الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الثقافة"

الشبيهان ... مصادفة

Share

تعريف بالقصة ( إدمون جالو من أشهر كتاب فرنسا في الأدب ، والفلسفة ، والنقد . وقد عالج كتابة القصة . فكان فيها موفقا ، بقدر ما وفق جول لُمتير ، وتراه في هذه الأقصوصة يحاول تطبيق مبدأ فلسفي على الخليقة الإنسانية . لقد وجد شخصان في وطن واحد وفي عصر واحد ، يشبه أحدهما الآخر شبهًا تامًا . فما سبب ذلك ؟ وماذا يتراتب عليه ، وهل هو مصادفة ، أو نتيجة لقاعدة ثابتة ؟ وما مدى هذا التشابه ، من الناحية النفسية ؟ هذه هي الأسئلة التى تجيب عليه القصة ، إجابة مقتنعة ... أو ... الأفضل أن نترك الحكم للقارئ ... )

حدث لي أنا أيضا أمر خارق للعادة ، أبلغ في غرابته مما رويت لي . وأنا لا أحب كثرة التفكير فيه ، ولكن الخبر جدير بالرواية لكم ، لأنني فهمت أن الغاية من اجتماعنا أن يروي كل منا أغرب ما وقع له ، فقد جلب أحدنا ذلك الرجل الذي كان مجهولا منا جميعًا ، وكان اسمه على ما يظهر بيلو جري ، لا يعرف أحدٌ مصدَره ولا مصدر رزقه . شخصية غامضة ، ولكنها تحمل سرًا خارقًا .

كنا في أمسية من أمسيات نادي براسبيلا في (مرسم ) (١) مضطرب قائم على أرض قضاء في الطرف الأخير من شارع فوجيرار ، وكانت ليلة من ليالي الشتاء ذات ضباب وبرد قارس ، وكان البرد قد تساقط عصرًا ، فما كان أشد ما لاقينا من العناء في الوصول إلى مكان الأجتماع ؛ ولم نكن ندري كيف نعود أدراجنا بعد نصف الليل ، إلى قلب باريس , سيرًا على الأقدام . لأن الحصول على سيارة مأجورة ، في هذه البقعة ، وفي الهزيع الأخير من الليل يكاد يكون محالا .

كان موسيو بيلو جري رَيعة بين الرجال ، تدل لهجته وهيأة رأسه على أنه من أهل الماضي السحيق ، ولعله كان من الغرباء ، وكانت له عوينة من الزجاج يشد بها أزر إحدى عينيه ، وكان أغم الوجه والقفا ، فشعره متراكم مكتظ على جبهته الملأى بالتجاعيد ، ثم ينتهي وجهه بلحية شمطاء ، ذات شقين طويلين . أما معطفه المبطن بالفراء ، فكان مقطوعًا ومخيطًا على نسق انقضى عهده ، وعفى الزمان على طرازه . ويخيل إليَّ أنه لم يكن مقصوصًا على قصده .

هل استعاره ، أم التقطه في إحدي أسواق الثياب ؟ وقد وضعه مكومًا في أحد أركان الديوان . رجع بيلو جري إلى ما انقطع من حديثه ، فقال معيدًا ذكرياته :

" في يوم احتفالي بالعام الأربعين من عمري ، زارني أحد أصدقائي واسمه فكتور مارتان ، وهو محام ... وكنا رفيقين منذ الطفولة ، وبيننا صلة قديمة ، تجعل كل تكليف بيننا مرفوعًا ، وكل اصطناع ممنوعًا ، وقد ألفت وصاحبي مارتان أن نجتمع خارج الدور ، في المنتزهات والبساتين , نقطع الأميال سيرًا على الأقدام ، ونتريض في وحدة الأحياء القديمة ، في تلك المدينة الخالدة باريس ، وطالما جسنا خلال هذا الحي قبل أن تتزاحم المباني في نواحيه ، حتى إذا أدركتنا الظهيرة أو ظلام الليل ، تغدينا أو تعشينا في المطاعم التي نمر بها غير عامدين . ففي عيد ميلادي الذي جاوزت فيه حدود الأربعين ، عندما زارني مارتان ظننت للوهلة الأولى أنه جاء مهنئًا ومشاركا ، ولكنه لم يوشك أن يتخذ مقعدا في مكتبي حتى قال : أتذكر مدام مورنين ؟ فأجبته : لم أسمع باسمها إلا الساعة على لسانك !

