إذا بلغ الإنسان الأربعين من عمره ، وزحف منحدرا إلى الخمسين ، شعر بتطور حاسم في مجرى حياته : هي فترة من العمر ظاهرة المعالم واضحة الحدود . قد يتجاهلها اناس فيمرون بها سراعا ومن غير مبالاة . وقد يضطرب لها أناس فيحزنون أشد الحزن على شباب ولى وأدبر بنضرته وروعته ، وكهولة حلت بآثارها وأثقالها . وآخرون مثلى يقفون هنيهة ، ويفكرون ثم يفكرون ، ويودعون عهدا أدير ، ويستقبلون عهدا أقبل ، ثم يبتسمون ويسيرون في الطريق المنحبر الذي يقاس بالاعوام ، أو يقاس بالشهور والأيام علم ذلك عند علام الغيوب !
هى على كل حال فترة فاصلة حاسمة ، تنطق بعبارة واضحة حازمة ، لا لبس فيها ولا إبهام ؛ إذ تقول : ( ابها الرجل . قد انتهى شبابك . قد تضحك ساخرا ؛ وقد تتحدى وتنكر ، وتزعم أن رأسك لم يشتعل بعد شيبا ، أو ان أسنانك سليمة ، وقوتك عظيمة ، وانك في صحة الشباب وعافية الشباب . . وإني لمصدقك ؛ ولكن صدقني أنت كذلك : إنك لست الآن شابا بل أنت كهل ، فما رأيك ؟ "
والرأى هنا يتوقف على عوامل شتى أخص بالذكر منها - اثنين أو ثلاثة : ( الأول ) نظرة الإنسان إلى الحياة عامة ( الثاني ) الحالة الباطنية أو الصحية ( الثالث ) الحالة الظاهرية أو الشكلية
وما يعتني الآن فى هذا المقام أن أشرح هذه العوامل وأبين اثرها ومبلغ خطرها فى تكوين الرأى ؛ وإنما يعني ( ومحن فى زمن الحرب ( أن أهجم على الموضوع هوما خاطفا ، فأقول : إني أحب الكهولة لأسباب أوجزها فيما يلى :
- لأني أصبحت بعد التجارب أعرف ما أريد وما لا اريد - ولأني أصحت أعرف نفسي وأعيش عيشة تتفق ومنهاجها الخاص
ولأتي مازلت والحمد لله سليم الصحة معافى البدني - ولأني تعلمت ضبط النفس - ولأني أقدر مما كنت على احتمال الآلام وضمات الحياة - ولأني اقدر على خدمة وطني وإسعاد من حولي - ولأني أحمل كنوزا من الأسرار والذكريات - ولأني أصبحت أنعم بالهدوء والاستقرار والسلام ذكرت رأي هذا ذات يوم لصديق حميم فقال : هذا حسن . ولكن هل نسبت أن للشباب هزانه ولذاته ، خفقاته وغزواه ، أحلامه ومطامعه ، قوته ونضرته ؟ وهل الشباب إلا الحياة الحافلة ؟ وهل الكهولة إلا الحياة الفاترة ؟
فقلت له : مهلا لم أنس شيئا وإنى بما ذكرته عليم خبير . بل من أعلم به مني وأخبر ؟ ولكن مالك أنت قد ذكرت حسناته ونسيت سيئاته ؟ فللشباب كما تعلم نقائصه وهفواته ، كبوانه وانفعالاته ، حاقاته وجهالاته . فليس الشباب حلاوة صرفا كما تزعم . ولقد عرفت أناسا كان شبابهم عذابا وجحيما ، فجاءتهم الكهولة راحة ونعيما . وعرفت العكس مع أناس آخرين
إن السعادة ميسورة في الشباب وميسورة فى الكهولة إذا عرف الإنسان كيف يعيش وفق طبائع العهدين ومميزات العمرين فالشباب عواطف اولا وعقل ثانيا ؛ فهو حماسة وتدفق وإقدام والكهولة عقل اولا وعواظف ثانيا ؛ فهي اتزان وحساب وسير إلى الأمام
والشباب ظاثوة في الباء ، ودبية في الأرض ، وغواصة فى البحار(1)
والكهولة سيارة فحمة تطوى الأرض أو باخرة ضخمة تمخر البحار(2)
والشباب فراشة هائمة على وجهها طلبا للنور الوهاج(3)
أو نملة (1)سابحة فوق أطباق العسل المصفي
والكهولة فراشة هدأت وسكنت بعد طول المطاف واحتراق الجناح ، أو نملة شبعت وارتوت وما هى بحاجة إلى التكرار
دعني يا صديقى أنعم بالكهولة نعيما هادئا معتدلا لا أشعر فيه بالاكتئاب والضجر ، ولا بالتعب والملل ، لأنه نعيم النفس والروح الخالدة ، لا يتطرق إليها الاكتظاظ والسأم الكريه .
