كتب هذه القصة فريدريك ليوبولد فون هاردنبرج Hardenberg المشهور في عام الأدب باسم نوفاليس Novaliz . وقد في سنة ١٧٧٢ م . ومات شاعرا يغرد في التاسعة والعشرين . ولما استيقظ ذهنه أيقظ خياله فخلق في سماء الأدب بجناحي استر . وتوفر علي العلوم والفلسفة ، وتتلمذ على شيلر وارتبط بشليجل schiegle ونفته بأواصر الصداقة ، وشعره يصدح بالنغم الموسيقى ويتضح بالصوفية ، وتتغله بحرات الحزن الذي فضى عليه قبل الأوان من موت شقيقه وموت خطيبته ، وكانت زهرة بائعة مذهلة نطفها الموت ولما تسكن خمسة عشر ربيعا .
كان في سالف الزمان إنسان في نضرة الصبا يعيش بعيدا نحو الغرب . وكان هذا الإنسان طيبا غاية الطيبة عجيبا مع ذلك غاية العجب ؛ فهو دائب الحزن في غير ماشئ ، لائذ دائما بالصمت ، يلتجيء إلي العزلة حين يلهو الناس ، ويتعلق أمورا لغاية في الغرابة .
فالمغارة والغاية مقامه المحبوب يتحدث فيه إلى الحيوان والطير ، والشجر والصخر ، حديث خرافة باعثا على الضحك . وقد جهد في تسليته السنجاب والقرد ، والببغاء ، والصعو ( ١ ) ، وتعبت كلها في رده إلي السبيل السوي ؛ لكنه ظل الساخط الكتئيب .
كانت الإوزة تقص عليه مختلف الأقاصيص ؛ وكان القدير يترنم بينها ، والحجر الضخم يقفز أثناءها قفزات مضحكة كقفزات التيس . وكانت الوردة تتبعه راضية حيثما سار ، وتتسلل في خصله متوددة ؛ وكان اللبلاب لا يفتأ يلاطف جبينه الحزين .
لكنه مع هذا لم يدع الاكتئاب ، ولم يزايله التجهم . فكان أبواء من جراء ذلك جد كئيبين ، وكانا ابدا في حيرة من أمره ماذا يصنعان ؛ فقد كان صحيحا لا يزهد في طعام ، وكانا حريصين على مرضاته ؟ وكان من سنوات مضت طروبا مرحا كما لم يكن إنسان ؛ يرتع ويلعب في
طليعة اللاعبين ، ويفوز بالثقات الفتيات الحسان . وقد كان جميلا بار ع الجمال ، يحسبه الرائى صورة بالألوان حاذفا للرقص كحذق العشاق . وكان في الفتيات طفلة فاتنة يخالها من براها قد صنعت من شمع ، ناعمة الشعر كانه حرير ، شقراؤه كانه نضار ، دعجا ، العينين ، نامية كالدمية ، فانية الشفتين في لون العناب ، يتمني المرء لوفي في هواها فهذا القدر حسنها وصباها
وكان السوسن ، وهو اسم الفتي ، يحب البرعمة ، وهذا اسم الفتاة ؛ قد اشرب حبها إلي حد الفناء . وكان سائر الفتية والفتيات يجهلون امرهما ، حتى نفضته البنفسجة على الأسماع ، ولحظته القطط لتجاور البيتين . فكان السوسن وهو بنافذته ليلا ، وكانت البرعمة وهي بنافذتها كذلك ، تمر بهما القطط في طلبها للجرذان ، فتضحك حين تراهما واقفين ، وتغرب في الضحك بصوت مرتفع يسمعه العاشقان فيغضبان .