فضحك صاحبي ، ونادي باسمي متوددا : جاستون إن بيننا من صفاء الحب ، وطول العشرة ما يسمح لي بالاطلاع على ما تخفيه عن غيري ، فليس بين الأصدقاء من طرازنا سر يخفيه أحدهم عن أخيه . . فقلت له : " أعيد على سمعك مؤكدا أن هذا الاسم الذي نطقت به لا ينقل إلى ذهني معنى ولا شخصًا ولا ذكرى .

فقال : وإنما أعيد القول عليك ، إن هذا الحذر ، وذاك التكتم لا يجديان نفعا ، وإنهما في غير موضعهما ، لأن بين يدي نحو أربعين مكتوبا غراميًا بخطك وتوقيعك ، موجهة جميعها إلى مدام مورنين ، فلا أسألك بيانًا ولا اعترافا ، ولا أحاول هتك ستر ، أو الوقوف على سر ، ولكني أريد أن اقف منك على تاريخ المراسلة ، لأن المكاتيب خلو من ذكر الأيام والشهور والأعوام ، ولئن بدأ صاحبي مارتان

يتململ ، وكاد صبره ينفد ؛ فقد بدأت أهتاج وأغضب ، وقلت له :

- إن كانت هذه ممازحة تفاجئني بها ، فاعلم أنني وجدتها غليظة ، ولن أعيرك السمع بعد أمدا طويلا ، وإني أقسم لك أنني ما عرفت أنثى بهذا الاسم قط , ولا كتبت خطابًا بهذا العنوان .

فقال : إن هذه المكاتيب في حوزتي ، ولك أن تراها عند ما تشاء فقلت له : ولكن لم تريد أن تنسب صدورها إلي دون سواي ؟

فقال : لأنها ممهورة بإمضاء جاستون ، والخط الذي كتبت به خطك ، ولا يمكن أن يكون مرسلها سواك . فوقفت عند حد الاحتجاج ، مندهشًا من هذا البيان . وأخذت أبحث في خزائن فكري عمن تكون تلك التي كتبت إليها هذه الرسائل ، ولعلها امرأة غيرت اسمها وبدلته مرات عدة ، فلقيتها وعرفتها وكاتبتها باسم آخر غير الذي ذكره فيكتور مارتان ، فإن لبعض هؤلاء النسوة قدرة فائقة على اتخاذ الأسماء والتخفي وراءها ...

وأخيرا صحبت مارتان إلى داره ، فأطلعني على أضابير ضمن هذه الرسائل التي لم أرها من قبل ، ولم أخط منها حرفا واحدا ، ولكنها يا سادتي كانت كلها بلا ريب صادرة عني ، لأنها بخطى وأسلوبي وتفكيري ، حتى العواطف وألوان الشعور ، ودقائق الإحساس كانت لي ، لاشك في ذلك ؛ ولا يمكن أن أخطئ ، أو يخطئ أيٌ عرفني كما عرفني فكتور . ولكن حادثًا من الحوادث المادية التي تشير إليها الرسائل لم يقع لي ، ولم ألابسه أثناء حياتي ، ففيها ذكر "فيلا " أقطنها زعمًا في سان كلو . وذكرُ مسكن السيدة ، مدام مورنين ، حبيبتي المزعومة في جزيرة " سان لوي " . وفي الحق أنني لم ألتق بامرأة تقطن تلك البقعة ، كما لم أسكن فيلا في سان كلو ؛

فلم أدهش وحسب ، بل شعرت بدبيب الرعب يسري في كياني ، فلما لمح صديقي المحامي أثر الذعر في نفسي قال لي بلهجة التحدي والانتصار ، كمن يخاطب مذنبا :

