الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274الرجوع إلى "الثقافة"

الشباب المثقف، والأعمال الحرة

Share

لا يزال شبابنا المثقفون - إلا القليل منهم - يحجمون عن الدخول في مضمار الأعمال الحرة ويؤثرون عليها وظائف الحكومة أو ما يشبهها من الأعمال ذات الراتب الثابت . ولا فرق في هذه النزعة بين من لم تعده ثقافته لمهنة بعيبها ومن أعد إعدادا خاصا للزراعة أو الصناعة او التجارة فكلهم سواء في التهافت على الوظائف والنفور من الأهمال الحرة . والنتيجة الطبيعية لذلك ان يظل ميدان الحياة الاقتصادية في البلاد خاليا لنشاط الأجانب والمتمصرين لا يزاحمهم فيه من ابناء البلاد مزاحم مستنير وتبقى مقاليد شئوننا المالية بغير أيدينا .

ولن يتهيأ لنا مع هذه النزعة أن نكون من شبابنا المثقف جيلا من رجال الأعمال يضطلعون بأعباء النهضة الاقتصادية التي نصبوا إليها

ولا يتسني ، مع حشد اكثر الكفايات في دواوين الحكومة ومكاتبها وإقفار دوائر الحياة الشعبية من العناصر المثقفة ، أن يقوم التوازن بين الحكومة والشعب ولا ان يزول ظل التميز الذي يرفع طبقة الموظفين فوق بقية افراد الشعب ، ولا ان تتحقق الرقابة المستنيرة من الشعب لتصرفات حكومته وهي أكبر مميزات الديمقراطية الصحيحة. كذلك ستحرم الأمة من الخير الذي كانت تجنيه من اندماج طبقة المثقفين في صميم حياتها العامة يبثون الاراء الحديثة في الدوائر المحيطة بهم وينيرون عامة الشعب بما يقدمونه من الأمثلة العملية في معالجة مشاكل الحياة بأساليبهم العلمية .

فالمشكلة خطيرة تقتضينا أن ننظر في أسبابها وبواعثها وأن نفكر جديا في معالجتها

فما هي الأسباب التي ترغب الشباب المثقف في وظائف الحكومة وتصرفهم عن الأعمال الحرة ؟

لعل من هذه الأسباب أن الوظيفة الحكومية لا تزال تحتفظ ببقية من مكانتها القديمة التى كانت تتمتع بها في عصور الاستبداد أيام كان الحاكم سيدا مطاعا والمحكوم ثابتا خاضعا . ولعلنا لم نتخلص نهائيا من الافتتان بالوظيفة واحتقار الأعمال لأن الوظائف كانت مهمة سادة البلاد والأعمال مهمة الاتباع . ولكن هذه الفكرة خليقة ألا يبقى لها اليوم في حياتنا أثر وان يسود احترام الأعمال جميعا . وان نعلم ان الموظف والصانع والزارع والتاجر كلهم مواطنون متساوون يؤدي كل منهم واجبا من الواجبات التي تتطلبها الدولة ولا فضل لأحدهم إلا بإخلاصه في عمله وحسن أدائه لواجبه ، والشباب المثقف احرى ان يدرك سخف تلك الفكرة ، ولا يقيم لها وزنا .

ولعل من الرغبات في الوظيفة ان طريقها سهل معبد لا يكلف طالبها كبير عناء . وأنها لا تقتضي للموظف إلا عملا رتيبا واضح المعالم تحدده اللوائح والمنشورات ، وانها تعطي صاحبها قسمة كافية من الوقت لراحته ولهوه ، وانها تكفل له راتبا ثابتا آخر كل شهر يستطيع أن يطمئن إليه ويرتب حياته عليه فينعم بالطمأنينة والاستقرار ، وانها تكفل له زيادة هذا الراتب على قدر موضوع ونظام محكم وتكفل له في شيخوحته عوضا يريحه عناء التفكير في امر مستقبله ولمستقبل ذويه.

وهي مرغبات خليقة ان تفتن من يريد ان يركن للدعة والراحة في هذه الحياة والا يتعب نفسه بالكد والكفاح ولا يستهدف لتقلبات الأيام.

وإذا كانت هذه المرغبات تجتذب إليها أفئدة المثقفين جميعا فان لها دلالة مؤلمة تتطلب ان نعيد النظر في الطرق التي ننشئ عليها أبناءنا . فالتربية التي لا تخلق في الطلاب حب المغامرة لا تنفخ فيهم روح الكفاح ولا تجعلهم

يستلذون العمل والكدح ويستطيعون المشاق وينفرون من الظفر الرخيص الذي لم يبذل فيه عناء وجهد تربية خاطئة لا تستحق ما بذل فيها من وقت ومال .

أكبر الظن أن شبابنا يتهيبون سلوك طريق الأعمال الحرة لأنه بالنسبة إليهم طريق بكر لم يشقه منهم من قبل إلا القليل ، وانهم بحاجة إلي من يأخذ بأيديهم وينير لهم مداخله حتى إذا ولجوها ورأوا ما تفتحه عليهم من خيرات تدفقت فيه جموعهم وتعددت مسالكهم.

إن الفرص كما يقول أحد رجال الأعمال تطرق كل باب ولكن من يراها قليل وأقل منهم من ينتهزها حين يراها .

