الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 681 الرجوع إلى "الثقافة"

الشجاعة والحرب

Share

لاشك فى أن الحرب نكبة من أفدح النكبات ، وكارثة من الكوارث الكبر ، فهى تجر الويلات على الغالب والمغلوب معاً ، وتكبدهما الخسائر الفادحة فى المال والعتاد ، وتستنزف مواردهما ، وتضيع جهود الأعوام الطوال ، وتخلف الخراب والدمار ، وتفقد الأمم شيئا أثمن من ذلك كله وأعز وأنفس وهو النفوس البشرية الغالية ، وتثكل الآباء والأمهات وترمل الزوجات وتيتم الأطفال وتؤلف الأحزان الموجعة فى القلوب ؛ ولكن الحرب برغم هذه الشدائد والنكرات تظهر جوانب فى النفس سامية نبيلة . مشرفة محبية ، ترفع من شان الإنسانية ، وترد على الإنسان ثقته بها وأمله فيها ؛ فإذا كانت الحرب تطلق الغرائز الهمجية من عقالها وتتيح الفرصة لارتكاب الفظائع والمحرمات ، فإنها من ناحية أخرى قد ترفع الإنسان إلى مستوى من الشجاعة والبطولة ونسيان النفس يندر أن يبلغه فى الأوقات العادية وفى ظلال الأمن والسلم والاستقرار ؛ ولولا الحرب لخلا سجل الإنسانية من كثير من الصفحات الناصعة والمواقف المشرفة والذكريات التى تثير الحماسة وتهز النفوس ، والكثير من حوادث التاريخ وأخباره تروى لنا أنباء الشجاعة وأخبار البطولة والتضحية بالنفس ، ولقد أظهرت الحروب المختلفة فى الأزمنة المتتابعة إلى أى حضيض من القسوة والوحشية والنكر والفظاعة يمكن أن تنحدر الانسانية ، ولكنها فى الوقت نفسه أظهرت المستويات العالية التى يمكن أن يرتفع إليها الانسان ، وطالما أهابت بالصغير المغمور فأصبح كبيراً مشهوراً ، وطالما نهضت بالمحب لنفسه المشغول بمصالحه ومنافعه فأنسته حبه لنفسه وأذهلته عن مصالحه ومنافعه وصنعت منه رجلا هماماً وبطلأ مقداماً ، وكثيراً ما تكشف الحرب ما يكمن من النبل والسمو فى نفس الرجل العادى فضلًا عن الرجال الأعلياء الممتازين البارزين .

وأخطار الحرب الماحقة ومواقفها المحرجة و شدائدها

وآلامها الدامية هى التى تتيح الفرصة لظهور هذه المواهب الدفينة وتثير هذه القوى المدخرة ، والحياة كما قال المتنبى فى رثائه يماك غلام سيف الدولة :

لا فضل فيها للشجاعة والندى

وصبر الفتى لولا لقاء شعوب

ولذا يلاحظ أن أكثر صفات المدح التى تخلع على الناس متصلة بالحرب ومستعارة منها ، وأسمى الصفات التى يرددها المادحون من الشعراء فى الأدب العربي ويشيدون بذكرها هى الشجاعة قبل كل شئ ثم الكرم ، والكرم نفسه فى رأى بعض هؤلاء الشعراء ضرب من ضروب الشجاعة كما فى قول مسلم بن الوليد :

يجود بالنفس إن ضن الجواد بها

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وفى معظم آداب الأمم القديمة كانت الشجاعة فى طليعة الصفات المحبوبة التى يشار إليها وينوء بها ويتغنى بذكرها. والشعر بطبيعته كلف بالمثل الأعلى ، موكل بكل مظهر من مظاهر السمو النفسى ، وليس أحب إلى الشعر من الشجاعة لأنها تطلق الإنسان من إسار الهموم الصغيرة والمطالب التافهة الحقيرة ، وتسمو به فوق الضرورات والشهوات ، وتثبت أن الروح أسمى من الجسد وأجل منه شأناً ، وأن الإنسان أفضل من الحيوان ، والشجاعة تنتصر على الخوف من الموت وبخاصة حينما يدافع الإنسان عن كيان بلاده وشرف أمته ومنزلة قومه ، ونحن جميعاً نحب أقاصيص الشجاعة والإقدام وروايات البطولة والحب ، واهتمام الإنسانية بهذين النوعين من أنواع القصص والروايات لا ينتهى ولا ينفذ ولا يفتأ يتجدد .

