الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 628الرجوع إلى "الثقافة"

الشاعر الرمادى متنبى الغرب, الشاعر الرمادي متنبي الغرب

Share

لتطمئن قلوب القراء الكرام ولتهدا نفوسهم ولتستقر عواطفهم ، فلست بالشاعر الرمادى ، وليس أبي بالشاعر الرمادي كذلك ، وإن كنا شعراء فيما مضي من الأزمان . إنما اعنى بالشاعر الرمادى شاعر آخر كان معاصرا لأبي الطيب المتنبي ، وأطلق عليه متنبي الغرب . وقد قيل ) فتح الشعر بكندة وختم بكندة ، وجنون امرا القيس والمتنبي والرمادي هذا ( . وكان مقلا ضيق العيش فيما يقولون : ونسب إليه بعضهم أشعارا في دولة الخلافة أوغرت صدر الخليفة عليه فسجنه زمانا طويلا ، ونظم في السجن عدة قصائد استعطف بها الخليفة فلم يعطف عليه ولم يرق له قطارت نفسه شعاعا وانسكبت روحه في شعر يستدر مذارف الدموع ويقطع نياط القلوب

وكنت قد كتبت فصلا عن هذا الشاعر في جريدة المصري منذ مدة ، فوصلتني رسائل كثيرة من أدباء كثيرين ، يريدون أن يعرفوا شيئا عنه يروي غلتهم وينفع صداهم . ويؤثرون أن أ كتب هذا الفصل في إحدي المجلات الثقافية التى أكتب فيها ، فأحببت بدوري أن أوثر بهذا الفصل مجلة الثقافة الغراء .

وقد جاء في مطمح الأنفس ومسرح التأنس " طبعة القسطنطينية ( أن الشاعر الرمادي شاعري مقلق ، انفرج له باب الصناعة المغلق . وومض له برقها المؤتلق . وسال بها طبعه كالما المتدفق فاجمع على تفضيله المختلف والمتفق ، فتارة يحزن وتارة يسهل ، وفي كلتيهما بالبديع يعل وينهل ، فاشتهر عند الخاصة والعامة بانطباعه في الفريقين ، وإبداعه في الطريقين ، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين ، وعلى الصناعة متغايرين ، وكلاهما من كندة ، وما منهما إلا من اقتدح في الإحساس وما قصر في إحساس ، ولا جاز بينهما فيصل أبان . .

وتقول دائرة المعارف الإسلامية : إن اسمه الكامل هو أبو عمر الرمادى وليس بأبي عمرو ، وهو شاعري الأندلس ، ومات في القرن الخامس حوالى عام ٤٠٣ ه . ومنشأ الرمادي إما يكون قد جاء من الرمادة وهي مدينة في الأندلس ، وربما نسب إلى الرماد لأنه كان يتاجر في الرماد ، وإما لأن العرب كانت تكني بقولها ) كثير الرماد ( عن الكرم والجود .

ولقد قضى الرمادي حياته في مدينة قرطبة ، اللهم إلا بضعة شهور قضاها منفيا في سراجوته ، وتاثرت حياته بعوامل ثلاثة : أولها اتصاله بأبي على القالي مؤلف الأمالي ، والخطيب أبي الحسن المشقي واتصاله بمحبوبته خولة . وقد رحل أبو على القالي من الشرق إلى الأندلس في عهد الخليفة الناصر ، فحظى منه الرمادى بندوة جميلة كما حظى منه الناصر بادب جم وحس مرهف وطبع مصقول ، وقرأ معه كتاب النوادر الذي كثيرا ما يتعرض لفقه اللغة وغير فقه اللغة من علوم العربية

وقد درس الرمادي كذلك على يد عالم أندلسي هو أبو بكر يحيي الكفيف . وقد عاش الرمادي مدة طويلة من حياته في قرطبة ، وكانت قرطبة كما جاء في نفح الطيب من أشهر مدن الأندلس ، أعادها الله للاسلام وبها الجامع المشهور والقنطرة المعروفة بالجسر ، وكانت في الدولة المروانية قبة الإسلام ومجتمع أعلام الأنام . بها استقر سرير الخلافة المروانية وفيها تمخضت القبائل المعدية واليمانية ، وإليها كانت الرحلة في الرواية وهي من الأندلس بمثابة الرأس من الجسد ، ونهرها من أحسن الأنهار ، مكتنف بديباج المروج مطرز بالأزهار ، تصدع في جنباته الأطيار وتنعر النواعير ويبسم النوار

وفي وسط هذه البيئة الجميلة عاش الشاعر الرمادي فترة طويلة من عمره ، فأثرت في نفسه كل تأثير . وكان بطبعه يحب المرح واللذة ، أسمعه يقول

