لئن كان محمد بن عبد الوهاب يرمي إلى إصلاح العقيدة ، ومدحت باشا يرمي إلى إصلاح الحكومة والإدارة ، فالسيد جمال الدين يرمي إلي إصلاح العقول والنفوس ، وربط ذلك بالدين . مدحت " يرى إصلاح الشعب عن طريق إصلاح الحكومة ، وجمال الدين يرى إصلاح الحكومة عن طريق إصلاح الشعب . مدحت يقول ؛ إن الحكومة راع وإذا صلح الراعي صلحت الرعية ، والغاية الدستور فإذا وضع ونفذ فالخير كل الخير للأمة . ويقول جمال الدين : " إن القوة النيابية لأي أمة لا يكون لها قيمة حقيقية إلا إذا نبعت من نفس الأمة ، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيل ملك أو أمير ، أو قوة أجنبية محركة له ، فهو مجلس موهوم موقوف على إرادة من أحدثه ، فالعقول والنفوس - أولا - إذا صلحت صلحت الحكومة
ماذا تنفع الحكومة الصالحة إذا كان الشعب غير صالح ؟ . لقد علمنا التاريخ ، أن الحكومة لا تستقيم إلا إذا كان في الأمة رأي عام يخيفها ، ويلزمها اداء واجباتها ، والوقوف عند حدها ، فإذا لم يكن ذلك ، فالطبيعة البشرية على الحكام أن يستأثروا بالمنافع ، وغاية ما يتوقع من الحكومة الصالحة غير المؤسسة على قوة الأمة ويقظتها أن تكون موقوتة بوقتها ، فإذا زالت حل محلها من لا يصلح إذ لا شأن للامة في اختيارها ، ولا رقابة لها على أعمالها . يقول حول سنة ١٢٩٦ م : " هبوا أن مجلسا نيابيا أنشئ فستجدون أن حزب الشمال لا أثر له ، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمن ، وسيكونون كلهم آلة صماء وسيري كل عضو أن الدفاع عن الوطن ومناقشة الحاكم الحساب ، قلة أدب ، وسوء تدبير ، وقلة حنكة ، وتهور " . لا ! لا ! العقول والنفوس هي المقدمة ،
والحكومة الصالحة النتيجة .
أفغاني الأصل ، شريف النسب بنتعي إلي الحسن بن على ) وتشرب النسب في هذه البلاد حرمة وإجلال تفوق ما في غيرها من الأقطار ( . جمع إلي شرف النسب عزة السيادة ؛ فقد كان أهل بيته سادة على عمالة من أعمال أفغان . ولكن مالنا ولهذا كله فقد تنبت النبتة الطبية في الأرض السبخة ، والنبتة الفاسدة في الأرض الصالحة ، فإذا نبت النبتة الصالحة في الأرض الصاحة اكتفينا بالتسجيل فأسرة جمال الدين لم نتبت إلا جمال الدين ، وأسرة * عبده لم تثبت إلا محمد عبده ، وما ا كثر الأسر التي تشبه إسرتيهما او تفوقهما ، ومع هذا لم تنبت شيئا . فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
نعلم كما يتعلم شباب زمانه في بلاده الفارسية والعربية على طريقة تشبه الطريقة الأزهرية ، ولا تمتاز عنها إلا دراسته الواسعة في الفلسفة الإسلامية ، والتصوف كما هي عادة الفرس إلي اليوم ، فكان ذلك تراة ثقافته ، ودرس في الهند الرياضة على الطريقة العصرية ، وساح سياحة طويلة في الأفطار الإسلامية إلي مكة ، فأ كسبه ذلك تجارب عملية واسعة ، وخيرة بحياة الشرق ، ووقعت بلاده في منازعات سياسية على من بنولي الملك ، فانتمس فيها وتشيع لجانب منها ، وقام منه مقام الوزير وانتصر وانهزم ، ولم تدخل الدول فعليه ذلك السياسة وخصومها ورداءها والأعيبها .
