الإنسان كبقية المخلوقات منهمك في صراع لا آخر له من أجل الحاجيات الضرورية للحياة ، لانه حيثما اتجه يلقي غريما ينازعه . فكثير من أنواع البكتيريا مثلا تستطيع ، على الرغم من تفاهتها وهي فرادي ، ان تقتله بمجرد تجمعها عليه . والمحصولات التي يعتمد عليها في إقامة أوده عرضة لأن ينقض عليها جيش جرار من الكائنات الحية التي تصارعها ، وقد يبيدها المرض او يخنقها نمو الأعشاب المتطفلة . وهناك أنواع من الحشرات لا حصر لها تناصب الإنسان العداء فيما يتصل بحياته وسعادته ، بعضها كالجراد والنمل الأبيض ، يلتهم المواد الغذائية ويخرب الممتلكات ؛ والبعض الآخر ، كالبعوض والقمل ، ترجع خطورته إلى
كونه ناقلا للأمراض . أما الفيران صغيرها وكبيرها ، والحشرات الخبيثة الأخرى ، فتلعب دورا خطيرا بطرق شبيهة بتلك . ومن ثم ظلت المشكلة القائمة منذ القدم ، مشكلة السيطرة على الآفات ، ولا تزال تنتظر الحل الحاسم الشافي .
وقد بعث تقدم الكيمياء قوة جديدة في سلاح من أقدم الأسلحة التي تذرع بها الإنسان لحماية نفسه ، ألا وهو الانتفاع بالسموم . ويرجع استنباط المواد السامة واستخدامها إلي اقدم العصور ، ومعظم ما كان منها معروفا للأقدمين يرجع إلي أصل طبيعي ويشمل مركبات الرصاص والزرنيخ وسم الآفاعي ومستخرجات من نباتات معينة كالشوكران . ونعلم كذلك من كتابات هومر أن اليونان استخدموا ثاني أكسيد الكربون للتبخير به ، لأن ابخرته تقتل الجراثيم .
وتحوي هذه القائمة كثيرا من السموم الفعالة لكن فائدتها لا تزال محدودة بسبب أن فعلها لا تمييز فيه ؛ فهي لا تميت الضحايا المقصودة بالذات فحسب ، بل تميت الانسان نفسه ، ولعلها به أحيانا أشد فتكا ، ومن ثم كان استخدامها محفوفا بالصعوبات الجسيمة والأخطار وقد خطا العلم خطوة عظيمة إلى الأمام في القرن التاسع عشر باكتشاف السموم النوعية اي التي يقتصر فعلها على نوع أو أنواع بالذات . وقد استطاع إرليخ الذي كان في طليعة العلماء المشتغلين بهذه المسائل أن يبين أن مركبات معينة مشتقة من الزرنيخ تقتل البكتيريا التي في جسم الانسان بغير أن تحدث في نفس الوقت لأنسجة جسم المريض من الأضرار ما لا سبيل إلي علاجه .
ثم تعثر التقدم العلمي فلم يكتشف من هذه المواد المميتة إلا القليل ، لكن سلطان الكيمياء وسيطرتها على الاَفات البكتيرية قد قويت في العقد الأخير إلي حد مدهش ؛ وذلك أولا باكتشاف العقاقير السلفوناميدية ذات الأثر الفعال ضد الاستقاو كركس (البكتيريا العنقودية) والاسترنيكوكس (البكتريا السبحية). ثم بما حدث أخيرا من اكتشاف البنيسلين الذي هو مادة نوعية ، إلى حد أن فعلها الشديد يقتصر على مقاومة نوع معين من البكتيريا بحيث لا يكاد يتعرض المريض المعالج بها لأي خطر ناجم عن إعطائه جرعة منها اكثر مما ينبغي .
