فرغت فى هذا الأسبوع من مطالعة كتاب صغير اسمه " سلوك المالك في تدبير الممالك " لصاحبه " شهاب الدين أحمد بن أبى ربيع " وقد ألفه للخليفة المعتصم .
بنى المؤلف كتابه على أربعة فصول : فصل فى المقدمة ، وثلاثة فصول فى أحكام الأخلاق وأقسامها وفى أصناف السيرة العقلية وانتظامها وفى أقسام السياسات وأحكامها . عنوان الكتاب يدل على موضوعه ، فلا أرى بى حاجة إلى وصفه ، فهو جملة قواعد وضعت للذين يسوسون أمور الناس .
من هذه القواعد ما يلى : سأل الإسكندر حكيما : من يصلح للملك ؟ فقال له : إما ملك حكيم أو ملك ملتمس للحكمة ، والحكمة فى هذا المقام معناها الفلسفة .
ومنها : وعلى الملك أن يعرف أكثر أخلاق رعيته ليؤهل كلا لما يصلح له من الولايات .
إذا كانت دساتير الأمم فى عصرنا هذا قد اختلفت عن دساتير المتقدمين ، فأصبحت للأمم مجالس نيابية ومجالس شيوخ وغير ذلك ، فان شيئا واحدا لم يتغير ، وهو بناء السياسة على علم النفس ، وقد أدرك المتقدمون هذا الأمر فقرئوا الفلسفة ومعرفة الأخلاق بسياسة الرعية . ولكن المؤرخين الذين دونوا تاريخ العرب والإسلام أهملوا هذا العنصر الفلسفى فى أحكامهم ، فلو بعثوا فى يومنا ونظروا فى الذى كتبوه لكان لهم رأى غير رأيهم الأول لا شك فى أنهم كانوا لا يهملون فى هذا العصر العوامل النفسية فى سياسة الأمم والأفراد ؛ كانوا إذا تكلموا على رجل من رجال العرب والإسلام تولى مقاليد الأمر والنهى فى زمن من الأزمان جعلوا للعنصر النفسى فى كلامهم مقاما ، فاذا نجح هذا الرجل أو أخفق فى سياسة
الناس فانهم كانوا يبحثون عن العوامل التى أدت إلى هذا النجاح أو إلى هذا الإخفاق ؛ وقد تكون هذه العوامل مرة اجتماعية ومرة اقتصادية أو غير ذلك ، وفى كل حال فان للعوامل النفسية فى النجاح والإخفاق شأنا غير قليل .
قد تؤثر فى مصير الأمم أمور شتى ، ولكن أعظم هذه الأمور سلطانا إنما هى العوامل النفسية . ولو تذكرنا التعبير الذى ولدته هذه الحرب وهو حرب الأعصاب لعرفنا حق المعرفة أن لعلم النفس منزلة عظيمة فى الحرب ، وقد كان له مثل هذه المنزلة فى الحرب التى قبلها ؛ وعلى الرغم من هذا كله لا يزال علم النفس ضعيفا ، فلا تزال الأمم يجهل بعضها أخلاق بعض ، كما جهل الأمريكان أخلاق اليابانيين فى بدء الحرب ، فبينما كان الأمريكان واليابانيون يتفاوصون قبل تحاربهم على وجه سلمى كانت أساطيل اليابانيين تحتل جزر الأمريكان ، ولما اطلع الأمريكان على هذا الأمر قالوا : لم يخطر ببالنا غدر اليابانيين . ولو كانوا عالمين بأخلاق جيرانهم لما قالوا هذا القول ولما غلطوا هذه الغلطة !
فالسياسة مبنية على معرفة أخلاق الجماعات والأفراد وعلى معرفة الأحوال التى تقبل فيها هذه الأخلاق ؛ وهذه المعرفة النفسية إنما هى أقوى أساس فى بنيان السياسة . على أنه قد استطاع بعض الرجال فى خلال التاريخ أن يعرفوا ما نسميه نفسية الجماعات والأفراد ، وكانت هذه المعرفة سبب نجاح سياستهم . وقد طبق علم النفس فى الحروب فكان له شأن غير يسير ، وإذا كان المجال لا يتسع للافاضة فى هذا المعنى فلا أقل من الاشارة إلى مثل واحد من أمثال تطبيق علم النفس فى الحرب .
يقال فى بعض القلاع والحصون إن قسما من جهاتها لا يمكن الاستيلاء عليه ، ولهذا الاعتبار يبقى هذا القسم ضعيف التحصين ، وقد استفاد بعض القواد من هذه الغلطات فرأوا ان يهجموا على القلاع والحصون التى هى
من هذا النوع من الجهة التى قيل فيها لا يمكن الاستيلاء عليها ، فاستولوا عليها ، وقد طبقت هذه الطريقة فى الحرب الماضية من قبل الألمان ومن قبل الفرنسيين فنجحت ، وهى طريقة نفسية .
