الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 346الرجوع إلى "الرسالة"

الشباب والأدب

Share

الطفل حياةٌ صغيرة غضه لينة تقبل التشكل وتطاوع  على ضغط البيئة التي تكتنفها وتطيف بها وتميل عليها؛ وبيئة  الطفل هي أخلاق أبويه، ومعاملتهما وحديثهما وما يحيط بهما  من الأقارب والأصحاب والخدم وكل من يعود البيت من زواره.  وقد حمل الإنسان طبيعة التشكل من أول عمره ليكون بعد  إنساناً اجتماعياً مقتدراً على التصرف في نظام الجماعة بما لا يخرجه  من جوها ويقذفه وراء حدودها التي ضربتها عليها الأحوال  الاجتماعية التي يتميز بها الجيل من الناس الذين يعاشرهم. وتتصل  بهذه الطبيعة من قريب طبيعة أُخرى هي التقليد، ليسوغ له  أن يثقف الحياة ويتلقف أسبابها وطرائقها وأساليبها في مدى  قصير، فلا ينقطع دون إدراك الطلائع الإنسانية السابقة التي  بدرت أمامه في الحياة ومارستها وعملت لها وجددت فيها بعض  ما يمكن تجديده في نظام الجماعات. ولا يزال الإنسان - من  أول عمره - خاضعاً خضوعاً تاماً لهاتين الطبيعتين ولقانونهما  المستبد، حتى يأتي عليه زمان يستطيع أن يتحرر في بعض نواحيه

بالخضوع لقانون آخر هو قانون الاستقلال الفكري  والعملي الذي تقوم عليه رجولة الإنسان وقوته، ولكنه  مع ذلك يبقى أبداً متلبساً بأسباب القوانين الأولى التي  تخضعه في بعض النواحي للتشكل والتقليد في زحمة الجماعات  وضغطها وتأثيرها. فهو إذن لا يبلغ مرتبة الاستقلال  إلا بعد أن يكون قد قبل من الأشكال - بالضعف والتقليد -

ما لا يستطيع أن ينفك منه أو أن يتفصى من قيوده التي تحبسه  على ضروراتها. . .

فمن هنا يبين مقدار الخطر الذي تنذر به هذه الفترة الأولى  من حياة الإنسان؛ ونحن لا نستطيع أن نحدد عمر هذه الفترة،  ولكنها تستمر على الأقل إلى نهاية روق الشباب ما بين العشرين  والثلاثين، بل ربما جاوزت إلى نهاية العمر إذا ما انتكست الحياة  في الحي وصار إلى حيوانية آكلة شاربة غير مفكرة!

فالشاب حين يخرج إلى الحياة العقلية والفكرية تستهويه  أسماء المفكرين من الكتاب والشعراء والفلاسفة فتستهيمه وتذهب  بهواه وعقله إلى الأخذ عنهم والاقتداء بهم والسير على مناهجهم،  ولا يزال كذلك في تحصيل وجمع وتأثر واتباع حتى يتكون له  قوام عقلي يجرئه على الاستقلال بفكره ورأيه ومذهبه.  فالقدوة والأسوة هي مادة الشباب التي يتم بها تكوينه العقلي على  امتداد الزمن وكثرة التحصيل وطول الدربة، فإذا كان ذلك كذلك  فالكتاب والشعراء والفلاسفة وأصحاب الرأي وكل من  يعرض نتاجه العقلي للشباب، ويكون عرضة الاقتداء والتأسي  والتأثر - يحملون تبعة تكوين العقول الشابة التي ترث علومهم  وأفكارهم ثم تستقل بها وبإنتاجها الخاص، وكذلك يكون هذا  الإنتاج الخاص ضارباً بعرق ونسب إلى الأصل الأول الذي  استمد منه واتبعه وتلقى عنه.

هذا. . .، فتبعة الكتاب والأدباء أمانة قد تقلدوها وحملوها،  ثم ارتزقوا منها أيضاً وأكلوا بها وعاشوا في الدنيا الحاضرة  بأسبابها، فهم على اثنتين: على أمانة قد فرض عليهم أن يؤدوها  إلى من يخلفهم من الشباب الذي يتبعهم ويتأثر آدابهم، وعلى شكر  للمعونة التي يقدمها لهم الجيل الشاب الذي يبذل من ماله ليشتري

منهم ما يكتبون وما يؤلفون وما يقدمون للتاريخ من آثارهم  ليكسبوا به خلود الاسم وبقاء الذكر.

وشبابنا اليوم قد تهدمت عليه الآراء، وتقسمته المدنية  الأوربية الطاغية، وهو لا يجد عصاماً يعصمه من التدهور  في كل هوة تنخسف بين يديه وهو مقبل عليها بشبابه ونشاطه  واندفاعه وعنفوان قوته في الشوط الذي يجريه من أشواط حياته.  والمدارس في بلادنا لا تكاد تعطيه من الرأي أو من الفن أو من  الأدب ما يبل أدنى ظمأه إلى شيء من هذه الأشياء؛ وإذن  فليس يجد أمامه إلا المجلات والصحف والكتب التي يقدمها له  أصحاب الشهرة من كتابه الذين ترفع أسماؤهم في كل خاطرة  وعند كل نظرة. وهو لا يني يستوعب منهم أساليبهم وأفكارهم  وآراءهم وما يدعونه إليه من موائدهم.

فهل ينصف هؤلاء الكتاب هذا الشباب؟ أتراهم قد عرفوا  قدر أنفسهم عند الشباب فعبئوا له قواهم احتفالاً بشأنه وحرصاً  على مصيره الذي هو مصير الأمة ومصير مدنيتها؟ أنا لا أرى  ذلك إلا في القليل ممن عرفهم الشباب وجعلهم نصب عينه،  واتخذ أساليبهم فتنة يهوى إليها

اشترك في نشرتنا البريدية