وقد حكت البنفسجة حكايتهما لعنب الذئب ، فقصها بدوره على صديقته الفراولة ؛ فجعلت تغمز كلما مر السوسن ؛ ثم لم تلبث الحديقة أن علمت الأمر ، وانتشر منها إلي نواحي الغابة ، فكان السوسن إذا خرج إليها تجاوبت الغاية بأغنية واحدة ؛
برعمة الورد يا حبيبة الفؤاد ! فيغضب السوسن ، ثم لا يلبث ان يضحك حين يري السحلاة آتية تتسلل ، تعتلي حجرا طلبا للدفء ، وتحرك ذنبها كأنها تقول :
برعمة الورد يا طفلتي الحبيبية ، ماذا دها عينيك من منظر الحبيب ؟ تطوفين عنقه كما لو كان أما ، وتتبتين شخصه فلا ترتدين ، بل تمعنين في تقبيل وجهه الغريب ! ! لكنه ولا أسفاء ! فقد ولي الهناء ؛ إذ جاء رجل
قادما من سفر بعيد الأرجاء ، ذو لحية مرسلة ، وعين غائرة وحاجب رهب ، وثوب عجيب كثير النقي ، موشي بالصور . فقعد قبالة بيت السوسن فآثار منظره فيه الفضول ، فجاءه يستطلع جلية خبره ، وأتاه بشيء من الخبز والخمر . وفرق الرجل لحيته البيضاء ، وأخذ بقص على السوسن القصص إلي ساعة متأخرة من الليل ؛ والسوسن لا يتزحزح ولا يترنح، ولا يدركه التعب ولا الملال .
وذاع فيما بعد أن الرجل الغريب قد حدث السوسن عن بلاد اجنبية ، وأصقاع مجهولة ، وأشياء عجيبة ، وانه قضى معه ثلاثة أيام يغوصان إلى الأعماق ، وينسابان إلى الهوي ) ١ ( . ويزعمة الورد نصب اللعنات في تلك الأثناء على رأس الشيخ الذي سحر السوسن واستحوذ عليه ؛ فلم يعد يأبه لشئ غيره ، اللهم إلا القليل من الزاد .
ورحل الرجل بعد إذ ترك للسوسن كتبا غامضا ، وزوده السوسن بالفا كهة والخبز والخمر ، وصاحبه شقة من الطريق ؛ ثم عاد مسلوب الفكر حائل الحياة . وحزنت البرعمة عليه ، وأزعجها جفوته وانقطاعه إلي نفسه .
وفي ذات يوم عاد السوسن فجأة إلي بيت والديه فعانق النويه ، وبكي ثم قال ، لابدلي من الرحيل إلي بلد غريب ، فقد أهابت بي مجوز الغابة أن أنتج الصحة ، وأحرقت كتبي وأطعمته النار ، ثم دفعت في إليكما أنشد بركتكما وقد اعود قريبا وقد لا اعود أبدا . فأبلغا سلاي إلي البرعممة ، فقد كنت حقا ان اذهب إليها لولا دافع قوي يدفعني إلي الرحيل .
في عصر " إنني كلما فكرت في الأبام الخوالي تطغي علي تفكيري أفكار أقوي . فالراحة زايلني ، والقلب والحب وليا معها عني ، فلا بد من نشدانها جميعا لوددت أن أنئكم ابن مرتحلي ، لكي أنا نفس لا اعلم ذلك . وأعلى ذاهب إلي أم الأشياء ، إلي العذراء ذات القناع ! فنفسي تذوب
حنينا إليها . فالوداع ! " . وانترع نفسه من احضان والديه ، ومضي في سبيله إلي ما لا يعلم من وجهته .
وندبه أبواه ، وذرفا عليه الدمع ، والتزمت برعمة الورد مخدعها ، وجرت عبراتها سخينة غزيرة .
ومضي السوسن يقطع الوديان والقفار ، ويعبر الجبال والأنهار ، ولا قصد له إلا البلد الخفى . فكان يسأل أينما سار عن إيزيس الإلهة المقدسة : يسأل الإنسان والحيوان ، والصخر والشجر ، فيضحك بعضها ، وبصمت البعض ، ولا يفوز أبدا منها بجواب .
