الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 370الرجوع إلى "الثقافة"

السياسة المصرية في ربع قرن

Share

لما قامت هذه البلاد سنة ١٩١٩ تطالب بحقوقها  وثارت لذلك ثورتها التاريخية كان لها هدفان تسعى  لتحقيقهما :

الأول : الاستقلال التام الذي يكفل لها مركزاً  دوليا تتمتع فيه بالسيادة الذاتية الكاملة بعيدة عن أى خضوع لنفوذ أجنبي .

الثاني : قيام حكومة وطنية دستورية على أسس  الديمقراطية الصحيحة التى تكفل الحرية والمساواة والعدالة لجميع أفراد الشعب والتي تجعل كلمة الشعب هي العليا فى  كل شئون البلاد .

ولقد مر علينا منذ ذلك الحسين أكثر من ربع قرن  تقلبت فيه ظروفنا واحوالنا السياسية واختلفت علينا فيه  العهود والحكومات ، وقامت في داخل البلاد وخارجها

أحداث كان لها أثرها في تقريبا من أهدافنا أو إبعادنا  عنها . فلننظر اين نحن الأن من هذين الهدفين وهل تقدمنا  أو تأخرنا في سبيل تحقيقهما .

فأما الاستقلال التام فقد كان أمنيتنا الكبري التي انعقد عليها إجماعنا سنة ١٩١٩ ولقد قابلت إنجلترا حركتنا في بداية امرها بالعنف والشدة فنفت من رجالنا من نفت وسجنت من سجنت ، ولكن العنف لم يجد امام إجماع أمة موحدة الكلمة صادقة العزم ، ولهذا اضطرت الملاينة وإرجاع المنفيين وإطلاق سراح المسجونين ، ثم اضطرت لفاوضة زعماء البلاد في مطالبهم ، ولكنها لم تكن مستعدة لإجابة هذه المطالب وحاولت إقناعهم بقبول عروض جزئية ، فلم يجد في البلاد من رضي عما دون الاستقلال التام . وبدا أن المشكلة مستعصية الحل ، ولكن فكرة

نبتت تلفقها المحتل بالارتياح وسارع إلى تنفيذها ، وهي إعلان إنجلترا اعترافها من جانبها بالاستقلال لمصر وبأنها دولة ذات سيادة مع تحفظات أوردتها ومسائل علقتها إلي ان يقوم بينها وبين مصر مفاوضات بشأنها .

ومع أن المصريين لم يرضوا بما أعلن إلا أنهم تقبلوه على انه كسب مؤقت وخطوة تمهيدية تتبعها خطوات ، وزاد قبولم لهذا الوضع انه سيتيح لهم فرصة لتحقيق هدفهم الثاني وهو قيام حكومة وطنية على أسس ديمقراطية :

واستمرت الحكومات المصرية المتعاقبة تحاول إكمال هذه الخطوة وتفاوض الحكومة البريطانية في امر إقامة العلاقات بين مصر وانجلترا علي أسس ثابتة توطد الصداقة بين الطرفين وتحقق لصر امنيتها الغالية وهي الاستقلال التام ، إلي ان تبلورت تلك المحاولات في معاهدة الصداقة التى تمت بينهما سنة ١٩٣٦ وفيها نصوص صريحة توقف الاحتلال لأمد وتحدد إقامته في منطقة خاصة ، وفيها حقوق والتزامات متبادلة .

وجاءت الحرب العظمي فخلقت ظروفاً غير عادية لم تكن مقدرة ومارست إنجلترا حقوقها الواردة في الماهدة كاملة ، وحملتنا الالتزامات المنصوص عنها في المعاهدة لأبعد ما يحتمله تأويل نصوصها ، واصبحت مواردنا ومدننا وموانينا ووسائل المواصلات لدينا تحت تصرفها ، واحتمل الشعب أكبر التضحيات في سبيل الوفاء بتعهداته ، وصبر علي ما اصابه من المتاعب والحرمان ومشاركة الملايين من جنود الخلفاء له في أرزاقه وأمواله بل لقد قدم مختارا ً كل ما استطاعه من المعاونة لنصر قضيتهم حي انتهت الحرب لانتصار الحلفاء ، فحمد الله على تلك النتيجة وارتقب الفرج يتلو زوال هذه القمة وتطلع بأمل كبير إلي حليفته العظيمة التى لمست ما بذل لها من تضحية وما قدم لها من معونة ، راجياً ان يكون ذلك محل تقديرها ، واثقاً من انها ستسبقه               إلى أ كثر مما يرجو منها وانها ستبادره بسحب جنودها