ولا ترجع أهمية هذه الاكتشافات إلي استخداماتها المباشرة فحسب ، بل إلى أنها قد أثبتت بغير ادني احتمال للشك ان ميدان البحث عن السموم النوعية ) اي التي يصيب مفعولها كما قدمنا نوعا أو انواعا خاصة دون غيرها ( قد أخذ ينكشف عن نجاح الانسان فيه وقرب فوزه منه بثمرة كده ؛ وقد فتح هذا النوع من السموم مجالا جديدا للنشاط الكيماوي - مجالا بدأت تظهر الثمار فيه بالفعل . ومن الظواهر الممتعة أن بعض هذه السموم النوعية قد عثر عليه فيما يتصل بنباتات معينة ، وبدأ استخدامه بالفعل في الزراعة
لاستئصال الأعشاب الطفيلية ؛ ومن هذه المواد مادة تسمي الميثوكسون تحضر الأن متجربا ، لأن الاختبار قد أثبت لها نفعا عظيما في تنقية محاصيل الحبوب من الاعشاب الضارة دون أن تحدث أى أثر غير محمود في تلك المحاصيل .
ومن أمثلة السموم الطبيعية التي لها مفعول نوعي بالنسبة للحشرات اوراق البيرثوم (عود القرح) والدريات ، وقد أضيف إليها فى السنوات القليلة الماضية ما هو من يليها من بعض العقاقير التي لا توجد فى الطبيعة ، ولكن يصنعها الكيماويون مثل مادة D.D.T اختصارا لاسمها الكيماوي الذي هو Dichloro-diphenyl-dichloroethane)) وهي مواد على الرغم من انها لا تؤثر في الحيوانات اثرا يذكر ، لا تكاد تؤثر أيضا في أوراق الأشجار ، فإنها من أقوى ما عرف من مبيدات الحشرات
والكثرة الغالبة من السموم النوعية التي تم فحصها إلي الآن قد اكتشفت إما بطريق المصادفة وإما بطريق الفحص الطبي لآلاف من المركبات المختلفة رجاء العثور بينها إن عاجلا وإن آجلا علي ما ينفع للغرض المطلوب . وكلتا الطريقتين أشبه بالبحث في الظلام من شئ لا تدري اين هو. فلو أمكن الوصول إلي طريقة تكون أقرب إلي المنطق يستنثر بها في البحث لكان ذلك تقدما حقيقيا يعين على النمو السريع لهذا الفرع المهم من الكيمياء التطبيقية . ولما كان الوصول إلي طريقة كهذه غير ممكن إلا إذا فهمت الكيفية التي بها تؤثر تلك السموم النوعية وتسمم ما تسممه من الأنواع الحية ، فإن مما يبعث على الرضا أن الطريق إلي هذا الفهم قد أخذ ينفتح ، بعد أن ظهر ما يدل على أن بعض هذه السموم النوعية على الأقل يشبه في شكله وترتيب الذرات داخل جزيئه الكيماوي بعض المركبات المعروف أنها لازمة لتمثيل خلايا الجسم للغذاء المهضوم . اقترح بعض المشتغلين بهذا الباب تفسيرا لفعل تلك السموم أنها تحل في خلايا البدن محل المركبات الضرورية التي
تشبهها في الشكل الجزيئى ، كما يحل في قفل مفتاح دخيل محل مفتاح اصيل ليس بينهما من الشبه إلا ما يسمح بالحلول من غير أن يسمح بفتح القفل أو حتي بالخروج منه بعد تعذر الفتح به ، فينسد باب تمثيل الغذاء في الخلية بجزيئات السم النوعي ، كما يحول انسداد القفل بالمفتاح الدخيل دون انفتاح الباب . ويحدث التسمم نتيجة لتعطيل عملية التمثيل.
هذا التفسير لا يزال فرضيا إلي حد كبير ، لكنه على أي حال ابتداء يهيئ نقطة ارتكاز يرتكز إليها في معالجة الموضوع ومحاولة الوصول إلي الأصل أو الأصول التي يقوم عليها التأثير النوعي للسموم النوعية . وهي معالجة أو محاولة يرجى ازدياد التقدم فيها باطراد .
