لجارنا طفل صغير غريب الأطوار كلما زرت أباء سعى هو إلي لقائى وجلس إلي يحادثنى ويؤنسنى حتى يحضر أبوه كان ذلك منذ خمس سنوات حين كان هذا الطفل فى الرابعة من عمره أما اليوم فهو في التاسعة ولكن أسلوبه في الحديث ما زال هو هو وما زالت خواطره وأفكاره مما يسترمى نظر من يحادثه فكنت في أول أمري معه أتحدث إليه في أمر لعبه وأطالبه بأن يطلعنى على ما أستجد منها وأن يصف لى آخر ما اشتراه له أبوه وحدث يوما أن تدرج بنا الحديث إلي العمل الذى يتطلع إليه حين يكبر فقلت له
هذا أبوك (موظف ) في الحكومة كبير ! فماذا تريد أنت أن تكون إذا كبرت ؟ . فقال : أريد أن أكون ( سائق مترو ) ! . فأدهشني هذا الجواب . وضحكت له . وجاء أبوه
فقصصت عليه قصة فتاه وما كان من سؤالى وجوابه فتضاحك ولكني لمحت أنه لم يسترح إلي هذا الأفق الضيق الذي حلقت فيه نفس ولده الصغير
ومرت الأيام وكرت الأعوام والزيارات تتكرر والصبى ينمو ويكبر والأحاديث تجرى بيني وبينه ورأيتنى ذات يوم أقول له
والآن وقد ترعرعت وازداد فهمك للأمور هل مازلت تريد أن تكون سائقا للترام أم أنك اعتديت لنفسك إلى مهنة غيرها
قال الفتى كلا لا أريد أن أكون سائقا ولكني أفضل أن أكون كونستابل وكانت دهشة جديدة لهذه الإجابة الغريبة ولم أكن أحمل قول هذا الغلام إلا على أنه هذر أطفال فاكتفيت من هذه النادرة الجديدة بأن جعلت أتضاحك منها أياما أنا وأبوه
ومرض الطفل في العام الماضي مرضا خطيرا نقل من أجله إلي المستشفى حيث أقام عدة أسابيع وهو ينتقل
من سئ إلى أسوأ حتى كاد ييأس منه أطباؤه وأخيرا أدركته رحمة الله لم ينتقل هو إليها ولكن هى التى جاءته فبدلت عسره يسرا وآتته من بعد ضعف قوة فتماثل وخرج من مستشفاه وعاد إلى بيته وقضى دور النقاهة وذهبت هذه المرة لأزوره هو لا لأزور والده فوجدته وقد جمع من في منزله من صغار الخدم وأضاف إليهم بعض أقرانه الذين يتلهى وإياهم في أوقات الفراغ وصف الجميع أمامه صفا واحدا ثم أخذ بحقن كل واحد منهم في ذراعه بحقنة زائفة في يده كما يفعل الأطباء فسألته فقال إنه قد استقر رأيه نهائيا على أن يكون طبيبا وإنه يمارس منذ اليوم عمله حتى لا يتأخر تدريبه يوما واحدا عما ينبغى أن يكون
وكانت هذه الإجابة الجديدة من طراز إجاباته السابقة وكنت خليقاً أن أضيف مهنة الطبيب إلي المهنتين الأوليين اللتين وقع عليهما اختيار هذا الصبى لولا أني وجدت فى هذه الإجابة شيئا يربطها بحياة الطفل الأخيرة فإنه كان حديث عهد بالمستشفى وبأطبائه وبحقنه وأنه لابد أن يكون قد رسم لشخصية الطبيب في ذهنه صورة فليت على كل ما فيه من صور فرأي في الطبيب ذلك المثال العالى الذي يهدف إليه كل طامح ناشئ أعلم يكن هذا الطبيب هو الذي يأمر فيطاع أفلم يكن هو الذي يصف الدواء المرير فيتجرعه هو طوعا أو كرها أفلم يكن يتحكم في طعامه فيمنع ويمنح كما يشاء وكل من في المستشفى من أهل وممرضين يأتمر بأمره ثم ألم يكن هذا الطبيب أخيرا هو الذي أنقذ حياته ورد إليه روحه بعد أن أوشكت أن تفارقه