أدر الكأس يا نصير وهات

إن هذا النهار من حسناتي

بأبي غرة تري الشخص فيها

في صفاة أصفي من المرأة

تبصر الناس حولها في ازدحام

كازدحام  الحجيح في عرفات

هاتها يا نصير إنا اجتمعنا

غلوب في الدين مختلفات

فإذا ما انقضت ديانة، اللهـ

و اعتمدنا مواضع الصلوات

لو مضي الوقت دون راح وقصف

لعددنا هذا من السيئات

وهكذا كان الشاعر الرمادي في هذه الآبيات شاعر اللذة والبهجة ، ورجلا من أتباع الذهب الأيفوري لا يعني إلا بلذته العاجلة وسعادته المواتية ، وقد كان هذا طبع أبي نواس الشاعر المعروف ، كما كان هذا طبع كثير من الشعراء في أوربا وأمريكا في العصور القديمة حتى العصر الحديث . . وقد كان هذا طبع شعراء الخمر كذلك . وقد قال الجاحظ في حلية الكيت ص ١٤ : ) إن النبيذ إذا تمشى في عظامك ودب في أجرامك منحك الصدق الحسن ، وسد منك باب الغم ، وحسم عنك خاطر الغم ( .

وقال الكاتب الصيني لن يوتنج lin yutang : إن الخمر أكثر مساهمة في الأدب من أي شيء آخر .وتساعد على الثقة بوجود القوة الخالقة فيه ، وتعاون الشاعر على الخلق والإبداع

ولست اكتب هذا لاتحمس للخمر او لشعراء الخمر انما اكتب هذا لتستطيع ان تستشف شيئا من نفسية هؤلاء  الشعراء الذين يؤثرون اللذة العاجلة وتؤثر الخمر في نفوسهم تاثيرا كبيرا ولك بعد هذا ان تقتنع بما اقول ، ولك بعد

هذا ألا تقتنع بما أقول ، إنما هو القول أرسله إرسالا ، والرأي أيديه إبداء . .

وكان الشاعر الرمادى متيما بحب فتاة تسمى خولة ، أزحى إليها كثيرا من فتات قلبه وخلجات شعره ، فارهف حبها حسه ، وصقل وجدانه وشعوره ونظره وتفكيره اسمعه يقول :

اوما لقبل البساط خنوعا

فوضعت خدي في التراب خضوعا

ما كان مذهبه الخنوع لعبده

الا زيادة قلبه تقطيعا

قولوا لمن اخذ الفؤاد مسلما

يمنن علي برده مصدوعا

العبد قد يعصي واحلف انني

ما كنت الا سامعا ومطيعا

مولاي يحي في حياة كاسمه

وانا اموت صبابة وولوعا

لا تنكروا غيث الدموع فكل ما

ينحل من جسمي يكون دموعا

أو اسمه بتأوه حبا ، ويتحرق لوعة وشوقا ، ويتصبب دمعا ودما :

في اي جارحة اصون معذبى

سلمت من التعذيب والتنكيل

ان قلت في عيني فتم مدامعي

او قلت في قلبي فثم غليلى

لكن جعلت له المسامع مسكنا

وحجبته عن عذل كل عذول

وثلاث شبات نزلن بمفرقي

فعلمت ان نزولهن رحيلى

طلعت ثلاث في طلوع ثلاثة

واش ووجه مراقب وثقيل

فعذلتني عن صبوتى ولئن ذا

من فقد سمعت بذلك المعذول

وقال يعتب علي صاحبته لرغبتها في أن يعتب على الدهر :

تكلفنى ان اعتب الدهر انها

لجاهلة من لي باعتاب محنق

وقالت تظن الدهر يجمع بيننا

فقلت لها من لي بطن محقق

ولكننى فيما زجرت بمقلتي

زجرت اجتماع الشمل بعد التفرق

اباكية يوما ولم يان وقته

سينفذ قبل اليوم دمعك فارفقى  

بل اسمعه وهو يقول في محبوب فؤاده عند ما اعتقل وسجن لأسباب سياسية فيما يقول الرواة ، بعد ما أدرك الفتنة فخاض لجتها وأقام فرقا من هيجانها شرقا بأشجانها ،ولحقته فيها فاقة نهكته ، وبعدت عنه الإقامة حتى أهلكته . .