وفى الجماعات البدائية كان هذا اللون من ألوان الشجاعة أول مظهر من مظاهر الشجاعة ، وكان الحب كذلك فى أول طور من أطواره ، وفى افتخار الرجل البدائى بشجاعته وقتله للأعداء والخصوم واحتماله للشدائد وتمرسه

بالصعاب نفحة من نفحات الأخلاق ، وذلك لأن يدافع عن قبيلته وينتصر لها وينسى نفسه من أجلها . ولما تقدمت الحضارة ظهر نوع أسمى من أنواع الشجاعة ، وهو دفاع الإنسان عن أمته ؛ وفى تاريخ اليونان أمثلة باهرة رائعة لهذا النوع من أنواع الشجاعة . فقد دافع اليونان جموع الفرس الحاشدة وجيوشهم الجرارة ، وردوا غاراتهم على بلادهم ، وصانوا حريتهم وحافظوا على استقلالهم ، وفى معركة مارتون وبلاتيا وسلاميز استبسل اليونانيون فى الدفاع عن وطنهم ، وقدموا للإنسانية أمثلة خالدة فى الدفاع عن الأوطان وهزيمة الطغيان ؛ وفى تاريخ نشأة الإسلام أمثلة سامية فى الدفاع عن العقيدة والايمان بالمبدأ ، وقد استطاع المسلمون الأوائل بقوة الايمان وتأثير العقيدة الاستيلاء على جزء كبير من العالم القديم فى اقصر مدى مستطاع ، مما لا يزال موضع دهشة المؤرخين ومثار تساؤلهم ومناط بحثهم .

وقد جاءت الديانة المسيحية ودعت إلي السلام والمحبة فى الأرض ، وحبذت لوناً خاصاً من ألوان الشجاعة ، وهى شجاعة الحب والاحتمال والصبر والجلد والتضحية ، لا شجاعة المقاومة وهزيمة الاعتداء والانتصار على الخصوم ، وعندها أن الناس أخوة فى الحب لا يفرق بينهم الجنس ولا اللون ولا اللغة وليس فيهم خصم ولا عدو ، والذى يريد الانتصار بنالة عن طريق الاحتمال الصامت والصبر على المكاره  والقدرة على معاناة التضحية ، وأكدت المسيحية فى مبدأ أمرها هذه الفضيلة وأكبرت أمرها واعتبرت جهاد الجندى -حق الجندى الذى يحارب فى الدفاع عن بلاده ومناصرة أسمى الأهداف -مباشرة عمل غير مقدس ، ولقد أمر الناس بإلغاء السلاح فكيف يشهرونه ويخوضون الحرب ؟ وقد سار على ذلك تولستوى وذهب هذا المذهب وقال فى العصر الحديث إن الشر لا يدفع ولا يقاوم وإنما يحتمل ويصبر المبتلى به على احتماله فى غير مدافعة ولا مقاومة ولا محاربة ولا منازلة .

وقد ظهرت في العصور الوسطى شجاعة الفروسية ، وقد تأثر فيها المثل الأعلى للفارس بالمثالية المسيحية ، فكان على الفارس أن ينتصر للفضيلة ، ويدافع عن الضعفاء ، ويحمى النساء، ويأخذ بيد المظلومين ، وكان هذا المثل

الأعلى للفارس مما ساعد على ظهور السيد أو " الجنتلمان" في العر الحديث .

وبانقضاء العصور الوسطى هبطت قيمة المثل الأعلى للفروسية وأصبح الفارس مثاراً للضحك والسخرية ، ورواية دون كيشوت تمثل هذا الطور من أطوار الانتقال .

وظهرت الدول الحديثة على أنقاض العصور الوسطى ، فعادت مع ظهورها النزعة القومية على النمط اليونانى والرومانى ، وأصبح دفاع الجندي عن بلاده من أسمى ألوان الشجاعة ، وذلك لأن القوميات الجديدة لها أهدافها المختلفة ومصالحها المتعارضة ، ومطالبها المتنافرة ، ومطامعها وتطلعاتها، فلابد لها من الاحتكاك والتصادم والحرب ، وللدولة على الفرد حق حمايتها وإعلاء شأنها والدفاع عن مصالحها و تحقيق أهدافها والذود عن حقوقها ، وعلى الفرد أن يلائم بين واجباته للإنسانية وخدمتها وواجباته للوطن والقومية .

ولكن هل يمكن الملائمة بين الاثنين ؟ وهل يمكن التوفيق بين مبدأ القومية ومبدأ محبة الإنسانية والإخلاص لها ؟ أما تولستوى فإنه يرى استحالة الملائمة بين المذهبين ، وقد أراد الرجوع إلى مسيحية خطبة الجبل التي تنصح الناس بأن يحبوا أعداءهم ويمتنعوا عن مقاومة الشر بالشر ، ويدعو نولستوى إلى استسلام الفرد والأمة ، ويعارض في التسليح وتكوين الجيوش ، ويرى أن أوربا قد نبذت المسيحية لأنها نبذت فكرة الواجب واستمسكت فكرة المطالبة بالحق ، وما دامت الحياة الاجتماعية والحياة السياسية والحياة الأممية بوجه عام تقوم على المنافسة والتسابق بين الأفراد والأمم ، وما دامت تفسح مجال الفرص للحرب والعنف والطغيان فإنها قائمة على أساس وثنى وليست من المسيحية فى شئ .