هذا عمل من أعمال علم النفس فى الحروب . أما فى السياسة العامة فإنه يعلمنا الفن الصعب الذى نقود به الجماعات والأفراد ويتحول به عواطفهم . ومن طالع إحدى روايات " شكسبير " استطاع أن يجد فيها دليلا واضحا على ذلك فى الخطاب الذى ولده " شكسبير " على لسان " أنطونيوس " لما استثار الجماهير أمام جثة قيصر .
لا شئ أصعب من سياسة الناس ، لأن الرجل عادة مركب من شخصيات شتى ، لا تظهر إلا فى أحوال معينة ، وما هذا الثبات الذى نراه فى شخصية كل واحد منا إلا شكل ظاهر لا غير ، تثبت هذه الشخصية بثبات أحوال معينة ، فإذا تغيرت هذه الأحوال تغيرت شخصية الرجل ، فالهادىء قد يصبح ثائرا ، والرقيق قد يصبح قاسيا ، والفاضل قد تتناثر فضائله ، فاذا جهل رجال السياسة هذه الخفايا النفسية فان جهلهم يؤدى إلى إخفاق سياستهم أو إلى الذهاب بحياتهم أو إلى القضاء على بلادهم فى بعض الأحيان .
لا يتسع المقام للتبسط فى هذا الباب ، وإنما حسى من كل ما ذكرت أن أشير إلى أن السياسة المجردة من علم النفس إنما هى سياسة مقشقشة .
بقى على أن أختم هذا المقال بضرب مثل فى هذا المعنى . لما ضعف أمر بنى أمية فى الشام وافى آخر خلفائهم مروان بن محمد بن مروان على الهزيمة إلى حران ، فاستشار فى ذلك اسمعيل بن عبد الله القشيرى وهو رجل من قحطان موتور ، فى نفسه ضغائن على قوم مروان ، فلنسمع حديث هذه الاستشارة على الوجه الذى رواه المسعودى .
ذكر إسمعيل بن عبد الله القشيرى قال : دعانى مروان وقد وافى على الهزيمة إلى حران ، فقال : ياأبا هاشم ، وما كان يكنينى قبلها ، قد ترى ما جاء من الأمر ، وأنت الموثوق
به ، ولا مخبأ بعد بؤس ، فما الرأى ؟ فقلت : ياأمير المؤمنين علام أجمعت ؟ قال : على أن أرتحل بموالى ومن تبعنى من الناس حتى أقطع الدرب وأميل إلى مدينة من مدن الروم فأنزلها ، وأكاتب صاحبها ، وأستوثق منه ، فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم ، وليس هذا عارا بالملوك ، فلا يزال يأتيني الخائف والهارب والطامع ، فيكثر من معى ، ولا أزال على ذلك حتى يكشف الله أمرى وينصرنى على عدوى . فلما رأيت ما أجمع عليه وكان الرأى ، ورأيت آثاره فى قومى من قحطان وبلاءه عندهم ، فقلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأى ، تحكم أهل الشرك فى بناتك وحرمك ، وهم الروم ، ولا وفاء لهم ، ولا تدرى ما تأتى به الأيام ، وأنت إن حدث عليك حادث بأرض النصرانية ، ولا يحدث عليك إلا خير ، ضاع من بعدك ، ولكن اقطع الفرات ، ثم استنفر الشام جندا ، فانك في كنف وعزة ، ولك فى كل جند صنائع ، يسعرون معك حتى تأتى مصر ، فإنها أكثر أرض الله مالا وخيلاورجالا ، ثم الشام أمامك وإفريقية خلفك ، فان رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام ، وإن كانت الآخرى مضيت إلى افريقية ، قال : صدقت ، وأستخير الله . فقطع الفرات ، ووالله ماقطعه معه من قبس إلا رجلان ، ولم ينفع مروان تعصبه مع النزارية شيئا بل غدروا به وخذلوه ....
ويعلم القارىء كيف كانت عاقبة مروان بعد هذه الاستشارة وكيف كان مقتله فى مصر . .
فهذا مثل من أمثال الغلطات النفسية فى السياسة ، وقد أدرك مروان أن القشيرى قد غشه فى الرأي ولم يمحضه النصيحة ، وأنه فرط فى مشورته إياه ، إذشاور رجلا موتورا ، ولكنه كان ينبغى له أن يدرك هذا كله قبل الاستشارة ؛ فهذه غلطة نفسية ذهبت بحياة صاحبها وبقومه وملكه . فالسياسة أخت علم النفس ، فإذا انفصل علم النفس عنها كانت السياسة ضالة مضلة ، وإذا اتصل بها كانت حكيمة رشيدة .

