلك ، تمر بهما القطط في طلبها للجرذان ، فتضحك حين تراهما واقفين ، وتغرب في الضحك بصوت مرتفع يسمعه العاشقان فيغضبان .

وقد حكت البنفسجة حكايتهما لعنب الذئب ، فقصها بدوره على صديقته الفراولة ؛ فجعلت تغمز كلما مر السوسن ؛ ثم لم تلبث الحديقة أن علمت الأمر ، وانتشر منها إلي نواحي الغابة ، فكان السوسن إذا خرج إليها تجاوبت الغاية بأغنية واحدة ؛

برعمة الورد يا حبيبة الفؤاد ! فيغضب السوسن ، ثم لا يلبث ان يضحك حين يري السحلاة آتية تتسلل ، تعتلي حجرا طلبا للدفء ، وتحرك ذنبها كأنها تقول :

برعمة الورد يا طفلتي الحبيبية ، ماذا دها عينيك من منظر الحبيب ؟ تطوفين عنقه كما لو كان أما ، وتتبتين شخصه فلا ترتدين ، بل تمعنين في تقبيل وجهه الغريب ! ! لكنه ولا أسفاء ! فقد ولي الهناء ؛ إذ جاء رجل

قادما من سفر بعيد الأرجاء ، ذو لحية مرسلة ، وعين غائرة وحاجب رهب ، وثوب عجيب كثير النقي ، موشي بالصور . فقعد قبالة بيت السوسن فآثار منظره فيه الفضول ، فجاءه يستطلع جلية خبره ، وأتاه بشيء من الخبز والخمر . وفرق الرجل لحيته البيضاء ، وأخذ بقص على السوسن القصص إلي ساعة متأخرة من الليل ؛ والسوسن لا يتزحزح ولا يترنح، ولا يدركه التعب ولا الملال .

وذاع فيما بعد أن الرجل الغريب قد حدث السوسن عن بلاد اجنبية ، وأصقاع مجهولة ، وأشياء عجيبة ، وانه قضى معه ثلاثة أيام يغوصان إلى الأعماق ، وينسابان إلى الهوي ) ١ ( . ويزعمة الورد نصب اللعنات في تلك الأثناء على رأس الشيخ الذي سحر السوسن واستحوذ عليه ؛ فلم يعد يأبه لشئ غيره ، اللهم إلا القليل من الزاد .

ورحل الرجل بعد إذ ترك للسوسن كتبا غامضا ، وزوده السوسن بالفا كهة والخبز والخمر ، وصاحبه شقة من الطريق ؛ ثم عاد مسلوب الفكر حائل الحياة . وحزنت البرعمة عليه ، وأزعجها جفوته وانقطاعه إلي نفسه .

وفي ذات يوم عاد السوسن فجأة إلي بيت والديه فعانق النويه ، وبكي ثم قال ، لابدلي من الرحيل إلي بلد غريب ، فقد أهابت بي مجوز الغابة أن أنتج الصحة ، وأحرقت كتبي وأطعمته النار ، ثم دفعت في إليكما أنشد بركتكما وقد اعود قريبا وقد لا اعود أبدا . فأبلغا سلاي إلي البرعممة ، فقد كنت حقا ان اذهب إليها لولا دافع قوي يدفعني إلي الرحيل .

في عصر " إنني كلما فكرت في الأبام الخوالي تطغي علي تفكيري أفكار أقوي . فالراحة زايلني ، والقلب والحب وليا معها عني ، فلا بد من نشدانها جميعا لوددت أن أنئكم ابن مرتحلي ، لكي أنا نفس لا اعلم ذلك . وأعلى ذاهب إلي أم الأشياء ، إلي العذراء ذات القناع ! فنفسي تذوب

حنينا إليها . فالوداع ! " . وانترع نفسه من احضان والديه ، ومضي في سبيله إلي ما لا يعلم من وجهته .

وندبه أبواه ، وذرفا عليه الدمع ، والتزمت برعمة الورد مخدعها ، وجرت عبراتها سخينة غزيرة .

ومضي السوسن يقطع الوديان والقفار ، ويعبر الجبال والأنهار ، ولا قصد له إلا البلد الخفى . فكان يسأل أينما سار عن إيزيس الإلهة المقدسة : يسأل الإنسان والحيوان ، والصخر والشجر ، فيضحك بعضها ، وبصمت البعض ، ولا يفوز أبدا منها بجواب .