- هيه : ألا تزال مصرًا على الانكار ؟ فقلت : إنكارا ؟ إنني أنفي بكل قوتي نسبة هذه الرسائل إلي ، وإن كنت أعترف باضطرابي وارتباكي وأشهدك على حيرتي التي لا حد لها . ولو أنني جنفت أو أصابي مس وقضيت فترة من حياتي في ملجأ أو مصلحة ، أو مستشفى للأمراض العقلية ، إذن لظننت أنني كتبتها في ساعة من ساعات الذهول أو الاستغراق في الغيبوية ، ولكني لم أصب بهذا الداء الوبيل وفوق ذلك فإنا نلتقي في كل يوم ولم يحجبني عنك حاجب ، فلذا تراني لا أدرك شيئًا من سر هذه الرسائل فصاح فكتور مارتان : " يا للحيرة ! إذن لقد فسدت الخطة وتحطمت الوسيلة ! " ثم روى لي أن طبيبا من عملائه زاره منذ بضعة أيام وعرض عليه رغبته في الطلاق من زوجته وكانت ولدت له ثلاثة أولاد ، وما شك قط في أمانتها وعفتها ولا ارتاب في صحة نسب أولاده منها ، فمرضت الأم يوم يومًا ، واضطر الزوج لفتح أحد أدراج صندوقها الذي تحرص على صيانة مفاتيحه ، معللة حرصها بسوء ظنها بالخدم . فلما فتح الدرج ولمست أنامله ، على الرغم منه ، زرًا من العاج ، انفتح درج سريي وبرزت منه أوراق كانت مخبأة ، فسحبها واحدة إثر أخرى ، فإذا بها مجموعة من الرسائل الغرامية ، فانتزعها من مخبئها وحملها بين يديه وأخذ بقرؤها على انفراد متهملًا متأملًا . فظهر له أن امرأته كانت عشيقة رجال ثلاثة ، لأنه وجد ثلاث مجموعات من خطابات الهوى ، وإن هذه الرسائل ترجع إلى فترة من الزمان تضارع مولد ولديه الأخيرين ، ولطالما أدهشه التنافر بينهما وبينه ، في الشبه والتكوين ، كما أدهشه التباين فيما بينهما ، فلا أحدهما يشبه أباه ولا أخاه . وقد أدرك ذلك قبل اكتشاف خيانة زوجته بزمن طويل . أما الآن فقد

صار الشك يقينًا ، والظن أمرًا واقعًا . ولما كانت الرسائل المنسوبة إليك لا تحمل تاريخ كتابتها ، فقد أصبح من المحتم أن يقف الزوج المنكوب على الحقيقة ، لينجلي له وجه الصدق في صحة نسب الولد الأول . فإذا لم تكن أنت كاتب هذه الرسائل فعليك أن تتفق معي على أن لك شريكًا في الاسم والخلق والخط والتفكير والتعبير ، وأن هذا الشريك الشبيه بك يضرب في أنحاء الأرض ، دون أن يشعر بوجودك .

فقلت له : هذا محال ! فقال : إذن هناك مزور حاذق ، يقلد خطك ويترسم خطاك وينتحل شخصيتك ويعيش بمأمن من الكشف ، وقد قضى لبانته من معشوقة تظنه إياك .

فقلت له : وهذه الصورة من التفكير خاطئة ، لأنني لست رجلا ذا شهرة عامة في السياسة أو في عالم المال ، حتى يتعرف على المزورون والمدجِلون ، فينتفعوا بصيتي واسمي . بل أنا رجل خامل الذكر ، لا يعرفني إلا خاصة أصدقائي ، وقد قطرت على أشد الحذر من خدمي ، فلا أسمح لواحد منهم أن ينال من خصوصياتي كثيرًا ولا قليلا فقال فكتور : لعلك كتبت تلك الرسائل إلى امرأة فصرفها رجل او تسلمها حبيب سواك ، فاتخذ طريقتك وأسلوبك .

فقلت له : وهذا مستحيل أيضا ، ولنفترض أنه مستطاع ، وأنه نفذ فعلا ، فما الذي يدعو رجلا يخطب ود امرأة إلى الاستخفاء ؟

فقال مارتان : من الجائز أن رجلا متزوجًا لا يحب افتضاح أمره ، فهو يقلد خط رجل آخر ، ويعمد إلى أسلوب غير أسلوبه . ليضلل القارئ ما عدا معشوقته . والسبب لمثل هذه الحيلة ظاهر ، فهو يخشى أن يفتر ما بينه وبين خليلته ، فتنتقم منه يومًا من الأيام بأن تبعث بمكاتبيه إلى خليلته ، فتخرب داره ، وتهلك حرثه ونسله ، وتقطع

ما بينه وبين هدوء الحياة إلى الأبد . فقلت لصديقي المحامي : ولم لم تسألوا مدام مورنين نفسها وهي أدرى بمن كان يبث إليها غرامه في مكاتيب مطولة . فاعترف لي بأن المرأة أبت أن تبوح باسم هذا العاشق المستتر ، إما نكاية في زوجها ، وإما إشفاقًا على محبوبها ، أما الآخران فقد عرفا ، وتكفلت الأم بحضانة الولدين المربيين ، فلا بد إذن أن يعرف الثالث ، ليطمئن الوالد المنكوب إلى صحة أبوته .

