الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 410الرجوع إلى "الثقافة"

السيد عبدالله النديم, بعد خمسين عاما من وفاته

Share

يجد الباحث في كل ثنية من ثنايا هذه السيرة مجالا قسيحا للبطولة الفذة والعبقرية النادرة والوطنية المتأججة والتضحية في سبيل الفكرة والواجب الوطني . وقد تعمدنا في هذه الكلمة سرد حياة الترجم دون ان نتكلم عن البيئة والوسط وحالة الثقافة والأدب ومرتبتهما في عصره .

هو عبد الله بن مصباح بن إبراهيم . وكان أبوه من بلدة الطبية بمديرية الشرقية - نح إلي الإسكندرية فاشترك في تأسيس مصنع لإبداد السفن ، ثم ولد له عبد الله في شهر ذي الحجة سنة ١٢٦١ ، وقد تعلم مبادئ القراءة والسكتابة وحفظ القرآن السكريم وأدخل معهد الإسكندرية الديني جامع الشيخ ابراهيم باشا - فدرس ما يدرس فيه من العلوم

الدينية واللغوية ، وانصرف للأدب ، وما لبث أن ذاع اسمه ، على أن طلب العيش الجله فتتعلم فن الإشارات البرقية والتحق تمكتب البرق بمحطة بنها ، فأعجب الرئيس الماء بمهارته ، ثم نقله إلي مكتب القصر العالي في عهد الخديو إسماعيل ، وتعرف بكثير بن من ادباء وشعراء عصر بساجلهم ويطارحهم ، واجتمع له من الزملاء والأصدقاء ، عدد كبير ، امثال محمود سامي البارودي باشا وحمود صفوت الساءي والشيخ أحمد وهيبي . ثم على أثر خلاف بينه وبين خليل أغا قضى بفصله من وظيفته ، فاشتقل بالتدريس لبعض أبناء الأعيان بمديرية الدقهلية ، ثم أسس حانوتا لبيع الخردوات ؛ ولفرط سخائه وبسط بدء اتلف رأس ماله ، فتقل إلي مدينة طنطا ، واستدعاء شاءين باشا كنج مفتش الوجه البحري وقويت اواصر الودة بينه وبين الباشا الذي كان بيته ملتقي الأدباء والكتاب ووجوه البلاد ، فاعترغوال بالفضل ، وعرض عليه التوتو محيى بك أن يجعله وكيلا له

على ضياءه فلم يرق له هذا العمل وعاد إلى الإسكندرية ، وكانت البلاد في اضطراب شديد ؟ وهنا انضم إلى جمعية ) مصر الفتاة ( واشتغل بالصحافة فلمع نجمه بين الكتاب واشترك في تأسيس جمعية خيرية إسلامية سنة ١٢٩٤ ه ، وهي آخر سني إسماعيل باشا في الحكم ، وتولى إدارة مدرستها . وبعد عزل إسماعيل باشا وجلوس توفيق باشا ادخل بعض الإسلامات على الجمعية وطلب إلي الخديوي زيارة مدرستها فأجاب دعوته وسر لنظام المدرسة وجعلها تحت رعاية ولي عهده عباس حلمي ، وأضاف له ولزملائه مهمة التدريس بالمدرسة البحرية ، وتقرر لها مبلغ مائتين وخمسين جنيها ) إعانة سنوية . وظل النديم يجهد نفسه ويعمل في الناحيتين التعليم والصحافة ، وقد وضع روايتين تمثيلين أولاهما دعاها ) الوطن وطالع التوفيق ( والثانية دعاها ) العرب ( مثلهما بعض طلابه في أحد مسارح الثغر بحضور الخديو واجازه على براعته وفنه . وقد ذاع صبيته بين الخاصة والعامة . ثم غادر الجمعية والتعليم وأصدر صحيفة ) التبكيت والتنكيت ( وأخرجها شعبية بحتة في لغة قومية ، ظهر العدد الأول منها في رجب عام ١٢٩٥ ه ، واستحدث أوزانا في شعر العامة وفي موشحاته ، واستهل العدد الأول يزجل هذا بعض ما جاء فيه :