واجتاز أول الأمر أرضا وعرة موحشة ، واعترضه الضباب والسحاب ، فكان يقتحم ما يعترضه ، حتى إذا الى صحاري رملية لا يدرك الطرف آخرها ، وسار فوق ترابها المضطرم الوهاج ، جهات نفسه تتبدل كلما أمعن في السير فيها ، فزايله اضطرابه ، وازداد اطمئنانه ، وحال التفزز العنيف في نفسه تدريجيا ترسلا خافتا ، لكنه قوي مستحوذ . ولاح له الزمن ، وكانه عبر منه شوطا بعيدا . ثم عادت الأرض غنية ثانية ، متنوعة ، فاترة الهواء ، مستوية الطريق ، تستهويه أدغالها الخضراء إلي ظلالها الفيحاء لكنه لم يكن يفهم كلامها ، ولا كانت تبدو أمها تتكلم ، وإن افعمت قلبه نضرة ، وأنزلت عليه السكينة والسلام ،

وازداد الشوق في نفسه كل يوم شبوبا ، وازدادت اوراق الأشجار على الأيام عرضا ، وربت عصارة ، وعات أصوات الطير والحيوان ، وازدادت ارتفاعا وانشراحا ، وطابت الفاكهة على مر الزمن نكهة وشفاء ، واشتدت زرقة السماء وحرارة الهواء ، وازداد هواء اضطراما ، وجعلت الأيام تمر سراعا ، وكأنا هو من غايته قاب قوسين أو أدنى .

وفي ذات نهار صادف عينا صافية ، وطائفة من الأزهار مهبط وادبا بين عمد قاتمة اللون تطاول السماء ؛ فحييته الازهار تحية طيبة بعبارة يفهمها ، فقال لها يخاطبها : ابنها المواطنات العزيزات ! تري أين مقام إيزيس وقدسها

الأقدس ؟ فإنه لابد أن يكون في هذه الأرجاء ، وربما كنتن أدري بهذا المكان مني - قالت الأزهار : إنما تعبر هذا المكان عبورا فحسب ، ونتقدم فيه اسرة من الأرواح تمهد لها السبيل ونعد المقام . وقد مررنا منذ عشية بإحدي الجهات فسمعنا اسم إيزيس على الأفواه ؛ فامض صعدا إلي حيث ابتدأنا فستعلم أكثر مما علمت

وابتسمت الآزهار ، وابتسمت العين إذ قالت ذلك ، وزودته بجرعة منعشة ؛ ومضت الأزهار في سبيلها ، وعمل السوسن بإشارتها ، فجعل يسأل ويسأل ، حتى بلغ ذلك المنزل المقشور المتواري بين النخيل ورائع النبات ، فخفق قلبه خفقانا شديدا ، وطغي عليه الحنين ، وغمره اضطراب حلو في ذلك القدس الذي تسكنه فصول السنة على الدوام .

وغلبه النعاس في عبق العطور السماوية ، لأن ارتياده قدس الأقداس إنما يكون عن طريق الأحلام .

وعبرت به الرؤيا مجادع لا تعرف آخرا ، وأشياء غاية في العجب ، واصواتا ساحرة ، مستفزة متفاوتة متعددة الإنسجام ، وكان ما يري لا يجهله ، لكن روعته فاقت في نظره كل روعة . ثم اختني عن عينه اخر مظهر لهذه الأرض ، وكأنما قد امتصه الهواء ، ثم ألقى نفسه مائلا بين يدى العذراء السماوية ، فتقدم فحسر عن وجهها القناع اللامع الرقيق ، فإذا برعمة الورد تبدعه ، وترتمى في أحضانه .

وصدحت عن بعد موسي تحوط أسرار اللقاء الحبيب ، وتصاحب فيوض الحنين ، ونقص عن المكان البهيج كل غريب

وعاش السوسن طويلا بعد ذلك ينعم بعشرة برعمة الورد ، وصحبة أبويه ورفاقه المبتهجين . ورزقا الأولاد ، وحمد الأحفاد لعجوز الغابة سداد الرأي ، وفضل النار التي التهمت استبداد المجهول بالخيال الخصب

اشترك في نشرتنا البريدية