الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الشابى الغريب ....

Share

عاش ابو القاسم الشابى عيشتين اثنتين : فى اولاهما قضى حياته مجهولا فى وسطه ، مبهم الشخصية لا يفهمة - او لا يقوى على فهمه - الاقل من افراد بيئيته  الادبية قد يجد في مراسلتهم او ملا قاتهم بعض العزاء والتسلية عما هو فيه من شعور بالغربة الروحية ، وعما هو فيه من احساس بالجدب الادبي المميت ، اما حياته الثانية التى يعيشها الشابى بيننا ارى ابا القاسم فى وسطه مبهم الشخصية مجهولا  لا يفهمه - او لا يقوى على فهمه - الا قلة من اصدقاء الشابي وطائفة من الادباء التونسيين الذين- لا اقول انهم مشغولون عن الشابى بل هم فى نظرى على الاقل لم يوفوا بعهدهم الى الشابى الوفاء الاتم الاكمل اننا لا نغالى فى شىء اذا ذهبنا الى ان شاعرنا الراحل لا يزال بيننا مجهول المكانة ، ميخ القيمة ، لا يكاد المتادبون في تصويرهم لشخصيته يتعدون هذه الانباء او تلك مما تتناقله الالسن حيال حياة الشابى وحيال تقدير المشارقة والمهاجرة لهذا الانتاج الفذ الذى خلفه وراءه تركة اصاب منها الغرباء وما كان للاقرباء منها نصيب . .  .

اننا نعني بما قدمنا ان الناشئة التونسية في قحط ادبى قاتل ، تتلهف ومن اين لها الرواء . . تتطلع ومن اين لها الهدوء والاستكانة . . انها تسمع عن الشابي . وتعجب بالشابي . . ولعلها تعجب بالشابى ، وتكبر الشابي اعجابا واكبارا قوامه ايحاء المكانة التى حصل عليها الشابى او انتاجه فى نفوس اعلام الادب الغربي المهجري ، او انها تكبره من خلال اعجابهم بالمعاني المتداولة على لسان الشعب عندما يزأر الشعب وينشد : اذا الشعب يوما اراد الحياة . . .

ان الناشئة ورواد الادب بتونس قد تكون لهم صورة او فكرة عن الشابى غير التي ينبغى ان تكون وانه لمما يؤسف له حقا ان انتاجا ادبيا تونسيا لم يكتب عنه حتى الان الا بما نعده مسايرة او محاكاة لآراء ووجهات المعجبين بانتاج الشابي من مهجريين ومشارقة : وانه لمما يؤسف ايضا ان يتعرف الشباب التونسي على اعظم شاعر تونسي - على ما ارى من خلال ما حبر عن الشابي من مقالات

وتراجم لا تفى بحقوق الشابى علينا من جهة - ومن اخرى لا نرى فى تلك المقالات والمحبرات الا تحريرا يراد به اكبار الشابي واجلال شخصيته الادبية تمشيا مع التيار الدعائي وذيوع الصيت الذي ناله الشابى نفسه فى الافاق البعيدة من دنيا الأدب العربى- ولكم يحز في نفس كل تونسى ان يقال له : ان الشابي ما كان ليقدر ، وما كان له ليحتل هذه المنزلة الهامة والمبهمة بيننا لو لم يتغرب انتاجه ولو لم يكتب ولو لم يعرف لنا الشابى غير التونسيين .

اننا والحق يقال المجحفون بحقوق الشابي علينا كتونسيين اوكل الينا الشاعر الفقيد رسالة ادبية ما كنا لنرى حتى الآن احد الاكفاء ياخذ على نفسه او تلزم عليه نفسه ان يمضى بها الى الغاية المرجوة . . . اننا لم نر لمدرسة الشابي احفادا قادرين على تفهم وافهام دعائمها الراسية . ان الشابى بهذا المعنى غريب . . غريب كغربته فى حياته الاولى . . انه فى حاجة الى المنصفين العادلين من ذوى المواهب والكفاءات الحقة . . انه ينتظر منا الانصاف . . وانصافه لا يكون - كما يتراءى لبعضهم في احياء ذكراه او ترتيل نجواه - بل انصافه على ما نرى ، فى وعى رسالته وخدمة ما خلده لنا ، او ما خلدنا به من تراث ادبي لا نزال نعده فريدا من نوعه - او نخاله كذلك - وان كنا نرى زاهدين فيه معرضين عنه ، غير خادمين له ، وغير مقدرين لمسؤولياتنا حيال رعايته واشادته - ان روح الشابي لا تنتظر منا  احياء تراثه بتحرير الخواطر المرتجلة ، وبنشر المقالات العابرة فى ما يتصل بمنظومه او منثوره ، بل تنتظر منا الانصاف البين فى ان يكتب عن الشابي ما قد يكون في مستوى عظمة انتاجه ، ان يدرس الشابي دراسة تليق بمكانته الشعر وتليق ايضا بعمق انتاجه الفكرى ، ان روح الشابي ينتظر اليوم الذى ينصف فيه انصافا عادلا بان يبعث من ابناء جلدته بحاثة تونسي تقوى مؤهلاته الفطرية والمكتسبة على ان يجلو لنا هذه الشخصية الشابية التى تعد فى عرف الدراسات الادبية المعاصرة لغزا نتطلع له الحل الموفق وزوال الغموض ؛ واننا لنود مخلصين ان لو كان هذا الباحثة المنتظر ممن يفيد ابا القاسم بقدر ما يستفيد هو منه على الاقل ، اننا نود من هذا البحاثة القدير ان يكون ممن تعززه مواهبه وكفاءاته لاينصف الشابى لا فى افادته دعائيا اذ هو يفيد دعائيا من تنقصه الدعاية - بل فى اعطاء شاعرنا الفحل حقه من الدرس المركز والبحث المجدى المفيد على غرار ما فعل طه حسين في موقفه من ابى العلا ، وعلى نحو ما كتبه العقاد حيال ابن الرومى ، وعلى شاكلة