وتعلم الفرنسية وهو كبير ؛ اني بمن يعلمه الحروف الهجالية ثم انفرد بتعلم نفسه نحو ثلاثة اشهر بحفظ من مفرداتها حتى استطاع ان يقرأ من كتبها ويترجم منها ، ثم توسع في ذلك أثناء إقامته بباريس فمكنه ذلك كله من أن يقف على الحركات العلمية الحديثة والنظريات السياسية ، والتيارات الفكرية حتى يقرا * مذهب دارون " ويرد عليه
كم من الناس علموا أكثر مما علم ، وقرءوا أكثر
مما قرأ ، ورطنوا أكثر مما رطن ، ولكن لم يكن لأحد منهم شخصية كشخسبته . ذكاء متوقد ، وبصيرة نافدة ، وتوليد للافكار والمعاني من كل ما يقع تحت سمعه وبصره ، واستقصاء ، للفكرة حتى لايدع فيها قولا لقائل . " له سلطة على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها كان كل معنى قد خلق له . وله قوة في حل ما يفضل منها كأنه سلطان شديد البطش فنظرة منه تفكك عقدها . كل موضوع يلقي إليه يدخل للبحث فيه كانه صنع يديه فيأتي علي أطرافه ، ويحيط بجميع أكنافه ، ويكشف ستر الغموض عنه ، فيظهر المستور منه . وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها ، ثم له في باب الشعريات قدرة على الإختراع ، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع ، وله لسن في الجدل ، وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيها احد إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه .
أما أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفاته ، وله حلم عظيم يسع ما شاء الله ان يسع ، إلى ان يدنو منه احد ليمس شرفه او دينه ، فينقلب الحلم إلي غضب ، تنقض منه الشهب ، فيبيها هو حليم اواب ، إذا هو اسد وناب ، وهو كريم يبدل ما بيده ، قوي الاعتماد على الله ، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر
أما خلقه فهو يمثل لناظره عربيا محضا من اهالي الحرمين فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سكنة الحجاز .ريعة في طوله ، وسط في بنيته ، ثمحي في لونه ، عصبي دموي في مزاجه ، عظيم الراس في اعتدال ، عريض الجبهة في تناسب ، واسع العينين عظيم الأحداق ، ضخم الوجنات ، رحب الصدر ، جليل في النظر ، هش بش عند اللقاء قد وفاء الله من كمال خلقه ما ينطبق على كمال خلقه ) (١ )
فهم رسالته وما تتطلب من جهاد ، وما تقتضيه من أعباء ، فلم يرتبط بأسرة ولم يستعبده مال ، وعاش لأفكاره
ومبادئه ، تكفيه أكلة واحدة في اليوم كله ، وإن أفرط في الشاي والتدخين ، أعد نفسه للتنفي في كل لحظة ؛ فنافية لا يتعبه إلا شخصه . ملابسه على جسمه ، وكتبه في صدره ، وما يشغله في رأسه ، وآلامه في قلبه .
لقد طوف في فارس والهند والحجاز والأستانة ، وأقام فيها ، ولكن لعل أخصب زمنه ، وأنفع أيامه ، وأصلح غرسه ، ما كان في مصر مدة إقامته بها من أول محرم سنة ١٢٨٨ إلى سنة ١٢٩٦ ه ) مارس سنة ١٨٧١ - اغسطس سنة ١٨٧٩ ( . ثمان سنين كانت من خير السنين بركة على مصر ، وعلى العالم الشرقي ، لا بجمال مظهرها وحسن رونقها ، وسعادة أهلها ، ولكن لأنه فيها كان يدفن في الأرض بذورا تتهيأ في الخفاء لأنهاء ،وتستعد للظهور ثم الإزهار ، فما أتي بعدها من تعشق للحرية وجهاد في سبيلها فهذا أصلها ، وإن وجدت بجانبها هو عوامل أخرى ساعدت عليها وزادت في نموها .
لقد جرب " السيد " ان يبذر بذورا في فارس والآستانة فلم تنبت ثم جربها في مصر فأنبتت
كان من حسنات رياض باشا أن أعجب " بالسهد " وراي فيه عالما لامن جنس العلماء ، يعرف الدين وبعرف الدنيا ويجيد الفهم ويجيد القول ؛ فمكن له من البقاء في مصر وسعي عند الحكومة فقررت له عشرة جنيهات شهريا .
كانت هذه السنون الثمان من اشق السنين على مصر إذ كان حالها حال اسرة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، ولكن ربها اسرف فيها ينفق ، ولم يكتف بدخله الكثير فأنفق اضعاف ما كسب مما كان يستدين حتي إذا بلغ الغاية في الدين أخذ الدائنون يحجرون عليه ، ويتدخلون في شئونه ، وبشرفون على مصادره وموارده ولا يتركون له شيئا من حرية التصرف ؛ فإذا الأسرة بائسة بعد نعيم ، وشقية بعد سعادة ، وإذا هي مغلولة الأبدي والأرجل والأعناق تحاول الخلاص فلا تجده ، وتتلمس طريق الحرية فلا تهتدي إليه .
