الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 42 الرجوع إلى "الثقافة"

السينما فى خدمة العلم

Share

لقد فتحت السينما هبوننا على ميادين جديدة ، عجيبة بما فيها من مخلوقات دقيقة ، ومدهشة بما فيها من محتويات لم يكن ليتسنى لنا معرفتها أو رؤيتها بالعين المجردة ، فإن جماعة من العلماء والباحثين الممتازين بتجاربهم الجريئة في بعض ممالك العالم المتقدمة في العلم والحضارة ، استخدموا السينما في تصوير نتائج أبحاثهم وتجاربهم ، فكانت النتيجة أن قدموا للعالم مجموعة من الأفلام العلمية المدهشة التي

كشفت القناع عن الكثير من حقائق الحياة وأسرارها الغامضة . ذلك لأنهم استعانوا بالميكرسكوب وبالأشعة دون الحمراء ، وكذا بالأشعة فوق البنفسجية وأشعة اكس ، في تصوير هذه الأفلام ، فأظهروا بالسينما ما لم تكن تراه العين بدون هذه الوسائل ؛ كما انهم كبروا الذرات الدقيقة ملايين المرات فبدت واضحة جلية مثيرة لكل دهشة وإعجاب . وهكذا اتاحوا الفرصة لمن يهمهم الامر لان يشاهدوا هذه الحقائق العجيبة وان يدرسوها او يزيدوا معارفهم عنها ، فكان السينما غزت ميادين الحياة الخفية التي لم تك نعرف

عنها شيئا بحواسنا العادية ، وقدمت لنا اسرار تلك الميادين بشكل واضح ظاهر .

ولكى تعطى القراء فكرة سريعة عما أمكن كشفه من اسرار الحياة نقول إنه عندما كبر رأس العنكبوت بواسطة الميكرسكوب ثم صور بالسينما اتضح بجلاء أن له عينا ذات أربع فتحات ، ولما روقبت حركة النبات المعروف باسم " عش الغراب " ، لوحظ انه يتغذي على ديدان دقيقة للغاية لا تراها العين المجردة ، ولوحظ ايضا ان جذور هذا النبات تنتهي بفتحة تلتقط بها الديدان المذكورة ، ثم تدخلها إلي جوفها وتهضمها . افليس عجيبا إذا ان نري

هذه العملية وهي تنكشف أمامنا على ستار السينما بكل جلاء ووضوح ؟ لقد ادت السينما من هذه الناحية خدمات علمية جليلة ؟ وليس من المبالغة في شئ ان نقول إن فن الطيران تقدم كثيرا ووصل إلي ما وصل إليه بفضل السينما ، بعد ان صورت حركات الطيور واجنحتها في اثناء الطيران والدوران والهبوط والارتفاع ، فطبقت حركاتها على الطيران الآلي وأسفرت عن النتائج المدهشة التي وصل إليها هذا الفن العظيم . إن الأفلام العلمية تجد في أوربا وأمريكا اهتماما

شديدا من الناس ، ويكاد هذا الاهتمام يفوق اهتمام الناس بالروايات التمثيلية الرائعة المواضيع ، المحبوكة الاخراج والتمثيل ، ذلك لأن الناس يحبون رؤية العجائب والمسائل الغريبة ، وهذه متوفرة في الأفلام العلمية التي تقدم لنا أمورا غير عادية لنا في حياتنا اليومية ، لأنها في الواقع امور تكاد تكون سحرية ، ولو انها حقيقية بلا ادني نزاع .

ومع ما يبديه الجمهور من اهتمام بهذا النوع من الأفلام فان عددها قليل بالنسبة للأفلام الروائية ، والسبب في ذلك يرجع إلي أن الميادين العلمية التي تغزوها السينما محدودة ، فهي لا تتعدي المسائل الفلكية وأسرار السماء وما فيها من كواكب ونجوم ، ومسائل الكيمياء الصناعية وجراحة الطب ، وعلم النفس وتجاربة الدهشة ، وعلم الحيوان والنبات وما إليها .

وفضلا عن ذلك فإن إيراد الفيلم العلمي لا يغطي مصاريفة ، فقديما ، قبل ظهور السينما المتكلمة ، كانت المسألة لا تتعدى ثمن الفيلم واجرة التصوير ومصاريف التجربة العلمية ؛ أما الآن وقد تكلمت السينما ، فالفيلم العلمي يجب ان يكون مصحوبا بصوت المتكلم الذي يشرح

الموضوع الذي تصوره السينما ، أو بقطعة موسيقية متمشية مع المنظر ، وهذا يزيد في تكاليف إخراج الفيلم كما هو واضح .

ومن الوجهة التجارية فان دور السينما عادة لا تدفع ثمنا مغريا للفيلم العلمي الذي يزيد طوله عادة عن ٣٠٠ متر ، لأنه يخشى أن يمل الجمهور مشاهدة مسائل علمية بحتة لو أطيل الفيلم عن ذلك ، ولو ان تحديد طول الفيلم العلمي بهذا المقدار من الامتار يقلل في الواقع من اهميته ، لأنه لا يمكن تصوير تفاصيل الحقائق العلمية في مثل هذا القدر المحدود من الأمتار ، فكان الفيلم العلمي رغم نجاحه الظاهر ، لا يزال ناقصا ولا يزال في حاجة إلي تعديل حاله ، حتي لا يقتصر استخدامه علي مدرجات الجامعات والمدارس ، بل يتعداها إلي دور السينما العمومية ، حيث يستخدم حاليا كفيلم تكميلى فقط وليس كفيلم أساسي ، فهو يعرض عادة مع رواية طويلة لتكملة البرنامج ، وإطالة مدته لوقت معين .

ولعل المؤتمر الدولي للأفلام العلمية الذي يقام سنويا في باريس يضاعف جهوده في سبيل الوصول بالفيلم العلمي إلى المكانة الجديرة به والمناسبة لأهمية المواضيع التي يعالجها .

وبهذه المناسبة تذكر أن هذا المؤتمر اقيم اخيرا بباريس قبيل الحرب الحاضرة وعرض به ٥٠ فيلما من انتاج فرنسا وانجلترا وأمريكا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرازيل والأرجنتين والروسيا وغيرها من البلاد التي يهتم فيها العلماء بتصوير ابحاثهم ونتائجها بالسينما . وقد دام هذا المؤتمر ثلاثة أيام ، وكان من اهم قراراته الاعتماد على السينما في المعامل الكيمياوية بحيث تصبح من ضمن أدوات المعامل الرئيسية كالميكرسكوب والترمومتر . ولا شك أن دخول " الكاميرا " في العامل سيزيد في أهمية السينما العلمية نظرا لما يمكن ان تقدمه لنا من عجائب ومدهشات في الأفلام القادمة باذن الله .

اشترك في نشرتنا البريدية