أما أنا فلم أحفل كثيرًا بهذا الحادث لأني كنت بعيدًا عن ملابساته كل البعد ، ولم يضرني من مغامرات هذه الأسرة المنكودة كثير ولا قليل . غير أنني لم أتمالك نفسي من الاشتغال بأثر هذه المصادفة الغريبة . فقد تولاني اضطراب أليم وشعرت بأن شخصية تشبه شخصيتي تتعقبني وتتحداني وتعرف عنى كل شئ ، ولا أعرف عنها شيئا . إن ظلا من الرعب يكتفني ، وجوًا من الغموض يحيط بي ، دون أن أقدر على الحذر من عواقب هذا الاقتفاء الملح ، وقد زادني لوعة أن لقيني بعد ذلك بخمس سنين صديق قديم قضى فسحة الأعياد على شاطئ الذهب ثم عاد إلى باريس فلما لقيني عاتبني قائلا : - يالك من معجب بنفسه ، تباه على أصدقائه عند ما تكون في مدينة نيس ، فقد رأيتك في منتزه الانجليز(١) فتجاهلتني ، وتظاهرت بعدم رؤيتي ، وأعرضت عني ، ولا عجب فقد كنت غارقًا في وسائد تلك المركبة الفخمة ، التي تجرها جياد مطهمة !

فقلت له : لم أذهب إلى نيس منذ ثلاثة أعوام فقال : إذا شئت أن تستخفي عن الأنظار فلك ما شئت من حرية ، أما أنا فأؤكد لك أنني كنت على خطوتين من شخصك المحترم ، ولوحت بيدي محييًا ، فلويت عنقك ، وأعرضت عني موليًا وجهك شطر ناحية أخرى ، كما رأيتك

تفعل ذلك مرات سابقة .

ولم يفد إنكاري في تحويله عن عقيدته قيد شعرة ، فازداد دهشي ، وبدأتُ أسائل نفسي : ألا يصح أن كون موهوبًا نعمة "التجسد" بحيث أكون في مكانين مختلفين في وقت واحد ؟ ففي أحد الجسدين روحي وعقلي وقلبي وفؤادي ، وفي الآخر تيار يخلع عليه مثالا من وجودي النفساني ، ففي الجسد الاول "أنا" وفي الثاني شبه لي .

بعد قليل علمت أن شبيهي يقطن نيس ، لأن أشخاصًا عدة ذكروا لي ما ذكره صاحبي ، الذي ظنني أتبسط معه في باريس ، وأحسن لقاءه ، حتى إذا اجتمعنا بنيس باعدته ، وتهت عليه وأنكرته كبرًا وازدراء .

وقد حدث بعد ذلك أنني قضيت شطرًا من الحياة على شاطئ البحر الأبيض ، ذلك الشاطئ الذهبي ، ففي إحدي الولائم التي أجبتها قدمت إلي بعض السيدات من المدعوات ، كما تقضي مراسم الحفلات في الأوساط الاجتماعية ، فنظرت إحداهن إلى وجهي ذاهلة ، وكادت حدقتاها تجحظان من شدة الهلع وفرط الذعر ، وقالت :

- ما رأيت في حياتي شيئا كهذا الذي أرى ! إنك يا سيدي تشبه أحد أصدقائي شبهًا مزعجًا

وقبضت السيدة على يدي كأنها تستبقيني في حوزتها لحاجة في نفسها ، فجرى تيار بارد في أسفل عنقي ، وتنبهت ذاكرتي إلى ذلك اللغز المضني المحفوف بالغموض ، فقلت لها : وهل زال ما بينكما من الصداقة ؟ أي بينك وبين ذلك الصديق الذي يشهبي . فأجابت : كلا ! ولكن العلاقة في حكم الزوال . قلت : هل قضي نحبه ؟