ضحكت على عقولنا الخواجات  والدين مات والكل متهاون غفلان  عجب عجب حتى التخريف وصل الريف والخمرة تشرب ع الكيان  تلقى المسد قبل الإمساك شربوا الكنياك أنظر صيام من ذات سكران  باعوا الفدادين للأروام بالأوهام وأصبح الوطن غلبان  من بعد ما كان دواره قدام داره صبح يخالف باقى الضيفان  كان الخواجه خدامه في أيامه والآن جرعاته الخرفات واليه صبح باع الألماس في حب السكاس والبيت وساعته والقبطان  أما الأفندي بسلامته قول بإنتقامته صبح يصيح م الإخوان  وابن البلد د ما تساعتي  لما تمقي المقاء من البيرة عميان اسأل بنى جورجي  مش تسألني على الفلوس راحت اليونان  تلقى الفلوس أفي ايطاليا أوالمانيا والا فرانا  يانمان اللي يشوف   صرف اموالنا  في اهوالنا يقول   بلادنا مايستان كانت بلادنا زي الجنة وشنه ورنه صبحت لأهليها لومان  الحبس إن كان يملككم راح يهلككم ويصير العايم وحلان   اللى أوربي في دي الحرب ما يقلده في حب الأوطان

وهكذا كانت أزجاله كلها حثا على الأخلاق الفاضلة  واتباع أوامر الدين ، حتى أخذ وميض الثورة العرابية  يبدو ، فكانت له الخطب الملتهبة والأزجال الحماسية يحض  بها علي الثورة ، فكان خطيبها بلا نزاع . انقادت له الخاصة  والعامة معا وهو يلهب النفوس ويدعوها للانضمام إلي  صفوف الثوار ، وكان قد أصدر من صحيفته التبكيت والتنكيت ثمانية عشر عددا آخرها تاريخه ٢٣ ذي القعدة  سنة ١٢٩٥ فمطلها وانتقل إلي القاهرة فجعلها جذوة نار ، وأصدر صحيفة باسم ( الطائف ) واسترسل في جهاده  حتي  أطلق عليه ( خطيب المجاهدين ) يهرعون لسماع خطبه أينما  حل ، ويلتف حوله الجماهير حيثما سلك إلي أن واجه  المصريون الإنجليز وقويت نار الحرب بين الفريقين  بالاسكندرية في يوم الثلاثاء ، ٢٥ شعبان سنة ١٢٩٦ ، فسافر المترجم إليها وقضي ليلة مع بعض الضباط ثم لحق بعرابي باشا  بعد هزيمته بكفر الدوار ومضيا إلي التل الكبير ، وفي هذه  الفترة العصبية كان يوالى إصدار صحيفته (الطائف ) يكتب مواضيعها بالمعسكر إلي أن كانت الهزيمة الكبرى بالتل  الكبير ، فاتفق مع عرابى باشا وعلي الروبي باشا على العودة  لمصر ليكتبوا رسالة للخديو بالتماس العفو ، وفعلا حمل هو الرسالة وسافر بها في يوم الخميس ٣٠ شوال ، وما كاد يصل إلى كفر الدوار حتي أبلغ بنبأ دخول الجيش الإنجليزي  مصر والقبض على زعماء الثورة ، فعاد إلي القاهرة وبقي في  داره بالعشماي ، حتى إذا انصدع عمود الصبح خرج مع  أبيه وخادمه واستقلوا عربية إلي حي بولاق فودعه أبوه  واختفى هو وخادمه .

