الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 265 الرجوع إلى "الرسالة"

السيادة المصرية في صدر الاسلام

Share

كان الخراج في الدولة الإسلامية من أهم موارد بيت المال، فلما فتح العرب مصر وجبا عمرو بن العاص خراجها لم يرْض عمر بمقدار الخراج، وظن في عمرو الظنون، فأرسل إليه ابن مَسلمة ليقاسمه ماله، ثم عزله سنة ٢٣هـ قبيل وفاته بقليل عن ولاية الصعيد وأسندها إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح. فلما ولي عثمان الخلافة عزل عمراً وولى ابن أبي سرح مصر كلها، فكان ذلك سبب الجفاء والعداوة بين عمرو وعثمان حتى قيل إن عمراً أخذ يؤلب الناس على عثمان وعلى سياسته وإن له ضلعاً في مقتله

على أن ابن أبي سرح لم يكد يستقر في ولاية مصر حتى انتفض الرومان وكتب أهل الإسكندرية إلى قسطنطين بن هرقل إمبراطور الروم يصفون له ما هم عليه من الذلة والهوان ويهونون عليه فتح الإسكندرية لقلة من بها من حامية المسلمين، فأنفذ قسطنطين قائده الأرمني مانويل manuel إلي  الإسكندرية على رأس جيش كثيف فاستولى عليها وأخذ جنده يعيشون في الأرض فساداً حتى وصلوا إلى مدينة نقيوس

ولم يكن قبط مصر يرحبون برجوع بلادهم إلى حوزة الرومان خوف أن يسوموهم الخسف والهوان لما قاموا به من مظاهرة العرب ورضائهم بحكمهم من جهة، ولما كان بينهم وبين الرومان من الخلاف المذهبي الذي كان مصدر شقائهم ومصائبهم في عهد الرومان من جهة أخرى. فكأن عودة مصر إلى حوزة الروم معناه زوال تلك الراحة والطمأنينة اللتين تمتع بهما المصريون في ظل الحكم الإسلامي

لهذا كتب قبط مصر إلى عثمان يلحون في إسناد حرب

الرومان إلى عمرو بن العاص لما أحرزه في حروبه معهم من الخبرة الناشئة عن طول المزاس، ولأنهم أنسوا فيه الدراية والكفاية على رد غارات الأعداء بخلاف ما كانوا يعرفون عن واليهم الجديد، فولى عثمان عمرا الإسكندرية على أن يتولى حرب الرومان وإخراجهم من مصر

وفي مدينة   (نفيوس)  دار القتال بين جند عمرو وجند مانويل في البر وفي النهر، وكثر الترامي بالنشاب حتى وقع فرس عمرو من تحته. ثم طلب المسلمون المبارزة بين فارس منهم وفارس من الرومان فكانت الغلبة لفارس المسلمين فثارت حميتهم وشدوا على العدو وانتصروا عليه وقتلوا قائده، ثم تعقبوه إلى الإسكندرية وأعملوا السيف في رقابهم. وهنا أمر عمرو بإيقاف رحى الحرب، وأن يبني في الموضع الذي رفع فيه السيف مسجد أطلق عليه فيما بعد   (مسجد الرحمة)  وهدم عمرو سور الإسكندرية، وبهذا ثبتت أقدام العرب في مصر سنة ٢٥هـ

أقام والي مصر الجديد في الفسطاط يراقب الأمور عن كثب وينتظر ما تلده تلك الحرب الناشبة بين العرب والروم في مصر. ولا شك أن انتصار عمرو ثبت قدم ابن أبي سرح في ولايته. فحذا حذو سلفه في الإصلاح الداخلي وفي الفتوح الخارجية، أما الإصلاح الداخلي فلم يترك له عمرو شيئاً جديداً اللهم إلا ما كان في زيادة الخراج في ولايته حتى بلغ أربعة عشر مليوناً    ( ان صح أن يسمي هذا اصلاحا )

أما من ناحية الفتوح الخارجية فإن ابن العاص كان قد أمّن حدود مصر من جهة الغرب بفتح برقة عام ٢١هـ صلحاً، وبفتح طرابلس سنة ٢٤هـ عنوة. ثم بعث نافع بن القيس الفهري   (وكان أخا العاص بن وائل لأمه)  إلى بلاد النوبة فقاتله أهلها قتالاً شديداً فانصرفوا، فلما ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح غزا أفريقية سنة ٢٧هـ وقتل ملكها وغنم المسلمون الغنائم الوفيرة

حتي قيل إن سهم الفارس بلغ ثلاثة الاف دينار و الراجل ألف دينار

ثم وجه ابن أبي سرح همه إلى الجنوب فغزا بلاد النوبة من جديد، وبلغ دنقلة في سنة ٣١هـ وقاتل أهلها قتالا شديدا، ومع ذلك فإن النصر لم يتم لابن أبي سرح، فلجأ إلى مهادنة النوبيين وعقد معهم صلحاً رواه من المؤرخين البلاذري والكندي والمقريزي وترجمه لين بول في   (تاريخ مصر في العصور الوسطى)    (ص ٢٠ - ٢١)  وهو أشبه بمعاهدة اقتصادية بين مصر والنوبة: هذه تمدهم بشيء من الحبوب والعدس، وتلك ترسل إليهم الرقيق

كذلك تولى ابن أبي سرح قيادة معركة بحرية نشبت سنة ٣١هـ بين العرب والبيزنطيين تحت قيادة ملكهم قسطنطين بن هرقل، وكان النصر للعرب على الروم في هذه الموقعة التي عرفت باسم موقعة   (السواري)  أو   (ذات السواري)  لكثرة سواري المراكب التي اشتركت في القتال

أما مثير هذه الحرب فهو قسطنطين بن هرقل فلقد دبَّ في نفسه دبيب السخط فعمل على الأخذ بالثأر لما أصاب المسلمون من أملاكه في غرب مصر، فخرج في عدد من المراكب يتراوح بين خمسمائة وألف على ما ذهب إليه المؤرخون على اختلافهم، وخرج ابن أبي سرح بمائة مركب، واشتبك القتال بالغرب من الساحل الافريقي في الفرضة المسماة بفرضة زيوارء

اشترك في نشرتنا البريدية