قالت : هو أقرب إلى الموتى منه إلى الأحياء ، فإنه يعاني داءً خفيًا منذ بضع سنين حتى لزم فراشه ولا يغادره . وأخذت تطيل النظر في وجهي حتى كدت أخجل من تلاقي أبصارنا ، ثم قالت : إنك أشبه الناس به ولاسيما

منذ خمس سنين ، قبيل أن يقعده المرض ، ولا أرى بينكما فرقًا مطلقًا

وبعد العشاء خلوت بها وقلت لها : ألديك رسائل من قلم هذا الذي يشبهني شبهًا مدهشا ؟ وهل تعرفين خطه إذا رأيته ؟ فقالت إن لدى مكاتيب عدة بخط يده . . .

فطلبت إلى المضيف " أدوات الكتابة " وكتبت سطرين أمام تلك السيدة ، فما إن وقع بصرها عليهما حتى صرخت صرخة الفزع والدهش وقالت : إن خطيكما صادران عن يد واحدة ، ولا شك أنه قرينك ... فسألتها عن اسمه فقالت : جاستون ... جاستون جان . فسألتها وهي التي رفعت لي القناع عن شبيهي أن تستأذنه في زيارتي فاعتذرت باشتداد وطأة الداء عليه ، فلما شرحت لها دواعي الرغبة ، وألححت راجيًا ، وعدتني بالكتابة إليه ليحدد موعدًا ، فبعث إليَّ بخادمه يعتذر لبضعة أيام ، ويؤكد أنه يريد أن يراني ، لأنه علم من أناس أن شبيهًا في باريس لا يختلف عنه في شيء مطلقًا . وعند ما تحسنت حاله واستطاع استقبالي سارعت إلى داره . ولا يمكنني أن أصف الانفعال الذي نال مني عندما وقع بصري عليه في غرفته . . . بل غرفتي ، فقد كان المكان مهيئًا على نسق غرفتي ، من حيث الوضع والترتيب ولون الجدران وأنواع التصاوير المعلقة على الحوائط ، وعدد السجاد واتجاه النوافذ ومساقط الضوء وألوان المقاعد ، حتى كأن المحلين صنوان لا يفترقان ، غير أن صاحب الغرفة كان يختلف عني قليلًا لأن المرض الذي أقعده ، أهزله وأنحله وأحال لونه ، وهو يكبرني ببضعة أعوام وأتلوه في سلم الحياة على الأثر ، فلا بد أن يحل بي ما حل به عند ما توافيني الأيام التي وافته . قال : لقد أشابني الداء وغير لوني وذهب ببهجة حياتي . ثم انفجر ينبوع دموعه وقال :

- ها أنا أرى فيك نفسي عندما كنت مستمتعًا بالصحة وتمام العافية ، فاحرص يا صاحبي على أيامك ،

وتذوق أثناءها طعم السعادة واشرب كأسها مترعة ، قبل أن يدركك الذي أدركني . ثم قربني ودعاني إلى الجلوس بجانبه ، وتناول كفي ورفعها إلى بصره متأملًا ثم أخذ ينقل عينيه من كفي إلى كفه وقال :

- أتؤمن بعلم الكف ؟ إن خطوط كفينا واحدة ، لا خطأ ولا شك ولا خلاف ولا مغايرة ، ماذا تقول ؟ أليس هذا عجيبًا ؟ ها هي الجبال والهضاب والجزر والمثلثات . يا للعجب ! يا للعجب !

والحق أقول يا سادة أن هذا التفصيل لم يكن ليهدئ روعي ، بل زادني قلقًا وضاعف مخاوفي ، فلم أر أمامي صورة طبق الأصل من صورتي وحسب ، بل رأيت صفحة حظي مبسوطة بين يدى أقرأ في أسطرها مستقبلي ، وقد كان بيني وبينه عشر سنوات ، فلم لم نولد في يوم واحد وساعة واحدة ؟ لقد حيرني هذا التشابه مع أن الفرق بيني وبينه في العمر عقد من السنين . وأخذنا نتبادل الذكريات ويتحرق احدا للوقوف على حياة الآخر ما خفي منها وما ظهر . وفي لحظة أكفهر وجه صاحبي واغير لونه ، وامتلأت عيناه بالرعب والفزع ، وضاق صدره وأسرع تنفسه وقال لي : سارع يا سيدي بالانصراف ، فإن الذي ألاقيه من المرض لا يرحم ، ولا يطيقه أحبابي ، ولا يحتمله غيري أنا عند ما أكون منفردًا ... ثم استنجد خادمه الذي كان يواسيه ويمرضه .