إني لأعلم أن الأطفال ينظرون إلى أقوى شخص فى البيئة المحيطة بهم ويتخذونه نموذجا أو هدفا لهم وقد يكون هذا الشخص أباهم وقد يكون أمهم كما قد يكون أيضا أى إنسان آخر يتصلون به في حياتهم ويرون فى صفاته ما يبهرهم ويشعرهم بقوته وبسطة نفوذه ولما
كانت غريزة السيطرة من أولى الغرائز التي تتحكم في سلوك الإنسان فإن الطفل يتجه مدفوعا بقوة هذه الغريزة الفطرية إلى البحث عن مثاله في الوسط الذى يعيش فيه ثم يعمل على تقليده واصطناع شخصيته
ولم يكن من الصعب على في ضوء هذا الخاطر السائح أن أجد تفسيرا لنزعات هذا الصبى الظريف تلك النزعات الأولى التي لم نكن نفهمها في حينها يوم كان يتطلع إلى سائق الغرام ثم إلى الكونستابل على أن كل واحد فيهما يعتبر مثالا يحتذى و هدفا تهفو النفس إلي إدراك درجته العالية
فالطفل الذي يركب الترام الأصم الأبكم ثم يرى سائقه وهو يتحكم فيه يسيره متى أراد ويوقفه كيف يشاء كل ذلك في غير جهد ولا عنف بل باستعمال مفاتيح صغيرة يديرها بأطراف أنامله مثل هذا الطفل جدير بأن ينظر إلى هذا السائق نظرة الإكبار التي تسوغ له أن يتخذ من شخصيته مثاله الذي يطمع فيه ويتوق إلى تحقيقه فإذا ما اتسع بعد ذلك أفق الطفل ولاحظ الكونستابل الذى يقف وسط الميدان الواسع الذى يعج بالعربات والسيارات وبكل راجل وراكب حتى إذا رفع يده في وجه هذا الطوفان العريض وقف كل شئ وجمد في مكانه لتسيل أودية المرور في جهات أخرى كان الطفل خليقا بعد ذلك أن يرى في هذا الكونستابل هدفه المنشود ومثاله القوى الأعلى أليس سائق الترام نفسه ممن يأتمرون بأمره ويقفون لمجرد إشارته
فالأمر في إجابات هذا الطفل الأولى لم يكن هذرا ولغوا كما اعتاد الناس أن يفهموا ولكنه كان جدا جديرا بالملاحظة والتدبر لأن واجب الآباء الأول وواجب المربين أن لا تفوتهم هذه الأتجاهات المبكرة التى يستطيعون عن طريقها ان يراقبوا نمو الطفل وملاحظة نفسيته وقد روى بعض أساطين علم النفس أن صبيا سئل مرة عما يريد أن يكون في مستقبل حياته فأجاب
إنى أريد أن اكون جلادا
فاعتبر هذا الجواب دليلا على أن الطفل لايهتم بالمجتمع بقدر ما يهتم بأمر نفسه وتحقيق نزعاته في الوصول إلى السلطة المطلقة التى تجعله المتصرف فى حياة الناس وموتهم ومن أجل ذلك كان من الواجب تدارك هذا الطفل بالتوجيه الحسن لتحويله عن هذا الاتجاه الضار إلى اتجاه آخر يكون فيه نفع الجماعة وفى تلك الحالة بالذات أمكن تحويل الصبى عن طريق لفت نظره إلى مهمة الطبيب فإنه هو الآخر قد يتصرف في حياة الناس وموتهم ولكن رائده في عمله يكون تحقيق النفع لهم والعمل على ما فيه خيرهم