واجتاز أول الأمر أرضا وعرة موحشة ، واعترضه الضباب والسحاب ، فكان يقتحم ما يعترضه ، حتى إذا الى صحاري رملية لا يدرك الطرف آخرها ، وسار فوق ترابها المضطرم الوهاج ، جهات نفسه تتبدل كلما أمعن في السير فيها ، فزايله اضطرابه ، وازداد اطمئنانه ، وحال التفزز العنيف في نفسه تدريجيا ترسلا خافتا ، لكنه قوي مستحوذ . ولاح له الزمن ، وكانه عبر منه شوطا بعيدا . ثم عادت الأرض غنية ثانية ، متنوعة ، فاترة الهواء ، مستوية الطريق ، تستهويه أدغالها الخضراء إلي ظلالها الفيحاء لكنه لم يكن يفهم كلامها ، ولا كانت تبدو أمها تتكلم ، وإن افعمت قلبه نضرة ، وأنزلت عليه السكينة والسلام ،
وازداد الشوق في نفسه كل يوم شبوبا ، وازدادت اوراق الأشجار على الأيام عرضا ، وربت عصارة ، وعات أصوات الطير والحيوان ، وازدادت ارتفاعا وانشراحا ، وطابت الفاكهة على مر الزمن نكهة وشفاء ، واشتدت زرقة السماء وحرارة الهواء ، وازداد هواء اضطراما ، وجعلت الأيام تمر سراعا ، وكأنا هو من غايته قاب قوسين أو أدنى .
وفي ذات نهار صادف عينا صافية ، وطائفة من الأزهار مهبط وادبا بين عمد قاتمة اللون تطاول السماء ؛ فحييته الازهار تحية طيبة بعبارة يفهمها ، فقال لها يخاطبها : ابنها المواطنات العزيزات ! تري أين مقام إيزيس وقدسها
الأقدس ؟ فإنه لابد أن يكون في هذه الأرجاء ، وربما كنتن أدري بهذا المكان مني - قالت الأزهار : إنما تعبر هذا المكان عبورا فحسب ، ونتقدم فيه اسرة من الأرواح تمهد لها السبيل ونعد المقام . وقد مررنا منذ عشية بإحدي الجهات فسمعنا اسم إيزيس على الأفواه ؛ فامض صعدا إلي حيث ابتدأنا فستعلم أكثر مما علمت
وابتسمت الآزهار ، وابتسمت العين إذ قالت ذلك ، وزودته بجرعة منعشة ؛ ومضت الأزهار في سبيلها ، وعمل السوسن بإشارتها ، فجعل يسأل ويسأل ، حتى بلغ ذلك المنزل المقشور المتواري بين النخيل ورائع النبات ، فخفق قلبه خفقانا شديدا ، وطغي عليه الحنين ، وغمره اضطراب حلو في ذلك القدس الذي تسكنه فصول السنة على الدوام .
وغلبه النعاس في عبق العطور السماوية ، لأن ارتياده قدس الأقداس إنما يكون عن طريق الأحلام .
وعبرت به الرؤيا مجادع لا تعرف آخرا ، وأشياء غاية في العجب ، واصواتا ساحرة ، مستفزة متفاوتة متعددة الإنسجام ، وكان ما يري لا يجهله ، لكن روعته فاقت في نظره كل روعة . ثم اختني عن عينه اخر مظهر لهذه الأرض ، وكأنما قد امتصه الهواء ، ثم ألقى نفسه مائلا بين يدى العذراء السماوية ، فتقدم فحسر عن وجهها القناع اللامع الرقيق ، فإذا برعمة الورد تبدعه ، وترتمى في أحضانه .
وصدحت عن بعد موسي تحوط أسرار اللقاء الحبيب ، وتصاحب فيوض الحنين ، ونقص عن المكان البهيج كل غريب
وعاش السوسن طويلا بعد ذلك ينعم بعشرة برعمة الورد ، وصحبة أبويه ورفاقه المبتهجين . ورزقا الأولاد ، وحمد الأحفاد لعجوز الغابة سداد الرأي ، وفضل النار التي التهمت استبداد المجهول بالخيال الخصب
