الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الثقافة"

السياسة القطنية في بندقة

Share

اليوم ، وقد مجث النفوس حديث السياسة الحزبية بوجه خاص ، والسياسة الخارجية بوجه عام ، لكثرة ما أوقعتنا فيه من شقاق وعراك ، وما جرتاه علينا من متاعب وتقلقل وعدم استقرار وقلة ما قدمتا لنا من ثمر ؛ قد يلذ لنا أن نتكلم عن نوع آخر من السياسة ، سياسة منتجة ، ألا وهي " السياسة القطنية "

ونعني بسياسة محصول زراعي الخطة التي ينبغي أن تسير عليها البلاد في إنتاج وتصريف هذا المحصول ؛ وقديمًا لم تكن الحاجة ماسة إلي وضع سياسة زراعية كما هو الحال اليوم ، فقد تغيرت نظم العلاقات الاقتصادية بين البلدان وبعضها تغيرا شاملا كاملا .

والقطن ولا ريب أهم محاصيلنا الزراعية ، ودعامة ثروتنا القومية . فهو يكوِّن وحده ما يربي على ٩٠ % من صادراتنا . لذلك كان حقا علينا وضع سياسة له تعني بصيانته ورعايته من وقت زرعه إلى وقت تصريفه ، فنعني من ثم بثروتنا القومية ، ورفاهة حياتنا المادية .

وليس مركز القطن في العالم مما يحسد عليه ، فهو سيئ بالنسبة للمنتج وللغزال معا . وقد تدهورت أسعاره خاما ومصنوعا في السنين الأخيرة إلى حد أوقع المتصلين به جميعًا من زارع و صانع و تاجر في أزمات مالية خانقة ، إذ تحالفت على هذا المحصول عوامل الكساد ، فمن زيادة فاحشة في الناتج منه ، إلى هبوط سحيق في المستهلك من مصنوعاته ، إلى منافسة حادة من الألياف الصناعية التي تشابهه صفة وتفوقه رخصا ، إلى غير ذلك من العوامل

الأخرى الكثيرة . وحال القطن في مصر ليست إلا صورة مصغرة من مركزه في العالم . والنظر في شؤونه الحاضرة والمقبلة من ألزم ما يلزم ، وهو ما نسميه " بالسياسة القطنية " . وأول من عنى بدراسة هذه السياسة عناية صحيحة عصر ، وجمع أشتاتها هو المرحوم أحمد عبد الوهاب باشا الذي وضع بها مذكرة في عام ١٩٣٠ لا تزال إلى الآن هديا للباحثين الدين يبغون انتهاج أحسن الخطط التى يجب أن تسير عليها سياسة القطن في مصر . وسنتكلم فيما يلي عن السياسة القطنية كما تراها اليوم من نواح ثلاثة : المقدار والنوع والتصريف .

أما من حيث المقدار الذي يحسن بمصر أن تنتجه في السنين الحالية فيظهر بادىء ذي بدء أنه ما دام المنتوج العالم من القطن زائدًا عن المستهلك منه زيادة عظيمة ، فيكون من الخطل بل من الخطر زيادة ذلك الانتاج ، ويكون العمل على تخفيضه أمرا محتومًا ، وهذا مافطنت إليه أمريكا التى تنتج وحدها نحو ٤٠ % من المحصول العالمي . فأنقصت المساحة القطنية ببلادها نحو الربع ، فنقص انتاجها نحو خمسة ملايين بالة من القطن الشعر ، ( أو نحو ٢٥ مليون قنطار) وهو ما يعادل محصول القطن المصري مثلين ونصف مثل على أقل تقدير .

أما في مصر فإننا ننظر إلى تحديد المساحة القطنية من وجهتين : الأولى - أثر هذا التحديد في الانتاج العالمي . ومن ثم على رفع الأسعار ، والثانية - العلاقة بين ما تربحه من هذا المحصول وبين ما يمكن أن تحله محله من محاصيل أخرى .

فأما عن تحديد المساحة القطنية فهو إن جاز في مملكة كأمريكا كبيرة الأثر في الانتاج العالمي للقطن ، فإنه لا ينطبق على مصر التي لا يزيد مجموع إنتاجها كله عن مليوني بالة ، وعلى فرض نقص المساحة نحو الربع - وهو نقص كبير بالنسبة إلينا - فإن محصولنا ينقص نحو نصف مليون بالة على أكثر تقدير ، وهو مقدار قليل الأثر جدا في المحصول العالمي الذي يصل أحيانا إلى ٤٠ مليون بالة ، ومن ثم لن تكون له جدوى في رفع الاسعار ، هذا فضلا عن أن تجربة أمريكا الخاصة بنقص المساحة القطنية فيها أظهرت فشل هذه الخطة ، ما دام هذا النقص ليس شاملا كل الممالك المنتجة .

