كلمتان كثيرا ما يخلط بينهما، فتستعمل إحداهما في موضع الأخرى، وفي الواقع أن هناك اختلافاً بينهما. .
فلقد زعم الأقدمون أن الشخصية Personality قوة غامضة، لا يمكن أدراك كنهها أو تحليلها. إنما هي مجموع صفات الفرد، الموروثة والمكتسبة، فتشتمل على شكله الظاهري ودرجة ذكائه وثقافته واستعداداته ومواهبه، والمثل الذي يستهدف إليها، والمبادئ التي يعتنقها، والعادات التي يكتسبها، كل تلك العناصر والمقومات تؤلف الشخصية(١). وأحدث تعريف للشخصية هو أنها نظام متكامل من مجموعة الخصائص الجسمية والوجدانية والنزوعية والادراكية، التي تعين هوية الفرد وتميزه عن غيره
من الأفراد تمييزا بيناً. وللشخصية جانبان. جانب ذاتي يعبر عنه بالآنية le moi اي شعور الشخص بذاته، وهذا الشعور يتطور من الشعور بالذات الجسمية فالنفسية والاجتماعية. والجانب الآخر موضوعي، ويعرف بالخلق character وهو نظام متكامل من السمات والميول النزوعية تتيح للفرد أن يسلك - إزاء المواقف الخلقية وأوضاع العرف - سلوكاً متفقاً مع ذاته، على الرغم مما يواجهه من عقبات(٢).
ومن دلائل النضج العقلي تكامل الشخصية، وهو عبارة عن تضامن مقوماتها المختلفة وتوافقها وتضافرها وانتظامها، حتى يكون سلوك الفرد ثابتا متزنا لا تنافر بين مظاهره، الأمر الذي يجعل الفرد يتكيف مع أفراد المجتمع الذي يعيش فيه. ويساعد على تكامل الشخصية(٣)؛ التربية الرشيدة مع التوجيه السديد في بيئة منظمة تكفل حياة هادئة. وليس أضر بتكامل الشخصية من التربية الغاشمة القاسية حيناً، والمتسامحة أحياناً، مما يميت في الطفل قوة الاعتماد على نفسه، في بيت محطم أنعدم الانسجام بين أفراده.
وليس من شك في أن الشخصية خير مقياس لنمو الفرد، ومكانته في المجتمع.
أما الفردية indidoality فهي صفة أو ميزة للفرد. وهي أن يسلك الفرد سلوكاً يختلف عن سلوك غيره. فلا يتأثر بالغير إلا قليلاً، وقلما يطيع العادات أو ينقاد إلى التقاليد. ذلك أن تأثره بالبيئة يكون مبنياً على فهم وتبصر بالغرض من سلوكه. وحتى لو اتبع أمراً اتبعه غيره، فإنما يفعل ذلك على عقيدة ودراسة وليس طاعة أو تقليد أعمى. ولا شك أن الحياة البدائية تعوق الفردية بتقاليدها الموروثة الجامدة التي تتبع نظام الطوطمي toremism (والطوطم مجموعة أشياء مادية ينظر إليها البدائي نظرة الإجلال والاحترام يتخذها رمزاً للأب أو الجد الأعلى وتحميه من الأخطار) واللاماسات tapoo هي تحريمات وقيود تفرض بازاء إنسان
أو شيء أو عمل (١) .
ولولا الفردية لما كان هناك تقدم ولا مدنية. فلو أن الناس كانوا يفكرون تفكيراً متشابهاً ويسلكون سلوكا متشابها ويعتقدون في أشياء خاصة ولهم أغراض وغايات واحدة، دون أن يتساءلوا عن صحتها أو يجتهدوا في تغييرها، لما كان هناك أمل في التطور والرقي. والفردية هي التي تدفع إلى التجربة والمخاطرة، والاختراع والابتكار. ولعل خير مقياس لرقي المجتمع هو مدى ما يعطيه للأفراد من فرص لظهور فردياتهم المختلفة. وكثيراً ما يحدث صراع بين التقاليد والفردية فتحدث
اضطرابات نفسية خطيرة (٢)، وذلك حين تقف التقاليد حائلاً دون ظهور الفردية.
على أن للفردية بجانب هذه المنافع - أضرار، فقد كان لانتشار فكرة الفردية - وخاصة في أوائل القرن الماضي - أثر في تفكك أوامر الأسرة التي تسودها سيادة الأب - رجعية - (مودة قديمة) وأن من الممكن أن ينكث الزوجان أو أحذهما العهود المقطوعة حيال الزواج.
ثم إن التمادي في الفردية يجعل الفرد ينظر إلى الأمور بالنسبة إلى آرائه وملذاته - مما يؤدي إلى الاستخفاف بنظام الأسرة. وهذه الروح المستهترة كان لها أثرها في زعزعة النظم الاجتماعية وعدم استقرارها.