ولا ندعو شبابنا لان ينتظروا الفرص حتى تطرق عليهم الأبواب ولكنا نطلب إليهم ان ينزلوا في ميدان الحياة ويفتحوا أعينهم على ما حولهم من ضروب النشاط ويتخيروا لأنفسهم ما يرونه أقرب لاستعدادهم ثم يقدموا بغير نظر إلي النتائج ومن غير خوف من ان يفشلوا في مشروعهم.

وليوطدوا انفسهم من البداية على توقع الفشل ولكن ليستفيدوا من فشلهم إذا فشلوا وليعيدوا التجربة من جديد على ضوء ما تعلموه من سابق عملهم وليعتصموا بالصبر والثبات ولا يملوا الإعادة والتعديل والتحوير فإنهم واصلون فى النهاية إلي النجاح الثابت المطرد . إن الأعمال كالمعارك لا يخسرها إلا من ضعفت روحه المعنوية ، ومن يستشعر الهزيمة ولا يفوز فيها إلا الصابر الذي يصمد ويثبت ويطمئن قلبه في أشد الأوقات حلوكة إلى أنه بالغ غايته ظافر ببنيته مهما قامت في سبيله العقبات .

وهنا يعترض معترض بأن هذه الأعمال تتطلب رؤوس أموال ليس من السهل تعويضها إذا فقدت ورد على ذلك أن أوجه شبابنا إلي أن يبدءوا حياتهم العملية من أول درجات السلم ، وان تكون مشروعاتهم الاولي على نطاق ضيق لا يهدد كيانهم إذا فشلت ، وألا يغرهم علمهم

الذي تعلموه بالمدارس، ويحسنوا السير على قواعده النظرية كفيلا وحده بنجاحهم، فبدءوا المشروعات الضخمة الواسعة ، فإنهم إذا ركنوا لذلك كانت خيبتهم اليمة ، وخسارتهم غير محتملة.

قال لى شاب من خريجي الزراعة العليا إنه كان لديه مائتا جنيه ، وظفها في تربية بعض الماشية وزرع أرضا استأجرها برسيما ، وقدر ان ذلك سيعود عليه في عام بضعف رأس ماله ، ولكن الدودة أكلت البرسيم وهزلت الماشية ، فلم يستطع تغذيتها ، واضطر لبيعها ، وفقد نصف ماله، فلم يستطع احتمال الصدمة ، وكان هذا ما دفعه لوظيفته الحالية.

قلت له : أيها الشاب ولكن الفلاحين الجهلة يعلمون أن الزراعة قد تخيب عاما ، ولكنهم على ثقة بأن العام التالي يعوضهم عما فقدوا ، وانهم وطنوا انفسهم على احتمال مثل هذه الصدمات ، ولو انه لم يوظف إلا نصف ماله وأبقي نصفه احتياطيا لمثل هذا الطارئ ، وثبت لهذه النازلة لكان خليقا ان يرضي عن حاله في عامه التالي.

على أن شبابنا لا ينجح في الحياة العملية إذا كان همه مجرد المحاكاة والتقليد إن المنتظر من الشباب المثقف انه يكون مجددا مبتكرا في هذه الميادين ، ولعله إذا دخل هذه الحياة وأحال في أساليبها المألوفة نظره أن يختط خطة جديدة يهديها إليه علمه، ويرشده إلى انتهاجها تفكيره الحر ، وفي هذه الحالة يكون منفردا بعمله سباقا إلى نهجه فيكون نجاحه أتم وأكمل .

أن الأمر لايصح أن يترك لهؤلاء الشبان وحدهم يعالجونه بجهودهم دون عون منا . إنهم بحاجة إلي هيئة مجربة ترشدهم ، وتنير لهم الطريق ، وتمدهم بالبيانات والإحصاءات ، وهم بحاجة إلى المعونة المادية الكاملة الشاملة في البداية حتى يققوا علي اقدامهم وينهضوا وحدهم بأعبائهم.

لا يكفي مثلا أن نبيع لخريجي الزراعة أرضا لم تصلح

بثمن مقسط ، وإنما الواجب أن نتولي إصلاحها أولا ، وإن نسكنهم فيها ، ونمدهم بالمواشي والبذور والمال اللازم للصرف زمنا حتى ينتجوا وينجحوا ، ويكون باستطاعتهم رد ديونهم.

ولا يكفي أن نعطي خريجي المدارس الصناعية سلفا ولكن الواجب ان نمدهم بما يحتاجونه من آلات وخامات وإن نتولاهم بالمعونة والإرشاد حتى يصلوا إلي منزلة الأعتماد على أنفسهم وسداد ما أقرض لهم .

ويحب أن يكون هناك مكتب ثابت يقصده كل طالب

فيتولاه بالفحص مرشد جدير ، ويهديه إلي نوع الأعمال التي يستطيع النجاح فيها ، ويجمع له كل ما يساعده على عمله من البيانات والمعلومات ، ويراقب خطوانه الأولى ، ويسدي إليه النصائح العملية حتى يأنس إلي عمله ويستغني عن المساعدة.

وأخيرا يجب أن تذاع الأمثلة العملية لمن قام من الشبان المثقفين بجهود موفقة ناجحة في الأعمال الحرة ، ليكون ذلك حافزا لسواهم على اقتفاء آثارهم وترسم خطاهم .

اشترك في نشرتنا البريدية