وأما عن العلاقة بين ما نربحه من القطن وبين ما يمكن أن يحل محله إذا أقللنا من مساحته فهو عامل جوهري جدًا في تحديد المساحة ، لأنه ما دام القطن أربح لنا من غيره من المحاصيل التى ننتجها ، فإنه سيظل بطبيعة الحال محتفظا بأكبر مساحة ممكنة في دورتنا الزراعية . وكل سياسة تناقض ذلك لن يكون وراءها إلا خسارة مادية للزارع في مصر . ويؤسفني أن أقول إن القطن لا يزال سيد محاصيلنا جميعا ، وإنه إلى أن يأتي اليوم الذي نوفق فيه إلى إيجاد ما يغنينا عنه - وما أشد حاجتنا إلى ذلك - سنظل أرقاء لهذا السيد العزيز .

وليست المساحة وحدها هي العامل الوحيد المسيطر على المقدار الناتج من المحصول ، بل هناك عامل آخر لا يقل عنه أهمية ، وهو غلة الفدان الواحد ، وليس هناك شك أو تردد في وجوب العمل على زيادتهما ما استعملنا إلى تلك الزيادة سبيلا ، فإن في ذلك زيادة مضمونة في الربح إذا ظل سعر البيع ثابتًا ، أو فيه زيادة لمقدورنا على تحمل هبوط السعر سواءٌ أكان ذلك الهبوط خارجا عن طوقنا أم مصطنعًا من ناحيتنا لتصريف محصولنا .

ويتسنى إدراك هذه الغاية بطرق عدة أهمها زرع أصناف من القطن وافرة الغلة وتعديل العمليات الزراعية والسمادية ثم مقاومة الآفات الضارة .

هذه هي الناحية الأولى لسياستنا القطنية ناحية المقدار وهي كما ترى ترتكز على عدم تحديد المساحة القطنية وتركها حرة ، وعلى العمل على زيادة غلة الفدان الواحد

أما عن الناحية الثانية وهي نوع الأقطان التي تنتجها فإنه ليس يخاف أن الأقطان المصرية خير أقطان العالم قاطبة ، من حيث طول التيلة ونعومتها ودقتها ومتانتها . بيد أنها تختلف فيها بينها اختلافًا بينًا من حيث الصفات ، فيقع السكلاريدس في رأس القائمة والأشموني في ذيلها . وقد أتى على مصر حين من الدهر كان إنتاجها من السكلاريدس يربي على ٧٠ في المائة من محصولها ، ومن الأشموني ما يقل عن ٣٠ في المائة منه . ولم تلبث الحال أن تغيرت فقل الناتج من السكلاريدس ونظائره من الأقطان المصرية الطويلة الشعر الممتازة ، حتى هبطت إلى نحو ١٠ في المائة من مجموع المحصول بينما زاد الناتح من الأشموني ونظائره من الأقطان المصرية القصيرة الشعر غير الممتازة حتي وصل إلى نحو ٦٠ في المائة ، ثم ظهرت أقطان أخرى بين بين بلغت نسبتها نحو ٢٥ في المائة من الحصول كله . وكان إقبال مصانع القطن على شراء الأقطان الرخيصة داعيًا إلى اتجاهنا إلى الإنتاج الكثير من الأقطان غير الممتازة ، وتحولنا بعض الشئ عن الأقطان الغالية ، وكنا في ذلك مضطرين لا مختارين . ولم نلبث طويلا حتى ساورتنا الشكوك في صحة هذا الاتجاه الجديد . وقد حدا بنا إلى هذا التشكك أمران : أولهما محاولة الممالك الأخرى المنتجة للقطن - القديم منها والحديث - إنتاج الأقطان الطويلة التيلة ، وبخاصة المصري الممتاز بها ، على حين انصرفنا نحن عنها . وثانيهما المنافسة الشديدة التي تعرضت لها أقطاننا بنزولنا بها إلى