ظلت الحكومة تقتفي اثره وبئت العيون والأرصاد فلم  نظفر بنتيجة ، وجملت مبلغ الف جنيه لمن يقف على آثره ،  فلما اعجزها العثور عليه حكمت عليه بالنفي المؤبد وبقي مختفيا نحو تسعة اعوام متنقلا في البلاد والقري . واخير أقام بقرية الجميزة مركز السنطة وكان يتردد على القرية

رجل يدعي حسن الفرارجي وهو مفصول من الإدارة  السرية ، فأغراه مبلغ المكافأة ، إذ بصر به في ثياب التنكر ورجح أنه طلبة الحكومة ، فأبلغ الديوان الخديوي كما أبلغ الداخلية ، فنهض معه وكيل الحكمدار في ثياب التنكر  وكان يدعي محمد افندي فريد ومعه بعض الشرطة في زي  المزارعين . وأحيط بالدار ، ثم صعد رئيسهم على ربوة تشرف  على أفنية الدور بأسلحتهم النارية ، وبصروا به وهو يحاول أن يهبط على الدار المجاورة ، فأطلقوا بنادقهم في الهواء فعاد  فاقتحموا الباب فلم يجد بدا من استقبالهم فواجههم ، فسأله  رئيس الجند : من أنت ؟ قال : سبحان الله ! أتجهلني وأنت  موقد للقبض على ؟ أنا عبد الله النديم . فذهبوا به وكان يوم  ٢٩ صفر سنة ١٣٠٦ ، وكانت بين كتبه أوراق لو أخذت  معه لأصابه شر عظيم ، ولكنهم لم يفكروا في غير القبض عليه هو وخادمه ، ومضت أيام قلائل عليه في السجن ، فأصدر الخديو عفوه عنه ونفي إلي خارج القطر . فأما  الجاسوس الذي أبلغ عنه فقد حرم مبلغ المكافأة لمضي  الوقت . وسافر المترجم إلي يافا ثم نزل ضيفا على أحد مريديه  وهو المطرب المعروف في عهده السيد على أبي الواهب ، فأكرم وفادته ، ثم رحل إلي نابلس وإلى سبطيه وقليلا وطاف بالبلاد الفلسطينية حتى انتهت أيام الخديو توفيق باشا  وجلس على العرش ابنه الخديو عباس فعفا عنه وأباح له العودة إلي مصر ، وهنا أصدر مجلة ( الأستاذ ) في شهر صفر سنة ١٣١٠ فكان جنديا مخلصا للخديو ، أوقف قلمه  ومجلته لخدمة العرش ، فلقيت رواجا لم يكن لصحيفة قبلها ، حتى أحفظ الإنجليز عليه ومشي خصومه بالسعاية ، فعطلوا  مجلته وأمروه بالعودة إلي يافا بعد أن صرف له أربعمائة جنيه  ورتبوا له خمسة وعشرين جنيها في كل شهر على أن لا يكتب  كلمة بشأن مصر . على أنه لم يسلم من السعاية لدي السلطان عبد الحميد . ولكن النازى أحمد مختار باشا مهد له الهجرة  إلي دار الخلافة التركية فوظف يديوان المعارف برواتب

قدره خمسة وأربعون جنيها محيديا ، وبقي في منصبه حتى  اشتدت عليه علة السل ، فلقى ربه في ٤ من جمادي الاولى  سنة ١٣١٤ يوافق ١١ أكتوبر ١٨٩٦ . وكان من بين  المشيعين له السيد جمال الدين الأفغاني نزيل دار الخلافة . ودفن بمقبرة يحيى أفندي في بشكطاش

أما مؤلفانه فقد بددتها الأسفار المتواصلة ، حتى  كتابه " سلافة النديم " والأجزاء التي ظهرت من سلسلة  كتابه ( كان ويكون )وكتابه ( المسامير ) ومضي إلى رحمة مولاه من خمسين عاما . مات غريبا عن وطنه ، بعيدا  عن أهله . فهل يكون له في سجل الذكري صفحة جهاد  في وطن القاهرة الأوفياء ؟

اشترك في نشرتنا البريدية