بدر بدا يحمل شمسا بدت

وحدها في الحسن من حده

تغرب في فيه ولكنها

من بعد ذا تطلع في خده

أو اسمعه يقول :

حبيسك ممن أتلف الحب قلبه

ويلذع قلبى حرقة دونها الجمر

هلال وفى غير السماء طلوعه

ورئم ولكن ليس مسكه القفر

تأملت عينيه فحامرنى  السكر

ولا شك فى أن العيون هى الخمر

اناطقه كيما يقول وانما

أناطقه عمدا لينتثر الدر

انا عبده وهو المليك كما اسمه

فلى منه شطر كامل وله الشطر

أنا ط نفسه كما

أنا عبده وهو المليك كما اسمه

وهكذا كان الشاعر الرمادى أسير الحب ، وقد قيل إن سبب سجنه هو تعلقه بحب خولة . ويروى بعض الرواة في ذلك قصة أشبه بقصة ابن زيدون وحية لولادة وسجنه فى سبيلها .

وقد قال الشاعر الرمادي الشعر في الصيد والطرد كذلك كما فعل أبو نواس كقوله :

حتى إذا صدنا الوحوش فلم ندع

منهن غير معالم وطلول

قامت قوائمه لما بطعامنا

غضا وقام العرف بالمنديل

وأذكر أنى قرأت معنى شبيها بهذا المعنى عند بعض شعراء الشرق ، وإن شئت التحديد فقل إن الخليفة عبد الملك قال لجلسائه يوما : أي المنأديل أفضل ؟ فقال قائل : مناديل مصر كأنها غرقى البيض . ( وهي القشرة الرقيقة الملتصقة ببياضها ( ، وقال آخر : مناديل اليمن كأنها نور الربيع : فقال : بل مناديل عبدة بن الطيب :

لما نزلنا نصبنا ظل أخبية

وفار للقوم باللحم المراجيل

تمت قمنا إلي جرد مسومة

أعراقهن لأيدينا مناديل

وقد قال الرمادى الشعر في المدح كذلك ، ولكنه كان صريحا لا حرف الداجاة والمواراة . وقد حكى صاحب نفح الطيب قصة الشاعر الرمادى مع الخليفة المصور : فقد قال له يوما : كيف ترى حالك معى ؟ فقال : فوق قدرى ودون قدرك ، فأطرق المصور كالقضبان ، فانسل الرمادى وخرج وقد ندم على ما بدر منه ، وجعل يقول اخطات ، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق ما كان ضرنى لو قلت إنى بلغت السماء وتمنطقت بالجوزاء ، وأنشد :

متي يات هذا الموت لا يلف حاجة

لنفسي إلا قد فضيت قضاها

فلما خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور ، فوجد فرصة للحديث وقال : " هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة ، كلاب من غلب وأصحاب من أخصب ، وأعداء من أجدب ، وحسبك منهم أن يقول الله جل جلاله فيهم والشعراء يتبعهم الغاوون

فرفع المنصور رأسه وكان محامى أهل الأدب والشعر

البقية على صفحة ٣٠

) بقية المنشور على صفحة  ١٥(

وقد اسود وجهه وظهر فيه الغضب المفرط ثم قال : ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه ، ويسيئون الأدب بالحكم فيما لا يدرون ، ومن رأي الناس له فضلا عليهم حسدوه . وإني ما أطرقت من كلام الرمادي إنكارا عليه بل رأيت كلاما يجل عن الأقدار الجليلة ، وتعجبت من تهديه له بسرعة واستنباط ، على قلة من الإحسان الغامر ما لا يستنبطه غيره ، والله لو حكمته في بيوت الأموال أنها لا ترجح ما تكلم به ثقل ذرة ، وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه . وأمر المنصور أن يرد الشاعر الرمادي ، وقال له : أعد علي كلامك فارتاع ، فقال له : الأمر على خلاف ، فسكن ، وأعاد ما تكلم به . فقال المنصور :

بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدر لكلام استملحه منه ، وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ، ما هو

انوه واحسن عائدة ، وكتب له بمال وخلع وموضع يتعيش منه . وقال المنصور وهو يقلب كفا على كف : " والعجب من قوم يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب ، نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها ، ولا اياد يرغب في نشرها ، فأين الذين قيل فيهم :

على مكثريهم رزق من يعتريهم

                    وعند المقلين السماحة والبذل

وهذه القصة إن دلت على شيء ، فإنما تدل على حب المنصور للشاعر الرمادي وإعجابه به ورضاه عنه ، وبذله الأموال في سبيل الترفيه عنه

ولم ينشر ديوان الشاعر الرمادي ، وأغلب الظن أنه الآن في برلين ، وقد نشره أحد المستشرقين . أما كتابه " كتاب الطب " فقد كتبه في سجنه ، وله فيه لامية مشهورة في الصيد . وقد أطلق عليه متنبي الغرب ولكنه في الواقع شاعر من طراز ابن زيدون ، ولا سيما عند تصويره لحبه لخوله معبودة فؤاده ، أو تصويره لآلامه وأنراحه في سجن الزهرة .

جمال الدين الرمادي

اشترك في نشرتنا البريدية