من الشائع المعروف ، قبل اليوم ، أن السياسة العليا البريطانية كانت تستند علي التوازن الدولي ، أو ما يسمونه " سياسة التحكيم ، في القارة الأوربية "
ومعنى ذلك أنها كانت تعمل على خلق قوتين متعادلتين لا ثالث لهما ، في هذه القارة النشيطة ، لكي تضع هي إصبعها على نقطة ارتكاز الميزان ، فيكون لها بذلك سيادة التحكيم فإذا نمت شوكة أحد الجانبين ، إلي حد يهدد مصالحها ، ضربته بالجانب الآخر ، وساعدت الضعيف منهما على الصمود أمام القوي حتى يضعفا معا ، وعندها تضع يدها في الأمر لإعادة كفتي الميزان إلي التعادل من جديد
بهذه السياسة بقيت انكلترة ، عصورا طوالا ، وهى محتفظة بمكانتها الأولى بين الدول القوية ، ومتمتعة بكامل حريتها في التصرف بشئون مستعمراتها الواسعة ، التى بلغت خمس مساحة اليابسة الأرضية .
ويعزو السياسيون سر نجاح هذه الخطة إلى دقة نظام الدوائر الإنكليزية في تحري الحقائق ، وتمام الانتباه لمراقبة الميزان الدولي ، وإتقان اللعب على نقطة ارتكازه .
وما كان في غير اوربا دولة قوية تخشاها انكلترة على مستعمراتها غير اثنتين : هما اليابان وأمريكا . أما الأولى
فكانت منذ ابتداء القرن العشرين ، كثيرة المشاغل فى الشرق الأقصى ، ولم تحاول ، مباشرة ، إضعاف النفوذ البريطانى في مستعمراته . كما أن أمريكا بقيت ، حتى الحرب الأخيرة ، فى معزل عن غمرة الصراع الدولى ، تمسكا منها بمبدأ " مترو " الذى يحظر على الامريكيين التدخل فى شئون أوربا ، كما يرفض تدخل الأوربيين فى شئون القارتين الأمريكيتين
والغريب في أمر سياسة التحكيم هذه هو ان انكلترة كانت تحرص دائما على ان تكون فرنسا إحدى كفتى الميزان . وقد يكون السبب فى ذلك موقعها الجغرافى الأستراتيجى وقربها من الجزر البريطانية ، وإمكان تقويتها بسهولة إذا ضعفت . وقد يكون هنالك سبب اخر ، وهو ان الشعب الفرنسى حاد الطبع ، يخلط العاطفة بالسياسة ، مما سهل على الإنكليز فهم نفسيته ومعالجته وترويضه بفضل طباعهم الباردة المتذنة من أجل هذا نرى فى تاريخ فرنسا كثرة الحروب مع الدول الأوربية الأخرى . وطالما غلبت فرنسا وانهزمت ، فسعت انكلترة لمساندتها وإعادة نشاطها إلى حد ما ، كما تفعل مع دول الكفة الآخرى . ولم نجد بعد نابليون الاول حكومة فرنسية أرادت الخروج من نطاق النفوذ الإنكليزى غير حكومة ( لافالى ). لى
عهد المارشال ( بيتان ) ، فكان مصيرها ما يعرفه الناس .
نسوق هذه المقدمة لنتحدث باختصار تام عن حقيقة هذا الصراع الذى نشاهده اليوم فى الجو السياسى العالمى بين معسكرين خطيرين ، أولهما يريد التوسع ومد نفوذه على الدنيا باسم الإنسانية والشيوعية ، والرحمة بالفقير العامل ، وثانيهما يريد الاحتفاظ بسيادته على مستعمراته ، والتلاعب بمقدرات الشعوب الصغيرة تحت ستار الديمقراطية والحرية الفردية والله يعلم ، والشعوب كلها تدري ، بأن العالم غير محتاج إلى هذا ولا إلى ذاك ، وإنما هو محتاج إلى شيء من الراحة والاستقرار والتنظيم على أساس الإنسانية والعدل . . وهذا ملخص الحديث :
انتهت الحرب العالمية الأولى ( ١٩١٤-١٩١٨ ) وخرجت أوربا منها ضعيفة كثيرة المتاعب . وعادت كفتا الميزان إلى التعادل نسبيا ، مع الاحتفاظ ، بحصة الأسد المنتصرين . ولم تمض فترة قصيرة حتى حدث فى روسيا و ايطاليا والمانيا انقلابات خطيرة اعقبها جموح ووثوب اختل من جرائها الميزان الأوربى . ولم يأت عام ١٩٣٩ حتى استفحلت شوكات هذه الدول إلى حد اصبح كل منها يهدد مصالح الآخرى . ثم اشتدت الأزمة ، ووقف الخطر على الأبواب ، فتكتلت بعض المصالح تحت اسم المحور ،
واجتمع الأصدقاء الأقدمون تحت اسم الحلفاء . وبقيت روسيا بعيدة عن التكتل . وانزوت امريكا فى عزلتها تنظر إلى الميدان الملتهب . ثم كان ما كان من أمر الحرب ضد المانيا ، فانهزمت فرنسا أمامها فى أوائل أيام الحرب ، وبقيت انكلترة وحدها تستغيث بصديقتها القديمة أمريكا ، وتحرض روسيا على النزول إلى حومة الصراع . وكان من حسن حظ انكلترة أن أخطأ ( هتلر ) بالهجوم على البلاد الروسية حيث أوقع نفسه فى ورطة لا مخرج له منها . ثم دخلت امريكا بجانب صديقتها فانهزم المحور والقي السلاح ، وسلم مقادير أموره بيد الفائزين دون قيد ولا شرط . وجلس
أعضاء الجبهة المنتصرة فى القتال ، لتصفية الحساب وهنا بدأ صراع جديد .