ما الفه فرويد فى تحليله لشخصية " دافيتشى " . وفى لغة اخرى اننا نريد اديبا فى مستوى الشابى يكمل او على الاقل يوضح رسالة الشابى الادبية حتى لا يكون الادب العربى بتونس ماضيه خير من حاضره

اما بعد . . ماذا عسانى ان اكتبه عن شخصية الشابى فى هذه العجالة . انثى ارى في الشابى شخصية انطوائية قدت من العالم الذاتى عالما لها بديلا لها عن عالم الناس وما في عالم الناس من تجهم وعقوق واعوجاج . ان الشابى من خلال شعره - قد لاقى حقا اجحافا مرا وتجنيا امر ، غير انى ارى الشابى ان كان بدين الى شىء في ما وفق اليه من انتاج ادبى رفيع فانه يدين الى اولائك الذين ادوه او عارضوه . . الى اولائك الذين سخروا منه وابقوه فى ما يمكن ان نسميه بالتأزم النفسى الموصول - فالازمات النفسية هى قوام الخلق الفنى والابداع على العموم فهي التي تكهرب النفوس بان تجعلها تتلقى خطرات الالهام . . وهى بالتالى هى التى جعلت من الشابى او اشتقت من كيانه هذا المبدع الملهم وهذا الشاعر الفريد ، هى التى دفعت به الى مناشدة الارتياح وملاحقة التنفيس - عما يلاقيه من الوسط الانسانى . فى شدوه الشعر والتسلى بانغامه

فالشعر في نظر الشابى نشاط اعلائى يتم له به شىء من الترويح . . والشعر عند الشابى تأمل وتعبير . . احساس وتفكير . . ان هذه الحساسية . . وهذه النفس الرقيقة التى يعلل بها الشابى شقاءه وتعاسته ليست هى الا وليدة اصطدامه بالواقع المر الذى ينعته الشابى بالجمود والتحجر . . ان الشابي فى نفسيته المتشائمة . . في شعره الكئيب الحزين . . فى انتاجه الادبى الذى نعده اصدق مترجم عن شخصيته لو بعث له لقن ماهر مؤتمن على تحليله ومقتدر على فك رمزيته لانجلت لنا نفسيته ولا تضحت باكثر مما يرتاح اليه محبوه وعشاق تراثه . . ان الشابى فى هذه الطبيعة المتدفقة والسجية الموفقة ، فى هذه الدفعات المركزة ، في هذه الخطرات المتزنة فى عربدة الموسيقى الشعرية ، فى هاتيك الاناشيد العلوية ليصور لنا الوجود فى الوان من الرؤى الجميلة التى يستعذبها الاديب الحصيف حتى ولو كان فى وقوفه عليها شئ من المرارة والاسى ، يستعذبها حقا كما كان الشابى نفسه يروح بها على وجدانه القاتم ، ان ابا القاسم فى ما ادلهم عليه من ظروف وصدمات كان يروح عن نفسة - ولا شك - بتلك النجوى

والاحلام الشعرية التى هى فى الواقع ضرب من الحلم الواعي اليقظ الذى يشتقه الشاعر من نشاطه النفسى الذاتى تعويضا له عما يصبو له من عصى الامانى . . وترفها له مما يشعر به من جفاء العيش واخفاق المصير .

لقد وجد الشابى في هذا التلهى بالانشاء كفايته من الراحة وانه لمن الخطإ الشائع ان يقال عن الشابى انه شاعر قضى حياته يمشى على الشوك ويقتات القتاد ويفترش النكد والاسى ، اننى وان كنت اومن بشقاء الشابى وعنائه فاننى اومن ايضا انه كان بما يكتب ويقرض قرير العين رضي النفس ، انه ولا شك كان منتشيا هنيئا فى اعقاب خلقه وتفننه ، انه يصف لك أساه وفى وصفه هذا منفرج واى منفرج ، يصور لك اتراحه وفى تصويره وافصاحه كل السلوى وكل البشرى وبهذا المعنى يمكن القول بان أبا القاسم هنئ بشقائه سعيد بتعاسته باعتبار ما له من مقدرة على توليد المرح من الترح ، وباعتبار ما له من باع فى مضمار اعلاء الغرائز وصرف طاقتها فى متعالى السبل والى متسامى المثل .

ومن النقاد من يذهب الى ان الشابى كان طيلة حياته قاليا للناس ساخطا عليهم ، متبرما بسخفهم متجهما لمنطقهم المعوج ، غير انى اذهب الى ان فى سخطه هذا قدرا كبيرا من الرحمة ، وفى تبرمه ذلك شيئا من التعلق ، وفى تجهمه كذلك كثيرا من الاشفاق والحسرة والتودد.

فهو على ما أراه في انسانيته المتدفقة يهيب بابناء قومه التى مجانبة مهاوي السخف ومزالق الجمود وترهات التقليد ، فهو اذن يحب قومه ، ومن فرط حبه له كال على راسه وعدد الى سمعه النقد والمآخذ . انه اذن يقسو من شفقة ويجفو عن تحنان ، انه ولي وفى عندما يصافحك رأيه العتى القائل : ايها الشعب ليتني كنت حطابا فأهوي على الجذوع بفأسي . .

اشترك في نشرتنا البريدية