السينما كالصحافة تجد من واجبها أن تسجل الأحداث التي تقع على النحو الذي تراه كفيلاً بفائدتها، وأصحاب الشأن في عالم السينما يرقبون الحوادث الجارية ويأخذون منها ما ينفعهم، فإذا وقع حادث فذ في الأوساط الاجتماعية أو الفنية أو الاقتصادية أو غير ذلك فإنهم يسرعون بتسجيله ويسرع الجمهور بالإقبال عليه.
والحروب بلا ريب أعظم الحوادث التي تقع وأوسعها مدى وأقواها أثراً، ولهذا فإن السينما تسجل أحداثها وتستغل وقائعها أعظم استغلال. ومن رأي (كل شيء هادئ في الميدان الغربي) يعرف إلى أي مدى تفيد السينما من الحروب. ولقد رأينا كيف كانت السينما إبان الحرب الكبرى وسيلة فعالة من وسائل الدعاية. وقد استغلها الحلفاء في تصوير أعدائهم أقبح تصوير وأفادوا من
ذلك كثيراً، والى جانب هذا الاستغلال فإن السينما كانت وسيلة من وسائل التسرية عن الجنود في الميادين؛ وقام شارلي شابلن ملك المضحكين بنصيب وافر من هذا الواجب وقابل الجنود رصاص العدو وفي أفواههم بسمات استطاع شارلي أن يطبعها على شفاههم رغم الموت
وفي الأعوام الأخيرة شغلت الحرب أذهان الجماهير، ومن ثم بدأت مدينة السينما في إخراج روايات عن الحرب، وحينئذ واجهتها مصاعب كثيرة، فالوقت سلم وتصوير الحروب واصطراع المبادئ قد يرضي قوماً لكنه يغضب آخرين، ومعنى ذلك أن الرواية السينمائية التي ترضي الجبهة الديمقراطية تغضب حتماً الجبهة الفاشية أو النازية. والنتيجة أن الرواية السينمائية تخسر ميادين تباع فيها، وهذا ما حدث لرواية (كل شيء هادئ في الميدان الغربي) التي تناهض فكرة الحروب. فقد قوطعت ومنعت في البلاد التي تعيش على فكرة الحرب وتنشئ أبناءها جنوداً منذ طفولتهم. وكانت ألمانيا أشد البلاد حرباً لها رغم أن مؤلفها ألماني!
بيد أن مدينة السينما وجدت حلاً للمشكلة، ومن رأى روايتي (حصار) و (آخر قطار من مدريد) عرف كيف وفقت إلى هذا الحل العجيب. وسبيل ذلك أن وقفت الرواية نفسها على الحياد لا هي مع هؤلاء ولا هي مع هؤلاء، إنما هي مجرد استغلال لحوادث الحروب، مثل (آخر قطار من مدريد) التي طبقت عليها هذه الفكرة أتم تطبيق فكانت سلسلة من الحوادث الغريبة والوقائع المثيرة التي لا تقع إلا في الحروب. وأما (حصار) فكانت مناهضة لفكرة الحرب من الوجهة الإنسانية المحضة في الميدان الأسباني حيث يقتل الأخ أخاه واحتاطت الشركة التي أخرجت الرواية فلم تدع الملابس تميز الفريقين بعضهما عن بعض إلا بقدر يسير وكل ما رمت إليه هو استصراخ الضمير الإنساني أن يقف هذه المجازر البشرية
واليوم، والعالم يخوض غمار حرب ضروس، فإن السينما لن تتوانى عن القيام بواجبها. ويقيننا أنها ستكون وسيلة فعالة من وسائل الدعاية، وكذلك من وسائل التسلية والترفيه عن المقاتلين وغير المقاتلين في هذه الأيام العصيبة التي يجتازها العالم