فكيف نوفق بين فكرة الإنسانية والفكرة القومية ؟ إن روابط القومية مثل صلات الأسرة فى فجر الحياة الاجتماعية تستلزم حماية الوطن وتقويته ورد هجوم الأعداء عليه والتضحية بالراحة والمال والحياة من أجله ، ولكن الأسرة والقومية جزء من الإنسانية الشاملة ، والكل أعظم من الجزء وأجدر منه بالرعاية والأهتمام ، ورقى الإنسانية وتقدمها وتوفير أسباب الخير لها هى  أسمى الأهداف ،

ولكن لامقر لنا من أن ننتظر هذا اليوم الذى تصبح فيه الحرب وسيلة بغيضة غير مشروعة من وسائل تسوية أسباب الخلاف وحسم دواعى النزاع والصراع ، وأن نجعل تحقيق ذلك غاية من غاياتنا وأملأ من أعز وأسمى امالنا ، ولكن السعى لهذه الغاية لا يمكن أن يقوم به جماعة من الناس قد فقدت حريتها واستقلالها وأصبح ذمامها في يد غيرها وصارت تساق سوق الأغنام والأنعام ، والذى يعمل لتحقيق آمال الإنسانية لابد أن يكون حرا غير مغلوب على امره ، وقد اشتبكت المصالح فى عصرنا هذا وقربت المواصلات ما بين الأمم المتباعدة المختلفة ، وأصبحت نكبات الحرب وأزمات الاقتصاد وكوارث الأحداث الطبيعية التى تصاب بها أمة من الأمم تؤثر فى سائر الأمم ؛ وحقيقة أن هذا التقارب من ناحية اخرى قد أظهر الفروق بين العادات والتقاليد وأساليب الحياة والتفكير فى أول مراحله ، ولكن أغلب الظن أنه فى المدى المتطاول سيكون مدرجة للقضاء على أسباب سوء التفاهم ووسيلة لتأكيد العلاقات الحسنة ، ويكشف لنا أن ما بين الأمم المختلفة من دواعى التفاهم والتقارب والاتفاق اكثر مما بينها من أسباب التقاطع والتدابر والتناكر ، والأمم تحيا مادام أبناؤها مستعدين للقاء الموت فى سبيل حمايتها ، وهذا هو معنى الوطنية الحقة ، وقد لا ندعى جميعا للنضال ، ولكن لا أقل من أن نجعل مصلحة الوطن والأهداف القومية فوق المصلحة الخاصة والغايات الشخصية ، وإنما يذود الناس عن بلادهم ويحمون حوزتها لتصبح عاملاً صالحاً فى خدمة الإنسانية ، أما القومية المعتدية المزهوة المنحرفة عن الأهداف الإنسانية فإنها نكبة على نفسها وعلى العالم ، وربما كان العالم اليوم فى مفترق الطريق بين القومية المتطرفة الطامعة الجشعة والقومية المستنيرة المعتدلة الإنسانية النزعة . ويرى تولستوى أن واجب الإنسان نحو الانسانية يقتضى أن لا يحارب من أجل وطنه وقومه ، ولذا يبشر بفكرة عدم المقاومة والامتناع عن العدوان ، ويدعو إلى الاستمساك بشريعة الحب العام الشامل ؛ والواقع أن القومية ليست غاية فى نفسها ، وإنما هى وسيلة لغاية أخرى أتم وأعظم وهى الوحدة الإنسانية ، ولكن مادامت هناك

خلافات تعوق قيام هذه الوحدة فإن مصلحة الإنسانية نفسها تقتضى العناية بشئون الوطن والدفاع عن القومية . والمخلصون للإنسانية ينتظرون الوقت الذى تتحد فيه الأمم وتبطل الخلافات بينها ، ولكن هذا لا يتم ولا يتحقق إلا عن طريق الحرية والكرامة والاستقلال ، وتمسكنا بقوميتنا وكرامتنا واستقلالنا هو الذى يمكننا من أن نكون عاملاً فمالاً وقوة مؤثرة فى خلق هذه الحكومة العالمية الشاملة . والعالم يسير بخطوات بطيئة متعثرة فى هذا السبيل ، وإخفاق المحاولات الأولى قد لا يكون معناه الإخفاق النهائى ، فإن المطلب جسيم والغاية كبيرة . وكلما تقدمت الحضارة وازداد خطر الحرب وعظمت كوارثها أصبحت الأسباب التى تدعو إلى التوحيد والترابط والتماسك أكثر من الأسباب التى تدعو إلى الفرقة والشتات والنزاع ، وينبغى أن لا ننسى أن الأمم تطول حياتها وتسمو مكانها حينما يستعد أفرادها للموت ويستعذبونه فى سبيل الحق والواجب .

اشترك في نشرتنا البريدية