مستوى الغالبية الساحقة من أقطان العالم . إذ أننا فرطنا في الانتفاع مما خصتنا به الطبيعة ، ولم نفد من ظروف ملائمة كفيلة بإنتاج أحسن الأقطان . فلما أن وضح لنا خطر سياسة الانتاج الكمي فقط تعدلت خطتنا إلى الانتاج الكيفي أيضا ، محاولين إخراج أصناف جديدة تجمع بين وفرة المحصول وحسن الصفات . وقد تبدلت الحال فعلا في السنتين الأخيرتين ، فقل إنتاجنا من الأقطان القصيرة التيلة ، وزاد من الأقطاب الممتازة بطول تيلتها . والآمال معقودة الآن على أصناف جديدة أخرى سترفع من مستوى أقطاننا إلى نحو ما كانت عليه أيام ازدهار السكلاريدس .

من هذا نرى أن الناحية الثانية من نواحي سياستنا القطنية وهي ناحية النوع ، تتطلب الآن إنتاج أقطان جيدة من حيث صفات التيلة ووفرة المحصول .

ولننتقل الآن إلى الناحية الثالثة من سياستنا القطنية ، ألا وهي ناحية التصريف ، وسنتناولها من حيث السعر ومن حيث الأسواق . فأما من حيث السعر فيجب أن تتجه هذه السياسة نحو البيع بأسعار منخفضة ، تكسبنا عملاء جديدين ، وتستبقي لنا عملاءنا الأقدمين ، وتكون لنا عدة في ميدان المنافسة ، وقد آن لنا أن نعرف أن أقطاننا لم تعد تتمتع بهذا المركز الممتاز الحصين الذي كان لها إلى عهد غير بعيد ، وأن كل سياسة ترمي إلى رفع أسعار أقطاننا رفعًا مصطنعًا سياسة فاشلة غير محمودة العاقبة . ومن العوامل التي تساعدنا على تخفيض أسعارنا غير ما ذكرت من زراعة أصناف وفيرة الغلة ومن تعديل طرق الزراعة والتسميد ومقاومة الآفات ، تخفيض نفقات الإنتاج إلى أدنى حد ممكن .

أما عن الأسواق فإنه غير خاف أننا نزرع أقطاننا

لبيعها خارج مصر ، ومن ثم علينا أن نعنى بإيجاد أسواق كثيرة لتصريفها ، وأن نذلل جميع العقبات التي تعترضها . وقد كثر الكلام في هذا الموضوع ، وكان للمرحوم أحمد عبد الوهاب باشا فيه جولة عظيمة الأثر أثناء رحلاته في أوروبا ، كما أنه تألفت لجنة خاصة للدعاية للأقطان المصرية وترويجها في الخارج .

أما سوقنا المحلية للقطن الخام فإنها لا تزال صغيرة جدًا ومحدودة ، إذ أنها لاتستهلك إلى الآن إلا نحو ثلاثة أرباع مليون قنطار من محصول يتراوح بين ٨ و ١٠ ملايين قنطار والواقع أنه مهما زاد الاستهلاك المحلى لأقطاننا فإنه لا يعدو غير جزء صغير من محصولنا . وتتجه سياستنا القطنية نحو حماية الاستهلاك المحلي حماية تكفل له الزيادة والنمو ، لا كوسيلة لاستهلاك جزء من أقطاننا فحسب ، بل كوسيلة لاستخدام عدد كبير من الصناع المصريين والأيدي المصرية . وهذا الترفيه عن صناعة النسيج في مصر هو في الحقيقة جزء من برنامح واسع النطاق يرمي إلى تشجيع الصناعة بصفة عامة في مصر ، لما فيها من أبواب رزق وكسب جديدة للمصريين أنفسهم ، ولما يتبع التطور الصناعي من رقي في كفاءة أفراد الأمة ، ومقدرتهم الإنتاجية ، ومن زيادة الاعتماد على مواردنا الطبيعية والإفادة منها .

هذه هي السياسية القطنية مختصرة موجزة . وهي تتلخص في أنه ما دام لم يوجد بعد البديل المكافئ للقطن في مصر - مع حاجتنا الماسة إلى هذا البديل - ولكي نتلافى كارثة قطنية خانقة ، يجب العمل على " تصريف محصولنا من أقطان ممتازة بسعر منخفض " وذلك بزيادة غلة الفدان وتخفيض نفقات الإنتاج ، فتزداد ثروتنا القومية وتقوم على أساس وطيد .

اشترك في نشرتنا البريدية