لماذا تنتظر من الشاعر أن يلقى إلينا برأيه فى الحياة ، ولماذا نجد فيه هذا الأب الحنون وهذا الأخ الكريم ؟
لماذا محب حديثه وتقبل عليه بلذة وشغف ؟ ولو أنا وعينا هذه الحقائق التى يسوقها إلينا عن تأملنا نحن ما تأثر بها كما تثأير حين تقع للشاعر . . . وفى الوصف مثلا نرى الصور مبسوطة لأعيننا ، ولكنا مع ذلك تحب أن تراها بعين الشاعر ، وتحفق قلوبنا بالحب والبغض والرضا والبأس ، ولكنا نظل كانا نهتف بالشاعر أن يرينا إياها وبجعلنا نحسها ! ومهما سجل الشعر من خلجات النفس ، ومهما رسمت يد الشاعر من صور ، فلن يبلغ هذا شيئا من كل ما فى نفس الانسان وما فى الطبيعة من حقائق وجمال ! بل نحن نشيح بوجوهنا فى كثير من الأحيان عن هذه الحقائق وتلك الصور ، على حين تقبل على هذا الاطار السحرى لنرى فيه ونسمع عنه ،
ونتفهم به ... ! لكان الشاعر هو الانسان الذى رأى صور الطبيعة وحده ، وأحس الأشياء وحده ..! ما سر هذا الحنين فى قلوبنا إلى هذه الكلمات الموسيقية التى يرسلها هذا الانسان الشاعر ؟ لماذا إذا انحدرت من عينه دمعة انحدرت لها دموع الناس ، ولماذا إذا أشرق ثغره بابتسامة أشرقت معها الحياة ! ؟ لماذا استبد بنا هذا الانسان الشاعر فشغلنا بحياه وما فيها من خير وشر .
وسخط ورضا ، على حين شغلنا عن أنفسنا ، وكدنا لا نحس ما يسخطنا وما يرضينا ؟ ما هذه الحرمة التى تستولى على نفوسنا حين نقرا لهؤلاء الشعراء ؟ أليس فى الدنيا إلا حب هؤلاء الشعراء وأحلامهم ؟ أليس فى الحياة إلا آراؤهم ونزعاتهم ! ؟ نظل نتغنى هذه الأحلام ،
وتردد هذه الخواطر ، فتدمع عيوننا وتخفى قلوبنا كما خففت قلوبهم ؟ ومن يدرى ؟ فالبيت قد بقوله الشاعر ، فلا يأخذ من نفسه قدر ما يأخذ من نفس قارئه ، ومن يقول إن النادية أشد النساء حزنا ؟
لا : ليس هذا الإنسان الشاعر أقوى الناس عاطفة وأحدهم مزاجا وأكثرهم تأثرا بما فى الكون من معان وجمال . . .لكنه أقدر الناس على التعبير ، وأكثرهم جرأة على الكشف عن ذات نفسه بهذه الألفاظ المنقسمة السحرية . . . إن هذا الانسان الشاعر فيه أثرة وإيثار
اتحدا بقوة عجيبة فلا تستطيع الفصل بينهما فهو لا يصنع شعره ليتغناء وحده ، ولكنه يتغناه وقد اتخذ من الناس جوقة تردد معه وتوقع على نفسه ، وكلما كثر أفراد هذه الجوقة زادت غبطة الشاعر ورضى عن نفسه وإن كان ما يتغنى به شعرا حزينا باكيا . . وهذا الشاهى يقطع نياط قلبه ويفرع دموع عينه وينزح أعماق نفسه ليقدم كل ذلك لعواطف الناس واحلامهم وعقولهم ، فيتنفس بذلك عنهم ويترجم عن نفوسهم . .! فمن منا الغابن ومن الغبون ؟ أنحن حين تنضم إلى هذه الجوقة ونهتف مع الشاعر ونسلم عقولنا وأحلامنا إليه يصرفها كيف شاء فيزداد صوته ارتفاعا وقلبه جهدا وإرهاقا ، بما قتله هذا ، أم هذا الانسان الشاعر الذى يقف بقيثارته بيننا فيسيطر على عقولنا ومظاهرنا ، فإذا شاء أضحكنا وإذا شاء أبكانا ! ؟ تباركت يا رب ، لقد هيأت هذا الانسان الشاعر ، وجعلت وظيفته فى الحياة الترجمة عن جمال الكون وطبائع النفوس ، جعلته يصغى إلى وساوس الحياة ،
وأمرته أن يفصح عنها ، خلقته ليتأمل ويتغنى ، ليس له من عمل غير دموع يسفحها ، أو ابتسامات يرسلها ، أو حقائق يلقنها أو صور يتأملها ! ينظر إلى الناس ويتحدث إليهم ، غير أنه ينظر ليسجل ، ويسمع ليصور
ويرى ليفهم . . . ! لكان انس الشاعر وبغيته من الحياة هذه المعانى التى يعلقها خياله أو يستوعبها فهمه . . الناس والأشياء عنده ليست إلا دلالات لهذه الصور ، ولتلك الحقائق . . . وقد يجرى وراء متعة وكأن لذته منها ان ينقلها إلينا ، وقد يتسلق إلى الشقاء ، وكانه بعمد إلي ذلك لمتمتعنا بمواساته والعطف عليه ؛ فنتألم راضين وتتغنى مشفقين . . . ! !
أفى كل هذا يا رب شقاء له ، أم نعمة أنعمت بها عليه ؟