فقد توالت الفروض التي عقدها إسماعيل ناشا ، ففي
المدة الواقعة بين سنة ١٨٦٤ و سنة ١٨٧٥ بلغت الديون نحو خمسة وتسعين مليونا من الجنيهات ، فجاءت بعثة كيف caveسنه1875 لفحص مالية مصر واقترحت لضرورة اصلاحها إنشاء مصلحة للرقابة على ماليتها ، وان يخضع الخديوي لمشورتها ولا يعقد قرضا إلا بموافقتها
وأنشيء صندق الدين سنة ١٨٧٦ بتسلم المبالغ المخصصة للديون من المصالح المحلية فكانت حكومة اجنبية داخل الحكومة المصرية ، وانشيء نظام الرقابة الثنائية في هذه السنة أيضا وكان من مقتضاء أن يتولي الرقابة على المالية المصرية مراقبان احدهما إنجلزي لمراقبة الإيرادات العامة للحكومة ، والآخر فرنسي لمراقبة المصروفات ، وانشئت لجنة مختلعلة لادارة السكك الجديدية وميناء الإسكندرية ، وجاءت لجنة بتحقيق عليا أوروبية سنة ١٨٧٨ لمراعاة مصالح الدائنين الأجانب وتدبير المال اللازم لوفاء الأقساط المطلوبة لهم
وتطورت الرقابة الثنائية إلى تأليف وزارة مختلطة برئاسة توبار باشا يدخلها وزيران اوروبيان احدهما إنجليزي لوزارة المالية والأخر فرنسي لوزارة الأشغال(1)
ولإشك أن المال عصب الحياة ، فالمشرف عليه مشرف على كل شئ . فتوفير المال إسداد الديون يتطلب الإشراف على جميع الإدارات التي تغل المال ، وهذه الإدارات تحصل المال من الفلاح ، فلا بد أن يكون آمنا على ماله مهيأة له وسائل إصلاح زراعته ، يعامل بالعدل في تحصيل الضرائب منه . فلابد من الإشراف على هذه الشئون كلها من أجل المال وهكذا من اشرف على المال أشرف على كل شئ
كل هذا حدث مدة إقامة " جمال الدين " في مصر ، وكان من طبعه الانغاس في السياسة ، وتممي هذا الطبع نشأته في بيت حكم ، وانغماسه فيها أيام تنازع الأسرة المالكة في الأفنان ، فكانت هذه الأحداث المصرية حافزة له على أن يعيد ما بدأ به من الاشتغال بالسياسة ، وحافزة
للناس في مصر علي ان يجاوبوا حركته .
كان نشاطه التعليمي ذا شعبتين : دروس علمية منظمة ينقيها في بيته في " خان الخليل ودروس عملية يلقيها بين زواره في بيته وفي بيوت العظم حين يرد زيارتهم ، وفي " قهوة البوستة " بالقرب من " العتبة الخضراء " ، وحينما تيسر له في المجتمعات
فأما دروسه في بيته فكان يلقيها على طائفة من محاورى الأزهر وبعض علمائه امثال الشيخ عبد عبده ، والشيخ عبد الكريم سلمان ، والشيخ إبراهيم اللقاني ، والشيخ سعد زغلول ، والشيخ إبراهيم الهلباوي .