وسواء أكان التقدم سريعا أم بطيئا فإن اكتشاف السموم النوعية يبين بوضوح أننا نقترب بالتدريج من عصر يصبح فيه القضاء على الآفات أو السيطرة عليها بوسائل كيماوية أمرا عمليا . ويبدو للانسان في أول وهلة أن المستقبل محفوف بالبهجة والغبطة ، فهو يتصور الغيطان والحدائق قد استؤصلت منها الأعشاب الضارة ، وأماكن خزن الحبوب قد خلت من الحيوانات التي تقرضها ، وكل مرض ناشئ من البكتريا قد صارت له مادة كيماوية مناسبة تبطل فعله . لكن الحذر مع ذلك يقضي علينا أن نحترس مما قد يكون مخبأ لنا في الطريق من أخطار . فالإنسان في هذا الكون يعيش في نظام معقد يحوي كائنات متفاعلة تقوم بينها جميعا حالة شبيهة أو قريبة من الإتزان الديناميكي . وفي قبضة الإنسان في الوقت الحاضر الوسائل التي بها يسيطر على عدد من العوامل المؤثرة في هذا النظام سيطرة تغير منه تغييرات أساسية . وهو يحس بطبيعة الحال بدافع نفس يغريه باستخدام هذه الوسائل في الحال فيما يعتقد أنه يؤدي إلى مصلحته . على أنه مع التسليم بأن النتائج المباشرة لمثل هذه السيطرة قد تكون في مصلحة بني البشر ، فإن ما لديهم من بعد النظر لايزال
محدودا إلى درجة تجلعنا لا نقوى على الجزم بأن الاَثار التى سينتهى إليها تصرفه ستكون في المصلحة . وعلى العكس من ذلك ، من السهل علينا ان نتصور أن القضاء على اَفة قد يؤدي إلي انتشار اَفة أخري كانت الآفة الأولى تسطو عليها فتمنعها من الظهور
فالتدخل فيما تحدثه الطبيعة الطبيعة من موازنة لا بد أن يكون محفوفا بشئ من الخطر الكبير أو الصغير . ولا يحتاج الأمر لخيال بارع لتصور نتائج القضاء على البكتريا التي تمد الأرض بالأزوت مثلا ؛ وقد لا يكون من المحتمل حدوث مثل هذه الطامة الكبرى ، لكن حدوث شئ من نوعها وإن كان أصغر منها يصح أن يسبب قلقا شديدا . ولا يجوز أن تسقط من حسابنا احتمال حدوثها إذا كانت السيطرة الكيماوية على الأفات ستطبق بغير الحذر والحكمة الضروريين ، وبدون إجراء مباحث تمهيدية ، هذه الاستنتاجات العامة يراها الإنسان بطبيعة الحال بديهية عندما يفكر فيها ، لكن للأسف ليس هناك ما يدل علي أنها تدرس دراسة جدية ؟ ويبدو من المحتمل أن استخدام السموم النوعية في المستقبل قد يكون له من الأثر في تغيير وجه الطبيعة الحية أكثر مما كان يحدثه فيما مضي تطبيق المعلومات العلمية ، وإذا كانت الاكتشافات ذات القدرة العظيمة على إنتاج الخير تتحول بسبب العجلة وقلة التدبر أو سوء الاستعمال إلي أداة تجر الوبال والشر على البشر ، فإن هذه تكون مأساة مؤلة حقا
وإذا كان هذا الكلام يقال بشأن الأمم الأوربية التى لا يفتك بها من الميكروبات والجراثيم كالذي يفتك بنا ، والتي متوسط مستوي الحياة العامة فيها أرفع منه عندنا بحيث ينال الفرد من الغداء والكساء ما يحميه ويقويه على المقاومة ، فكيف بنا نحن وحالتنا هي ما هي ، وحالة ارضنا الزراعية قد اصبحت من حيث فتك الآفات الزراعية بها تنذر بخطر ونيل إن لم يتدارك أمرها ؟ .