أذكر أن زميلا لي حدثني منذ أسابيع عن كلام وقع بينه وبين طفله الصغير ترك في نفسه أسوأ الأثر وجعله يوجس من هذا الطفل شرا كبيرا إذا هو شب وكبر فان الصبى فاجأه وأمه بالسؤال الآتى بغير مناسبة ظاهرة
أإذا مت يا أبى أنت وأمى أفلا أرتكما وأحصل على كل ما عندكما من مال قال الوالد فوجت انا وزوجتى ونظر كل واحد منا إلى صاحبه ولم ندر كيف نرد على هذا الفتى الفاجر الذى يريد أن نقضي محينا ليثرى هو على حسابنا في هذه السن المبكرة وحرنا كيف تسربت هذه الفكرة الشريرة إلى نفسه واختلط شعورنا نحوه بشئ من الفتور والنفور
ولكني أنا على ضوء ما كنت قرأت في هذا الموضوع لم أر موجبا لكل هذا الذعر وشرحت للوالد كيف أن الصبى لم يكن يفكر قط في الخلاص من والديه وهو يسأل سؤاله هذا إنما الذى كان يشغل تفكيره هو كيفية الحصول على المال لتحقيق غرض خفى يداعب آماله وكان من الواجب على الوالدين أن يتبيناه ثم يوضحا للطفل أن الميراث ليس هو الطريق الوحيد للحصول على المال وأن الطامع في المال عليه أن يتعلم ويتثقف ليصبح صانعا أو تاجرا أو زارعا فيجمع المال عن طريق مهنته الشريفة المشروعة ثم يشترى بهذا المال ما يشاء
وما كان أشد سرورى حين علمت في مقابلة لاحقة ان هذا الوالد اهتم بأمر صبيه فما زال به حتى عرف أنه كان قد ألح على والدته لتشترى له سيارة مما يركبه الأطفال ويتلهون بادارته بأنفسهم فكانت أمه لا تكتفى برفض طلبه أو بتحويله عنه بل كانت تزيد على ذلك أن هذه السيارات غالية الثمن سريعة العطب وأنه من الخطل بذل المال في شراء واحدة منها ومن الواضح أن الطفل ليس عنده الاستعداد الواجب لفهم تلك الاعتبارات المالية التي تملأ عقل أمه لأن كل ما يفهمه الطفل في سنواته الأولى هو انه السيد المطاع الذى عليه أن يسأل فيجاب وأن يأمر فيطاع
والخلاصة التى نود تقريرها في هذه الكلمة هى أن الشخصية السليمة الناضجة لن تأتى إلا في أعقاب طفولة سليمة صالحة تكون فيها هدف الحياة تكونا صحيحا سليما وقد ثبت لعلماء النفس الحديثين أن هذا الهدف يبدأ في حياة الإنسان المبكرة وفي عهد طفولته وأن من أوجب الواجبات على الآباء والمربين أن يدركوا ويتعلموا طريقة تكوين هذا الهدف وأن يراقبوا أهداف أبنائهم وهي في دور تكوينها وأهم ما تجب معرفته في هذا الميدان هو العمل على تنشئة الطفل تنشئة اجتماعية ليكبر وهو في حالة انسجام مع بيئته فليس أضر بالنفس من أن يشب صاحبها نفورا ميالا إلى العزلة مدللا يعتمد على ذراع أمه أو أبيه هالوعا يفرق من أول صعوبة تعترض طريقه ومن المقطوع به اليوم أن من أعوزه شئ من صفات الانسجام مع الجماعة التى يعيش فيها لا معدى له عن أن يشب وهو أحد رجلين فإما رجل أعجزه نقصه عن السير مع القافلة فهو يقضى حياته بين الجماعة منبوذا محسورا وإما رجل يصطنع الشجاعة اصطناعا ليغطى بها نواحى النقص في تكوين نفسه فينشأ مجرما يهاجم الجماعة في أموالها وفي أعراضها ليتفادى الظهور فيها بمظهر العاجز الضعيف ح ج

