كلما طالعنا صحف التاريخ تبينا أن الحياة على ركوب البحار والصمود لأهوالها خلق تمتاز به الأمم العتية الصاعدة في مدارج السيادة والسلطان ، فإذا ضعف أمر الأمة ووهنت عزائم أهلها كان من مظاهر هذا الضعف الخوف من البحار والعجز عن ركوب متونها . ولا يشذ العرب عن تلك القاعدة ، فقد ركبوا البحار في أول أمرهم في جرأة تدفع إلي العجب على الرغم من حداثة عهدهم بها ، بل هم سجلوا لأنفسهم خلال القرن الأول انتصارات بحرية مجيدة على الروم سادة البحار إذ ذاك . فلما ضعف أمر العرب ودب الانحلال في كيان مجتمعهم اقترن هذا بالخوف من ركوب البحر ، فأدى هذا إلى فقدانهم السيطرة على حوض البحر الأبيض خلال النصف الأول من القرن الخامس الهجري .. وكتب الرحلات فياضة بهذا الخوف
من البحر والرعب من أمواهه . ومن ألطف ما يعبر لنا عن روح الضعف هذه هذان البيتان الطريفان للمقرمي يعلل فيهما سبب خوف الإنسان من ركوب البحار :
البحر صعب المرام جدا لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طين فما عسي سيرنا عليه