إن الشباب كلباس الحمام ، ينفع للسباحة العنيفة فى البحار . والكهوله كالمعطف ينفع للتدفئة عند مقدم الشتاء
فعل بهذا المعطف المريح ألبسه فى بر السلام ، وقد أخذت نصيب وأكثر من نصيب فى السياحة والتعرض لأخطار البحار
الآن أصبحت أعرف نفس وما تريد . وكنت في الشباب أجهل نفسي واسمى وراء مالا اريد او ما لا خير فيه . والان أعرف ضبط النفس وجمال التسامح ، وهما سر السمادة والإسعاد . وكنت فى الشباب على النقيض : ثورة مشبوبة حينا او سيارة من غير فامل أحيانا أخرى
ولكن ما هذا ؟ هل الكهولة خير كل الخير ، لا عيب فيها ، ولا غبار عليها ؟ كلا فقد اراد الله ان يمزج الخير بالشر ، والشر بالخير ، ليخرج من المزيج مزاجا معقولا ، ونظاماما مقبولا . ففي الثياب كفة الجسم وجماله ترجح . كفة العقل . وفي الكهولة كفة العقل وكماله ترجح كفة الجسم - فكل شئ بميزان وقدر
إن الرجل إذا جاوز الأربعين واقترب من الخمسين لا محالة شاعر بنوع من الحرمان وتوع من الإذلال . فهذه بعض أسنان تتزعزع فتتخلع ؛ وهذا شعر يبيض او يتساقط ؛ وهذه عيون كانت قوية نافذة ، أصبحت ضعيفة حاسرة : فى حاجة إلى متظار للقراءة ومنظار للمسير . وهنا وهناك خطوط تنذر بتجاعيد وأخاديد . ثم هضم يضعف ، وغذاء ينتقي ، وشراب يدرس ، وكل شئ بحساب ، وإلا وقع العقاب . فإذا مرضت يا صاحبى جاءك الطبيب المعالج ، ولا يتركك إلا وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة جمة المعانى . إذ يقول لك : ( يا عزيز خفف من نشاطك وجهودك . واكثر من أسباب الراحة . ولا تنس أنك لست اليوم شابا )
هذا وقد تشتعي نفسك أمرا فيه رياضة أو متاع أو غذاء ، فلا يسعفك جسمك في همة ونشاط كما كان المهد فى الشباب ، وإنما يتباطا أو يتخاذل بالإعياء . هذه هى الكهولة فى أخف أعبائها . وقد تثقل وتسو وتشتد حين تجعل من نفسها بابا تدخل منه العلل والأوصاب إلى الجسم ، والحسرة والاكتئاب إلى النفس . على أني والحمد لله أسعد حالا من هذه الصورة ، فما زلت كامل الصحة ، معافى البدن ، جم الحيوية والنشاط ، ولهذا ترانى أحب الكهولة لأني أحب النضج ، وأحب النضج لأني أصبحت أفضل حكم العقل على تحكم الغرائز ، وأوتر الروحانيات على الماديات . والشباب فى نظرى حرب قائمة ، والكهولة سلام مقيم . قد تقول ساخرا إن هذا السلام ركود ، والركود من مظاهر الموت . وإنى لا أقر هذا القول ولا أوافق عليه . فأنا لا أقول بالسلام العقيم ولا بالاستسلام وانعدام النشاط ، إنما أقصد سلاما كسلام الدولة القوية الغنية ، لا تحب الحرب ولا تسرع إليها مختارة ، بل تعمل فى شتى مرافق الحياة بنشاط أى نشاط . أقصد السلام الذى يشعر به المجاهد الذي ناضل طويلا ، وأدرك ما أراد ، ثم هدأ واستقر ليستريح