قالت العجوز ايزر جيل تقص علي قصة الشرر الأزرق الذي يتراءى قبل العاصفة في هذا السهب(1) :
" كان في سالف الزمان اناس يعيشون فوق هذه الأرض ، أين - لا أعلم ، إنما أعلم أن غايات عظيمة كثيفة كانت تحيط بمنازل هؤلاء الناس من ثلاث جهات ، وأن الجهة الرابعة كانت مفتوحة على السهب . وقد كانوا قوما مرحين - أقوياء جريئين ، يقنعون بالقليل . . .
وأغلب الظن أنهم كانوا من النسور . لكنه ألم بهم يوما وقت عصيب ، فقد ظهر عليهم من مكان ما قبائل أخرى وطردوهم إلى قلب الغابات . وكان هناك مستنقعات ، وكان ظلام ؛ فالغاية قائمة من قديم الزمان ، وفروعها متضافرة لا ترى منها قبة السماء ، ولا تكاد اشعة الشمس أن تنفذ إلي مستنقعاتها من عريشها الكثيف ؛ فإذا وقمت مع ذلك تلك الاشعة على ماء المستنقعات تصاعد فيها بخار كريه ، وتردى في هذا البخار هؤلاء الناس واحدًا بعد الآخر . فيبكي نساء القبيلة والأطفال ، ويفكر الرجال ويتولاهم الغم من سوء الحال .
لم يكن يد إذًا من الرحيل عن هذه الغابات ، ولذلك طريقان : الأول يؤدي إلى الوراء ، وهناك الأعداء الأقوياء الأردياء . والثاني إلى الإمام حيث الأشجار الباسقة المتوشجة الأغصان ، الممتدة الأصول والجذور المعقدة في وحل المستنقعات ، وكأنما هذه الاشجار قدت من صخر ، فلا همس ولا حراك . وهي بالنهار غارقة في غبش أغير ، فاذا جن الليل وأوقدت النيران ، أطبقت على القوم
أيما اطباق ، فسواء بالليل أم بالنهار ، فمن حول هؤلاء الناس طوق يضيق الخناق على من ألف سكنى العراء .. وأهول من ذلك على هؤلاء ، حين تهب الريح على أعالي الإشجار ، ويعم الغابة بأسرها هرير وتهديد ، وتغتى الغابة لاجئيها اللأئذين بها من بطش الأعداء أغنية الهلاك
لقد كانوا مع ذلك قومًا أقواء . وكانوا خلقاء أن يقاتلوا هازميهم قتالا ضروسًا ، لكنه كانت لهم ذرية ضعاف ، فلو فتوا في حربهم لضاع بفتائهم الصغار ، فكانوا يسهرون الليالي يفكرون ، والغابة من حولهم تلفظ لفظها الأجش ، والمستنقعات البخرة ترميهم بأنفاسها السامة ، والظلال ترقص من نارهم رقصها السامت ، وكان ما حولهم ليس ظلالا راقصة بل أطباقًا شامتة من عقاربت الغاية والمستنقعات ، وطال بهم الجلوس والتفكير ؛ ولا شئ بوهن الجسم والروح كالأشجان التي تمتص الدماء من القلوب ؛ فوهن القوم من الفكر ، ونهض بينهم الخوف فقيدهم بذراعين قويتين ، ودب الذعر من ولولة النساء على جثث الفانين بأنفاس المستنقع ، وعلى مصير الباقين ممن فلجهم الخوف - وتعالت في الغابة أصوات الجبن ، خافتة هيابة في أول الأمر ، فمرتفعة أبدًا رويدًا رويدًا . . حتى قام بأنفسهم أن يسلموا أنفسهم للعدو ، ويسلموا حريتهم . وما خوف العبودية بعد أن أفرعهم الموت . لكنه ظهر من بينهم ) دانكو " فأنقذهم أجمعين .
كان دانكو واحدًا منهم ، وكان شابا وسيما . والوسماء دائما شجعان ، فقال لرفاقه :
الأفكار لا تخلي الطريق من الأحجار ، فمن لم يعمد إلى الأفعال لم تتغير له حال . فقيم تبديد القومي بالفكر والهلع ؟ فانهضوا جميعًا ، ولنضرب في الغاية وتجتزها فلابد لها من آخر . وكل شئ في هذه الأرض إلى انتهاء والآن هلموا !