كان أكثر الكتب التي قرأها على هؤلاء وأمثالهم كتب منطق وفلسفة وتصوف وهيئة ، مثل كتاب الزوراء للدواني في التصوف ، وشرح القطب على الشمسية في المنطق ، والهداية والإشارات وحكمة العين وحكمة الإشراق في الفلسفة ، وتذكرة الطوسي في علم الهيئة القديمة ، وكتابا آخر في علم الهيئة الجديدة
هي كلها كتب فلسفة على نحو ما يتصور الفلاسفة القدماء وفي العصور الوسطى ؛ فكانوا يعدون المنطق مقدمة الفلسفة او مدخلها ، ومن فروعها الإلهيات والطبيعة والفلك والطب وما إلى ذلك
ويظهر لي هذه الكتب لم تكن لها قيمة في ذاتها فقد كان الشيخ حسن الطويل مثلا يقرأ بعض هذه الكتب في الأزهر ، وإنما كانت قيمتها في ان كل فصل من فصولها ، أو جملة من جملها كان تكأة يستند عليها الشيخ في شرح أفكاره وأرائه ، والتبسط في مناحي الفكر ، والتطبيق على الحياة الواقعة ، ونظرته إلى العالم كوحدة ، وإلى العلوم كوحدة ، مازجا التصوف بالفلسفة بالهيئة بغير ذلك . وهذا هو ما أقنع الشيخ محمد عبده من الشيخ وطمأن نفسه إذ قال : إنه " بعد حضوره في الأزهر سنين مل الدروس المعتادة وصارت نفسه تطلب شيئا جديدا ، وتميل إلى العلوم العقلية ، وكان الشيخ حسن الطويل
ممتازا في الأزهر بعلم المنطق فحضره عليه ولم يكن يشفي ما في نفسه ، بل كانت تنشوف دائما إلي علم غير موجود . وقرأ الشيخ حسن الطويل شيئا من الفلسفة ، ولكن لم يكن يجزم بأن المعنى كذا ، بل كان درسه احتمالات حتى جاء السيد جمال الدين فوجد عنده طلبته واقصي أمديته )
فهذه الكتب التي قرأها إنما قيمتها في نفس جمال الدين ، والدنيا تتلون بلون منظار الرائي ، والطبيعة كلها مفتوحة أمام أعين الناس كلهم ، ولكن لا يفهم منها إلي القليل
ما هذا الشئ الحديد الذي وجده " محمد عبده عند جمال الدين " فاطمأن إليه واهتدت نفسه ؟ هو ما عند جمال الدين من أصول كلية هي عماد الفلسفة يرجع إليها كل ما يقرأ من صفحات الكتب ، وهي الحكيم في صحة ما يصح ، وبظلان ما يبطل ، ثم شخصية قوية تجرم في الحكم ولا تتردد تردد الشيخ حسن الطويل ، ثم ربط جزئيات بها الحياة العلمية والعملية كلها برباط واحد بفتح النوافذ كلها بعضها على بعض حتي تتألف منها وحدة فالتصوف ، والفلسفة ، والدنيا العامة ، ودنيا الشخص ، هذه كلها لا يصح أن يكون كل منها حجرة مغلقة على نفسها بل لابد أن نتقابل وتتناغم وتؤلف دورا موسيقيا واحدا ، فإذا تم هذا صح نظر الإنسان وزال عنه كثير من الشك المؤلم والحيرة المضنية ، وبت فيما يففع وما يضر ، وما يعمل وما بدع ، ووضحت أمامه الأعلام ، واستنارت السبل . أما جملة تصح وجملة لا تصح ، ومؤلف أخطأ ومؤلف أصاب ، ومنطق في الكتاب ولا منطق في العمل ، ونظرية في التصوف ينقضها نظرية في الحكمة ، وأقوال في الزهد يسلم بها في حينها ، وأقوال في الحث على الانغماس في الحياة يسلم بها في حينها أيضا ، فهذه كلها نظرة البدائيين الذين لا يستطيعون أن ينظروا إلا إلي السطح دون الأعماق ، والأعراض دون الجوهر ، والأشكال دون الحقيقة
وفوق هذا كله كان بأخذ بيد تلاميذه فيرفعهم إلى مستوى بسيطرون فيه على الكتاب ولا يستعبدهم الكتاب ، ويسمون عن قيود الألفاظ والجمل إلي معرفة الحقيقة في
ذاتها ولو خالفت الألفاظ والجمل
وكانت طريقته في التدريس عكس طريقة الشيخ محمد عبده . كان جمال الدين يحدد موضوع الدرس فقط من الكتاب ثم يفيض في شرح الموضوع من عنده حتى يحيط من جميع اطرافه وبعد ذلك يقرأ نص الكتاب فإذا هو واضح ظاهر ، بين فيه موضع الخطأ والصواب . أما الشيخ محمد عبده فكان يقرأ النص أولا وبتفهمه ويفهمه ثم يفيض في التمايف عليه وفي بسط الموضوع من عنده .
هذه هي مدرسته النظامية في بيته ، أما مدرسته العملية فموعدنا بها للقال الآتي إن شاء الله