وينعم بمزايا السلام . هو سلام لا يعرفه الشاب بحال من الأحوال ، لأن الشباب يسبح فى غمرات متلاحققات . فهو يطمح ويطمع . وينهك نفسه ليكون فى الحياة شيئا مذكورا ، وليحصل على المال والمجد والشهرة . يطالع ويدرس في نهم شديد ليعرف كل شئ . ويظل ريشة فى مهب العواطف العواصف : من حب وكره ، ورضا وسخط ، وأمل وألم . فيظل على الدوام مشرد القلب فى فرح يمازجه اضطراب ، أو فى حزن يلازمه اكتئاب ، إن أخطأ أو أصاب . ضع هذا كله فى كفة الخسائر للشباب ، وانظر ما يقابلها فى كفة المكاسب للكهولة . ترى الكهل ينعم بمزية التحرر والخلاص : التحرر من قيود كانت فى الشباب ثقيلة ، والخلاص من جهود كانت مضنية . لأنه أدرك ما أراد ، ويئس فى الغالب من إدراك البعض الآخر . واليأس إحدى الراحتين .
لهذا أراني أشد ما أكون اغتباطا بالكهولة . لأنها خلصتني
من مطالب كانت على نفسي ثقيلة الوطأة شديدة الإلحاح . ولأنها منحتنى القدرة على خدمة بلادى على وجه معين ظاهر الأثر معروف الدائرة . كما منحتنى القدرة على إسعاد من حولى على وجه ادق واشمل . وفي هذا كله أنس للروح وغبطة للنفس ، ليس إلى وصفهما من سبيل .
وأخيرا ما هذا الهدوء النفسي الفريد الذي يملا صدرى فى الكهولة ؟ اهو وليد الثقة بالنفس بعد طول التجارب على مر الأموام ؟ قد تحدث الآن أمور مروعة فأتألم لها من غير هلع أو جزع . وأرانى أحمل الألم فى جلد وصير وإيمان . لماذا لست ادرى . وإنما ادري ان هذا سلاح للروح معدوم النظير ، لا يعرفه الشباب الذي تراه من هول كل صدمة يطير .
هو هدوء أشبه بالهدوء الذي يلى العاصفة : هدوء يطلق النفس من عقالها ، ويفتح أمام العقل آفاقا لم يكن يراها . وبالله من هدوء مريح حين اخلو إلى نفسي في مقعدى الوثير ، اطالع ما أشاء كما اشاء ، او افكر فيما أشاء عند ما اشاء ، او ارجع إلى ذخائر الذاكرة أستثير منها ذكريات الماضى البعيد أو القريب ،
وإنها لمفعمة بالاسرار ، بعضها خاص لايذاع ، وبعضها عام سوف ينشر يوما من الايام . حينذاك يستقر رجل الاسرار مبتسما هادئا فى مكانه المختار ، ثم يتنفس فى عمق واسترخاء وسكون . ياله من شعور لذيذ كامل الصفاء . ههات هيهات للشباب أن يدرك مداه أو يفهم معناه ؛ لان الشباب كما قلت دائب الحركة ، يعدو ويلهث وراء متع ليس فيها رى ولا شبع ، ووراء فرص الحياة يطاردها فى حماسة السبا ، وخلابة المطامع وسراب الغايات .
هذا هو الشباب . وهذه هي الكهولة . فوداعا يا شبانى فقد كانت سعادتى بك أضعاف أضعاف أللى منك !
ومرحبا بالكهولة فقد سعدت بمقدمها ، واستبشرت بطلائع تمارها ، واسبحت لا اقوى على فراقها الان . ورحم الله المتني الذي قال : خلقت ألوفا لورجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