كان يختنق لأن احتباس البول عنده مصحوب بضيق النفس ، فلا بد من الحجامة أو كؤوس الهواء ، لتخفيف وطأة المرض . وكاد الطبيب يفقد الأمل منه ، لولا تمني معجزة الشفاء النادرة .

واجتمعنا بعد أيام ، وتحادثنا طول اليوم ، فلم أكن مخاطبًا شخصًا آخر ، بل خيل إلي أنني أناجي نفسي بصوتين مختلفين . أما العواطف فمتحدة ، والأفكار

لا تخرج عن دائرة بعينها ؛ وكان يزيدني دهشة واعتقادا بوحدة الشخصية أن التصاوير المعلقة على الجدران وترتيب الأثاث وتنسيقه ، ولون الورق المسجفة به الحوائط ، كانت كالتي في غرفتي في باريس . شخص واحد له صورتان ، وقد حكى لي أو حكيت لنفسي تاريخ حياته أو تاريخ حياتي ، فقد تشابهنا في اليتم من ناحية الأب منذ نعومة أظفارنا ، واشتركنا في التنشئة على يد أم قوية العاطفة ، شديدة الانفعال ، مؤمنة بالطيرة ، متعلقة بالأساطير ، فترعرعنا هيابين الحياة متعلقين بها . أما حياة الدراسة فكانت قاسية ومليئة بالأحزان ، ولما بلغ الخامسة والعشرين

تعرف إلى مدام مورنين ، تلك التي كتب إليها الرسائل التي كانت علة الحيرة لدى صديقي المحامي وعميله الطبيب المرتاب في بنوة أولاده ، وحيرتي أنا ، وقد قاسى في حب زوجة الطبيب مثل ما قاسيت في حب امرأة أخرى اسمها هورتنس ، ولا فارق بيننا إلا في مدى العمر ، فقد سبقني بعشرة أعوام ، وعشقت بعده بعشرة أعوام . أما المرأتان فكانتا على صورة واحدة وهزت كلينا منهما دواع الهوى غير متعددة ، وسطت على قلبينا لواعج متحدة ، وكان عشقنا في مكان واحد هو ذلك الشاطئ الذهبي الذي يجمع شمل الدراري المنضدة " كان

- نيس " وما إليهما من عرائس المدائن . ولما أقبل المساء بحرارته وجماله وسحره قال لي : ها هي حياتي طرحتها بين يديك .

فقلت : وحياتي أنا أيضا قال : لعلنا لو التقينا قبل اليوم لما تحمل أحدنا الآخر قلت : بل إن الإنسان ليتحمل نفسه راضيًا . فقال : إن الرضى قد يعقبه اليأس ، والحمد لله ثم على أنني ذاهب إلى غير عودة وقد أصبحت أيامي معدودة ، سأترك لك الميدان فسيحًا متسعًا فلا تشعر بمزاحم .

فقلت له : إنما يكمل بعضنا بعضًا ، يتمم أحدنا الآخر ,

فلا غنى لواحد منا عن أخيه . قال : كلا ! بل يكاد يقلد أحدنا الآخر ، ولا يعثر كل منا على نهاية محدودة لشخصيته ، ولا يعلم لما يفاجئه صاحبه ؛ لقد كان في اجتماعنا نوع من المعجزة ، ولكن حديثنا كان مفرغًا في قوالب منطقية ، ولو لم يكن الداء الذي أصابني قد أنهك قواي لبحثت عن علة القوانين الخفية في الطبيعة التي جعلتنا على هذه الصورة المدهشة والتي وفقت بيننا فوق كل ما ينتظر . ولكني واثق من العجز عن كشفها . وها أنا أرى أغلاطك وأخطاءك واضحة . ولكنى سبقتك إليها بعشر سنين ، فكيف لم

اشترك في نشرتنا البريدية