فنظروا إليه ، فألفوه خيراً منهم جميعاً ، ففي عينيه قوة وعزم وبريق
قالوا : لتكن قائدنا ! فكان قائدهم قادهم دانكو ، وتبعوه على بكرة أبيهم ، وآمنوا به . وكان طريقهم وعرا ، والظلام حالكا ، وعفن المستنقع فاغراً فاه يلتهمهم واحدا واحدا ، والأشجار تسد سبيلهم فكأنها جدار من أحجار ، والأغصان ملتوية متشابكة كأنها أفاع ؛ وفي كل مكان تمتد الأصول والجذور ؛ وفي كل خطوة يتصبب العرق وتسيل الدماء . . ومضوا على هذه الحال تزداد الغابة كثافة كلما أوغلوا فيها ، وتتناقص قواهم ، فبدأوا يتذمرون من دانكو ويتساءلون إلي اين يسوقهم هذا الغر العديم الخبرة ؟ لكنه ظل يتقدمهم ، شجاعا مرح النفس . وفيما هم سائرون هزم الرعد فوق الغابة ، وجعلت الأشجار تتهامس تهامسها الأجش المنذر بالشر . وحلك الظلام حلوكة ، فكأن كل ما انصرم من ليال من بدء الدنيا إلي ذلك الحين قد تجمع فجأة في تلك الليلة
وسار الأقزام بين الأشجار المردة ؛ وسار القوم بين دوى البروق ونذيرها الخاطف ، وتمايلت الأشجار تطقطق وتطن بأغانى الغضب ، واضاءت البروق المختاجة فوق الأعالي ظلام الغابة لحظة بنور أزرق بارد ، واختفي ذلك الضوء خطفاً كما جاء خطفاً ، فأفزع القوم وهزأ بهم . وبدت الأشجار التي اضاءها البرق بنوره القارص وكانها اذرع حية طويلة معروفة ممتدة إلي أولئك الفارين من أسر الظلام لتحتيلهم ، وتردهم إلى الأسر رعب وظلام وبرد تطل جميعاً من حلوكة الاغصان على السائرين ، فياله من مسير ! وقد فقد أولئك الذين اضناهم ، شجاعتهم . لكنهم خجلوا من ان يعترفوا بضعفهم ، فانقضوا على الإنسان الذي يتقدمهم وقد وغرت صدورهم ، وجاشت بالشر ، وانهالوا عليه لوما وتقريعًا لأنه في رأيهم
لم يحسن قيادهم .
وكفوا عن السير ، وجعلوا يقاضون دانكو وقد بلغ منهم التعب والغيظ ، ولغطت بينهم الغاية لغط الشامت ، وشملهم الظلام بقشعريرته .
قالوا له : " إنك إنسان لا نفع فيك ، وفيك كل الأذى لنا . لقد أضللتنا ، وأنهكت قوانا ، فلا بد من موتك جزاء لك " .
وبرق البرق ، وقصف الرعد ، فصدق كلاهما على حكم الموت .
لكن دانكو صاح بهم : " لقد طلبتم مني أن أقودكم وقد قدتكم " وتقدم إليهم متحديا إياهم : " لقد أوتيت الشجاعة لقيادكم . وانتم ؟ ماذا فعلتم لتعينوا انفسكم لقد سرتم . وهذا كل ما فعلتموه . لكنكم لم تقووا على المضى في السير . لقد سرتم فحسب ، سرتم كما يسير قطيع الغنم " فزادهم هذا الكلام حنقا وصرخوا في وجهه : " لابد من موتك ! لابد أن تموت ! " .
