سأل حضرة الأستاذ الفاضل عبد الرحمن أفندي أحمد سعد عن أصل (السويبة) في العربية، وعن دلالتها على معنى يقارب معنى المطمورة التي على وجه الأرض فنقول - قبل الجواب - هذه الكلمة:
زارني أحد أدباء البغداديين، بعد أن وقف على كلمة (المطمورة) المدرجة في العدد ٤٦٤ من الرسالة فقال: (بأي لغة كتبت يا سيدي مقالتك على (المطمورة) ؟) قلنا له: باللغة المالطية، وسبب هذا الجواب أني لاحظت في طبعها أغلاط طبع كثيرة، حتى كان يصعب علي معرفة ما كتبتُ. ولولا عناية خاصة من الله لما تمكنت من فهم ما جاء فيها. ولم أبعث بتصحيح ما جاء فيها من الأوهام، لبعد المسافة بين بغداد ومصر، ولكثرة ما كان فيها من الأوهام. ولهذا اكتفيت بأن خططت خطاً أزرق تحت كل زلةٍ وردت فيها، تنبيهاً للقارئ لا غير، وذلك في نسختين فقط.
وبعد أن نبهت هذا التنبيه العام أقول: ورد في سؤال الأستاذ الأبيض الوارد في ٦٣٢: ١٠ (ثم يسيفونها) والصواب (ثم يسيعونها) وقوله (ويصمدونها) والصواب (ويصومعونها) .
والآن نجاوب على سؤاله فنقول: إن (السويبة) من أفصح كلام العرب وأحسنه بعد إزالة التصحيف عنه. والصواب أن يقال (الصويبة) مصغرة، أو (الصوبة) مكبرة. وبكلا اللفظيين ينطق بعض أعراب العراقيين. قال الشارح:
(والصوبة، يالضم: كل مجتمع. عن كرابح، أو الصوبة: الجماعة من الطعام. والصوبة: الكدسة من الحنطة والتمر وغيرهما. والصوبة: الكبشة من التراب، أو غيره. عن ابن السكيت: الصوبة: الجرين، أي موضع التمر، وحكى اللحياني عن أبي الدينار الأعرابي دخلت على فلان، فإذا الدنانير صوبة بين يديه، أي
كدس مهيلة. ومن رواه فإذا الدينار، ذهب بالدينار إلى معنى الجنس، لأن الدينار الواحد لا يكون صوبة. هكذا في لسان العرب؛ غير أني رأيت في الأساس قولهم: والدنانير صوبة بين يديه، مهانة. فلينظر انتهى. قلنا: قوله (مهانة) من خطأ الطبع. والصواب (مَهيلة) من هال التراب أو نحوه: إذا صَّبهُ
فأنت ترى من هذا أن أهل السودان متفقون وأهل العراق على اتخاذ هذه الكلمة، إلا أن أبناء الرافدين يستعملونها مكبرة ومصغرة على السواء من غير تفضيل صيغة على صيغة، إنما يأتون بها بحسب ما يمر بخواطرهم، ويفعلون مثل ذلك بكثير من الحروف
ثم إن نقل الصاد إلى السين كما في (الصُوَيْبة) و (السويبة) لغة قديمة معروفة عند العرب، فمنهم من كان يرقق الصاد فيجعلها سيناً، ومنهم من كان يفخم السين فيجعلها صاداً. والشواهد لا تحصى. والأمور جارية هذا المجرى إلى عهدنا هذا. ونحن نذكر بعض الشواهد من كلام الأقدمين فقد قالوا:
(الخِرس كالخِرص. والخربسيس والخربصيص. والسويق والصويق. قال ابنُ دُريد في الجمهرة: وبالصاد، أحسبها لغة لبني نميم، وهي لغة ابن الغبر خاصة) (كذا في تاج العروس. وهو خطأ أيضاً والصواب: (وهي لغة بني العنبر، إذ لا وجود لابن الغبر)
والتاج كثير أغلاط الطبع، ويجب أن يطالعه القارئ بكل تحفظ وتحرز وقد صححت فيه أوهاماً لا تحصى، ولو طبعت لجاءت في مجلد كبير، وكذلك يقال في لسان العرب، فإن مطبوعان مصر القديمة كانت تجئ بأقبح حلة وأسوأ حالة.
وأنتهز هذه الفرصة لأقول: إني لم آت على ذكر جميع مترادفات المطمورة أو ما يجالس معناها من الألفاظ المستعملة في العراق. فقد نسيت مثلاً الصوبة والصويبة. والمنثر، وزان المِنبر وهي مستعملة في ديار المنتفق وأرجائها، وهو مخزن الطعام في الصحراء ويسمى صاحبه الجَّبان بجيم مفتوحة، يليها باء موحدة تحتية مشدَّدة، فألف، فنون
والمنثر، غير واردة في معاجم اللغة، وقد وردت في (كتاب عمدة الطالب، في أنساب آل أبي طالب) ، وصاحبه من أنباء المائة التاسعة للهجرة هذا ما تيسر لنا جمعه. وهو الهادي إلى الصواب
(بغداد)