لانكلترة مطامع استعمارية معروفة . فهى تريد إبقاء الحال على ما كان قبل هذه الحرب لتحتفظ بمستعمراتها . ولأمريكا رغبة فى استعمار اقتصادى عام يلف أرجاء الأرض بسحر إنتاجها واغذيتها و ( دولارها ) . ولروسيا كذلك طموح السيطرة على الشعوب المجاورة ومد سلطانها عليها
وليس هذا الصراع السياسى الجديد ثوبا غير الذى كانت تحرص عليه انكلترة من قبل . وذلك ان الميزان الأوربى أصبح بفضل دخول امريكا ميدان النزاع ثانويا ، ونصب مكانه ميزان عالى جديد . وسحبت اصبع انكلترة من السيطرة على نقطة الارتكاز ، لأنها أصبحت ضعيفة بالنسبة لصديقتها امريكا الغنية القوية التى اخذت بيدها الميزان الدولى الرئيسى .
ومن سير الحوادث السياسية الأخيرة للدول الكبرى والإطلاع على " مشروع مارشال " لإنقاذ اوربا ، وعلى مناقشة مؤتمر باريس الثلاثى الفاشل الذى انعقد بين انكلترة وروسيا وفرنسا لتحقيق هذا المشروع ، ترى أسلوبا جديدا فى النزاع المالى المقبل بدا يظهر للعين جليا شيئا فشيئا . وهو أن انكلترة أصبحت إحدى كفتى الميزان المالى تجاه روسيا ، وبقيت نقطة الارتكاز تحت أصبع امريكا التى سيكون لها القول الفصل فى الحرب العالمية المقبلة .
غير أن انكلترة ، وهى أمام الأمر الواقع ، تحاول إنقاذ نفسها ، جهد الإمكان ، من هذا المأزق الحرج لكى تقدم ، كعادتها ، اقل ما يمكن من ثمن وضحايا للكارثه القادمة . فراحت تستعمل ميزانها الأوربى القديم ، وتجمع أصحابها وحلفاءها في أوربا باسم " مشروع مارشال " الاقتصادى ، وتسعى لتقوية الجزء الألمانى الواقع تحت
نفوذها ونفوذ أمريكا ، وتمد يدها إلى فرنسا المحطمة ، وتلوح بالدولار ) الأمريكى لإغراء للدول الأخرى الصغيرة . وغايتها كل ذلك جمع هذه القوى وتنظيمها امام الخطر الرومى بدلا من أن تجابهه بنفسها وحدها
ومهما يكن من الأمر ، فان مشاكل السياسة المالية تحل بانتهاء الحرب الأخيرة . ومهما تظاهرت انكلترة بأمريكا بالود المتقابل ، والاشتراك فى الكثير من المصالح ، فإن على قمة الشطرنج الدولية اليوم ثلاثة خصوم الداء ، احدهم متستر منكم لا يعرف أحد مدى قوته وشدة بطشه ، ثانيهم قوى أضعفته الحرب الماضية ، فراح يفتش عن يد صديقة تساعده وتشد ازره ، لانه سيصطدم لا محالة مع الأول بحكم اختلافهما فى المذاهب الاقتصادية ومحورتهما
لبعضهما . وأما الخصم الثالث وهو امريكا ، فغنى مسلح أخذ الميزان بيده ، وهو يريد تمثيل دور ذلك القط الذى جاء يحكم بين فأرتين عثرتا على قطعة . جبن من بيت فقير ، فأكل القطعة كلها .
يقول الناس بأن حربا جديدة ستنشب فى العالم ؛ وإذا صح ذلك ، لا سمح الله ، وفانها سوف لا تكون حربا واحدة ، بل قد تكون حربين متعاقبتين ليكون للعالم سيد واحد ، لان حجم الأرض قد صغر أمام هذه المخترعات الجديدة السريعة ، والدنيا متجهة نحو نظام (الوحدة فى الحكم) ، وسوف لا يدبر دفة السفينة المالية غير ربان واحد ، فمن سيكون ؟؟