وأزت الريح وصفرت لهذه الصرخة ، وهتك البرق حجب الظلمة . فنظر دانكو إلي أولئك الذين تحمل المشاق من أجلهم فرآهم قد انقلبوا وحوشا ضارية . وكان من حوله الكثير منهم فلم يتبين في وجوههم ترفعًا أو شفقة ، فاشتعلت في صدره نار الغضب ، لكنها لم تلبث ان انطفأت عطفاً عليهم . فقد كان يحب هؤلاء الناس ، ويري أنهم لولاه لختم على مصيرهم . واندلع قلبه وضاء بالرغبة في خلاصهم ، وفي السير بهم في طريق سهلة ، وأطلقت عيناه شرر هذه النار الهائلة . لكنهم حين رأوا ذلك منه حسبوه حنقا ، وحسبوا عينية تضيء بنار البغضاء ، فتربصوا له كالذئاب ، ذلك أنهم ظنوا انه مقاتلهم ، ومدافعهم عن نفسه ، وازدادت حلقتهم من حوله ضيقا ، وخناقهم تضييقا بغية امتلاكه وليستطيعوا البطش به . فحذر دانكو غرضهم ، وازداد قلبه اشتعالا ، ولهيبه اندلاعاً ، لأنه آله هذا الغدر منهم
واسترسلت الغابة في أغنيتها الجهمة ، وقصف الرعد ، وجاء الغيث . ودوى صوت دانكو اقوي من قصف الرعد . وبغتة مزق صدره بيديه ، وانتزع قلبه منه ، ورفعه فوق رأسه
فأضاء لهيبه كالشمس وأسطع من الشمس وخرست الغابة بأسرها ، وقد اضاءتها هذه الشعلة من حب الانسانية ؛ وتبددت الظلمة من وضاعتها ، وتراجعت بعيدا في الغابة حيث غرقت ترتعش في فوهة المقن من المستنقع . ووقف القوم المذهولون وكأنهم بعض مسوخ الحجارة .
وصاح دانكو بهم : " هلموا ! " وانطلق إلي مكانه في المقدمة رافعا قلبه المضطرم ، ومضيئا لقومه الطريق . فانطلقوا وراءه مجذوبين مسحورين ، فعادت الغابة هنا إلي لغطها ، تهز أعالي الأشجار من عجبها ، لكن ضوضاءها لم تلبث أن اغرقها وقع خطى الماضين ، وكانوا جميعا يغذون السير مندفعين ؛ تجذبهم حركة القلب المشتعل ، وانفعاله العجيب وقد قضى في هذه المرة الكثير لكنه لم ترتفع شكاة ولم تذرف دموع . وكان دانكو دائما في المقدمة مشتعل القلب على الدوام
وبغتة انفرجت الغاية ، وتخلفت وراءهم كثيفة خرساء . وغاص دانكو وقومه في بحر زاخر من نور الشمس والهواء النقي البليل ، وتركوا العاصفة وراءهم تطغى علي الغاية ، ليشهدوا الشمس هنا تشع ، والسهب يتنفس ، والسكلا
يتلألأ بقطرات المطر ، والنهر يلتمع كالنضار... وأقبل المساء ، واكتسى النهر من الشمس الغاربة حمرة كالدم الذي يسيل شعاعه الحار من صدر دانكو الممزق
وألقي دانكو الفخور الشجاع المحتضر نظرة علي السهب الواسع - ألفي نظرة راضية علي الأرض المنبسطة أمامه ، وضحك راضياً . ثم سقط صريعاً
فتهامست الأشجار المتخلفة عجباً ، واشترك معها السكلا المبلل بدم دانكو في الهمس
لكن قومه المغتبطين المؤملين لم يفطنوا إلي موته ، ولم يروا أنه كان إلي جانب جثمانه قلب جريء يحترق . لم يفطن إلى ذلك سوى رجل حذر منهم ، فلما تولاه الذعر وطئ من ذعره هذا القلب الجسور . . فانطفا وجعل وهو يضمحل يتطاير منه الشرر . .
ولما فرغت العجوز من اقصوصتها ساد المهب سكون رهيب ، كانما مجزه صنيع دانكو الذي احرق قلبه افتداء للناس ثم مات لا يطمع منهم في جزاء ولا شكور . وغلب العجوز النعاس وهي مستندة إلى سلة عنها . وهبت ريح أطارت أسمالها عن صدرها الهزيل ، فسترت جسمها الفاني واستلقيت إلي جانبها على الأرض . وكان السحاب يسير في السماء ، وليداً ، والبحر يهدر هديراً مكتوما حزينًا ، والعجوز ايزرجبل تنام نوما عميقاً . . لم تستيقظ منه بعد ذاك