اعتماداً على صداقته التى شهدت بها ظروف الشدة والمحنة

ولكن لأمر ما لا تزال الخليفة مقضية الطرف . وقد طلبت إليها الحكومة رسمياً فتح باب المفاوضات لتعديل المعاهدة على أساس الجلاء عن مصر وضمان وحدة وادي النيل . ومع أن الرأي العام البريطاني لا يبدي استنكاراً لهذا المطلب العادل ، ومع أنه لا مبرر لها في تأخير إجابة هذه الرغبة ، فان الحكومة البريطانية تعالج الأمر ببطء يدعو للريبة ، ويبدو أنها تطاول كسباً للوقت . على أننا مطمئنون إلي عدالة قضيتنا واثقون من أن بريطانيا لن تجد لها عذراً تعتذر به عن إجابته ، والظروف الدولية موانية لنا واختيار مصر عضوا في مجلس الأمن ينبح لها الفرصة لعرض المشكلة على الدول إذا لم ثلثه فيها مع بربطانيا إلي حل يرضيها

فإذا كنا لم نحقق هذا الهدف - الاستقلال التام - كاملا إلى اليوم فقد خطونا خطوات في سبيل ذلك ، وكل الظروف مساعدة على أن نصل إلي امنيتنا سريعا إن شاء الله .

أما الحياة الدمقراطية وهي الهدف الثاني لنهضتنا ، فقد صارعنا منذ اعترفت انجلترا من جانبها باستقلالنا إلي العمل على تحقيقها ووضع لنا دستور مستمد من احدث الأنظمة النيابية ، ووضع قانون للانتخابات العامة علي طراز ما يعمل في أرقي الدول الدمقراطية ، وأجريت الانتخابات وافتتح البرلمان وانتخبت الحكومة من ممثلي الأغلبية ، وبدا كأن كل شئ يسير في السبيل الرسوم وان هذا الهدف قد تحقق على أكمل وجه

ولكن الأمور لم تسر في هذا السبيل بهذه السهولة ؛ فالديمقراطية مذهب اجتماعي قبل ان تكون نظاما للحكم ، وهو في صميمه قائم على احترام الفرد وعدم التعرض لحريته في حدود النظم والقوانين ونجاح مثل هذا النظام يتطلب من الحاكم البعد عن كل مظاهر السيادة والاستبداد ومن كل فرد من أفراد الشعب أن يدرك مكانته كمواطن وكرامته

كانسان وحقه الكامل في الحرية في ممارسة حقوقه والأرتياح لأداء واجباته .

ففى شعب باديء حديث العهد مثل هذا النظام قريب العهد بالنظم الاستبدادية كان من الضروري أن يسلك إلي تدعم الحياة الديمقراطية برفق وحذر ، وان يحرص القادة على تنوير الشعب وإفهامه حقوقه وكرامته قبل حرصهم على كسب ثقته ؛ ولو تواصوا بذلك لما قامت وسائل الدعاوة ولا نظمت طرق التأثير بالإغراء والتشهير ولما ارتفعت بعد ذلك شكوى من عمليات الانتخاب .

وقد جرت الأمور مع الأسف في غير هذا الطريق ؛ فقد كان الساسة احرص على كسب الأصوات من تنوير أذهان الناخبين وتعويدهم الحرية والمحافظة على الكرامة .

وكان من الطبيعى أن تقوم الأحزاب في ظل الحياة النيابية ، ولكنها احزاب لا تقوم على خلاف في المبادئ . والأهداف ، وإنما يقوم الخلاف على أشخاص الرؤساء

والزعماء

وحيث يكون " شخص الرئيس " هو محور الحزب فان من الطبيعي أن يحاط هذا الزعيم بهالة من القدس والإحترام وان يرتفع إلي مكانة تتنافي مع النظام الديمقراطي السليم

فأنت تري أننا ظفرنا من الحياة الديمقراطية - هدفنا الثاني - بشكلها وظاهرها ولم تصل إلي ايها ، وهذا الكسب الشكلى جر علينا ويلات كثيرة وخلق مشاكل اجتماعية كثيرة

فهمتنا الآن يجب أن تتجه إلي إشاعة الروح الديمقراطي الصحيح في نفوس الشعب . وهذا العبء ، يقع أكثره على الشباب المستنير الذي لم ينغمس في خلافات السياسيين ، فهو الجدير بأن يحمل الشعلة المقدسة وينير السبيل الصحيح الدمقراطية الخالصة التى تقوم على الحرية والعدالة والمساواة (....)

اشترك في نشرتنا البريدية