ليس في الدنيا بلد يحب السلام مثل السويد ، فقد انقضي إلي الآن مائة وعشرون سنة تقريبا لم تدخل السويد فيها حربا ، حتى الحرب الماضية التي لم ينج من نيرانها شعب علي سطح الارض ، لزمت السويد خلالها حيادها ولم يحمل شيئا من اوزارها ، وقد عقد اهلها العزم على ان يظلوا كذلك في الحرب المقبلة وما يتلوها من الحروب .
ولكن هذه البلاد الامنة الوادعة ، ما تكاد تسمع بإعلان حرب في ناحية من نواحي الأرض حتى تتثاءب وترسل على المتحاربين جميعا نيرانا حامية ، يصلي المتحاربون جميعا نارها ويكتوون بأوصابها ، وهي (أي السويد ) في هدوئها ووداعتها وحبها للسلام ، كما تفعل الان بفريقي المتحاربين في إسبانيا ، وكما توزع نيرانها بالقسطاس بين الصين واليابان المتحاربتين .
هذه النيران هي الأسلحة ومعدات الحرب التي نبغ فيها أهل السويد حتى اصبحت بلادهم أكبر مصدر لها : سواء الآلات المصنوعة فعلا والخامات الصلبية النقية التي تصنع منها : ذلك ان معادن السويد وخاماتها تكاد تكون أنقى الخامات . . وهي بهذا أصلح الأشياء لصناعة الأسلحة ومعدات الحرب ، ولقد أخرجت السويد في العام الماضي (١٩٣٧) أربعة عشر مليونا من أطنان الحديد ، استهلك تسعة أعشارها في صناعة الأسلحة في المانيا وانجلترا ،
ولو سئل إنسان عن اعظم مصانع السلاح في الدنيا لقال : كروب أو شنيدر أو فكرز أو سكودا ، وهو في الحقيقة واهم ، إذ ان اعظم مصانع السلاح في الدنيا هي مصانع بوفرز Bofors في السويد ، لا يدانيها في اتقان الصناعة وجودة الآلات مصنع آخر على الأرض .. وتلك من مفارقات الطبيعة التي تبعث على العجب ؛ فهذه المصانع الجهنمية تقوم وسط احراج وغابات جديرة بخيال الشعراء ،
يرفرف الطير الشادي في مغانيها وينساب الجدول الجاري في نواحيها ، ويكاد يحسب الانسان انها خالية إلا من بعض اسراب التعالب وجماعات الطيور . ولهذا لا يملك المرء عجبه حين يعتثر فجأة وسط ذلك الهدوء على اعظم حصون مارس إليه الحرب ، إليها يأوي ومنها يخرج لينزل بالناس المصائب والويلات ، وعلي مدى عشرين ميلا من المأوى المروع تمتد حقول التجارب فيقصف رعد المدافع ويخطف برق القنابل وتشهد الغابة الساكنة تجارب الآلات التي يعدها إله الحرب ويصقلها ليعبث عن سبيلها بالأدميين .
في هذه المصانع يعمل خمسة آلاف وخمسمائة عامل ليل نهار ، يرأسهم ستمائة وخمسون من أمهر عمال الدنيا وأكثرهم معرفة بشئون السلاح ، ويشرف على العمل ثلثمائة وسبعون مهندسا ومخترعا ، يتابعون الجهد ويواصلون التجربة ، حتى يخرجوا للناس أشد الآلات فتكا وأسرعها إصابة وأبعدها مرمى ، وأكثرها انطلاقا وأحقها يجلب الخراب في نواحي الأرض كلها ، وبلاد الدنيا كلها عملاء لهذا المصنع . وفي ردهة استقباله ببصر الإنسان بوجوه المندوبين من كل بلاد العالم ، من الإمبراطوريات الضخمة إلي الدويلات الهزيلة ، يتهافتون جميعا على منتجات بوفرز وثمرات فرائح رجاله ، بحيث لا يخطئ الإنسان إذا راح يرقب تطور حركة التسليح في العالم في تقارير هذا المصنع السنوية . فمنذ سنة ١٩٣٣ إلي اليوم وأعمال المصنع في زيادة مطردة ، أي منذ بدأت ألمانيا تسلح نفسها ، فابتدأ سباق التسلح الذي لا زال في عنفوانه إلي اليوم ، فزاد رأس ماله من ٤٢ مليونا إلي ٩٦ مليونا من الكرونات وقفز عدد عماله من ألفين وخمسمائة إلي سبعة آلاف . وكذلك تضخمت قيمة منتجاته عاما بعد آخر ، فمن ٢٤.٥ مليون كرونر سنة ١٩٣٣ إلي ٢٦.٥ مليون سنة ١٩٣٤ إلي ٧٦.٤ سنة ١٩٣٥ إلى ١٠٩.٥.سنة ١٩٣٦ إلي ١٦٦ مليونا في ختام العام الماضي . وبلغ من اتساع
أعمال مصانع بوفرز أن ابتلعت مصانع نوبل الشهيرة ، واندمج فيها عدد عظيم من أكبر مصانع السلاح في السويد والترويج وفتئدا ، ووضعت يدها علي معظم موارد الخامات في السويد ولا بلاند .
وليست صناعة الأسلحة بالأمر الهين ، الذي يستطاع الحصول على عمال مهرة فيه في كل مكان ، بل هي صناعة عسيرة يقضي العامل في تعلمها نحو عشرين عاما ، حتى يصبح ذا خبرة يطمأن عليها ، وقدرة في الانتاج يعول عليها ، ولهذا يفخر أصحاب مصانع بوفرز بأن لديهم اعظم هيأة مدرية من المنتجين الذين ورثوا هذه الصناعة عن ابائهم واجدادهم ، وازدادوا علي المران خيرة وقدرة ، إذ ان اهل بوفرز بتوارثون صناعة العادن منذ ثلثمائة عام .
وقد كانت تلك المصانع العظيمة بيد اسرات غنية في بادئ الامر ، ثم تحولت إلي شركة احتكار سنة ١٨٧٣ ، وأخذت اسهمها تتركز حتى صار معظمها إلي الفرد نوبل العبقري السويدي المعروف ، الذي فشل في ان يصبح شاعرا ، قال إلى صناعة الأسلحة حتى إذا تكدست له الأموال أخذ ينفقها على الشعر والشعراء
وقد استطاعت المانيا أن تستحوذ على هذه المصانع بعد الحرب ، لأن اصحاب مصانع كروب اضطروا إلي ترك صناعة الأسلحة فسعوا إلي السيطرة على هذه المصانع لتسليح المانيا خفية عن الخلفاء ، فتم امتزاج مصانع بوفرز وكروب ، وتبادلا المهندسين والتصميمات ، وتخوف السويديون من هذا التدخل في اعظم صناعات بلادهم ، واصر النواب على إخراج كروب وأمواله من السويد ، فتم لهم ذلك خلال سنة ١٩٣٥ . ومن ذلك الحين اخذ الانجليز يتطلبون إلي الاستيلاء على هذه المصانع ، والسيطرة عليها ، وزادهم اهتماما بأمرها سماعهم بأن أحد مهندسي بوفرز قد توصل إلي صناعة مدفع مضاد للطيارات ، بعد من اعظم ما صنع الانسان في عالم ( البقية على صفحة ٤٠)

