الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324 الرجوع إلى "الثقافة"

الشرر الأزرق، لمكسيم جوركى

Share

قالت العجوز ايزر جيل تقص علي قصة الشرر الأزرق الذي يتراءى قبل العاصفة في هذا السهب(1) :

" كان في سالف الزمان اناس يعيشون فوق هذه الأرض ، أين - لا أعلم ، إنما أعلم أن غايات عظيمة كثيفة كانت تحيط بمنازل هؤلاء الناس من ثلاث جهات ، وأن الجهة الرابعة كانت مفتوحة على السهب . وقد كانوا قوما مرحين - أقوياء جريئين ، يقنعون بالقليل . . .

وأغلب الظن أنهم كانوا من النسور . لكنه ألم بهم يوما وقت عصيب ، فقد ظهر عليهم من مكان ما قبائل أخرى وطردوهم إلى قلب الغابات . وكان هناك مستنقعات ، وكان ظلام ؛ فالغاية قائمة من قديم الزمان ، وفروعها متضافرة لا ترى منها قبة السماء ، ولا تكاد اشعة الشمس أن تنفذ إلي مستنقعاتها من عريشها الكثيف ؛ فإذا وقمت مع ذلك تلك الاشعة على ماء المستنقعات تصاعد فيها بخار كريه ، وتردى في هذا البخار هؤلاء الناس واحدًا بعد الآخر . فيبكي نساء القبيلة والأطفال ، ويفكر الرجال ويتولاهم الغم من سوء الحال .

لم يكن يد إذًا من الرحيل عن هذه الغابات ، ولذلك طريقان : الأول يؤدي إلى الوراء ، وهناك الأعداء الأقوياء الأردياء . والثاني إلى الإمام حيث الأشجار الباسقة المتوشجة الأغصان ، الممتدة الأصول والجذور المعقدة في وحل المستنقعات ، وكأنما هذه الاشجار قدت من صخر ، فلا همس ولا حراك . وهي بالنهار غارقة في غبش أغير ، فاذا جن الليل وأوقدت النيران ، أطبقت على القوم

أيما اطباق ، فسواء بالليل أم بالنهار ، فمن حول هؤلاء الناس طوق يضيق الخناق على من ألف سكنى العراء .. وأهول من ذلك على هؤلاء ، حين تهب الريح على أعالي الإشجار ، ويعم الغابة بأسرها هرير وتهديد ، وتغتى الغابة لاجئيها اللأئذين بها من بطش الأعداء أغنية الهلاك

لقد كانوا مع ذلك قومًا أقواء . وكانوا خلقاء أن يقاتلوا هازميهم قتالا ضروسًا ، لكنه كانت لهم ذرية ضعاف ، فلو فتوا في حربهم لضاع بفتائهم الصغار ، فكانوا يسهرون الليالي يفكرون ، والغابة من حولهم تلفظ لفظها الأجش ، والمستنقعات البخرة ترميهم بأنفاسها السامة ، والظلال ترقص من نارهم رقصها السامت ، وكان ما حولهم ليس ظلالا راقصة بل أطباقًا شامتة من عقاربت الغاية والمستنقعات ، وطال بهم الجلوس والتفكير ؛ ولا شئ بوهن الجسم والروح كالأشجان التي تمتص الدماء من القلوب ؛ فوهن القوم من الفكر ، ونهض بينهم الخوف فقيدهم بذراعين قويتين ، ودب الذعر من ولولة النساء على جثث الفانين بأنفاس المستنقع ، وعلى مصير الباقين ممن فلجهم الخوف - وتعالت في الغابة أصوات الجبن ، خافتة هيابة في أول الأمر ، فمرتفعة أبدًا رويدًا رويدًا . . حتى قام بأنفسهم أن يسلموا أنفسهم للعدو ، ويسلموا حريتهم . وما خوف العبودية بعد أن أفرعهم الموت . لكنه ظهر من بينهم ) دانكو " فأنقذهم أجمعين .

كان دانكو واحدًا منهم ، وكان شابا وسيما . والوسماء دائما شجعان ، فقال لرفاقه :

الأفكار لا تخلي الطريق من الأحجار ، فمن لم يعمد إلى الأفعال لم تتغير له حال . فقيم تبديد القومي بالفكر والهلع ؟ فانهضوا جميعًا ، ولنضرب في الغاية وتجتزها فلابد لها من آخر . وكل شئ في هذه الأرض إلى انتهاء والآن هلموا !

فنظروا إليه ، فألفوه خيراً منهم جميعاً ، ففي عينيه قوة وعزم وبريق

قالوا : لتكن قائدنا ! فكان قائدهم قادهم دانكو ، وتبعوه على بكرة أبيهم ، وآمنوا به . وكان طريقهم وعرا ، والظلام حالكا ، وعفن المستنقع فاغراً فاه يلتهمهم واحدا واحدا ، والأشجار تسد سبيلهم فكأنها جدار من أحجار ، والأغصان ملتوية متشابكة كأنها أفاع ؛ وفي كل مكان تمتد الأصول والجذور ؛ وفي كل خطوة يتصبب العرق وتسيل الدماء . . ومضوا على هذه الحال تزداد الغابة كثافة كلما أوغلوا فيها ، وتتناقص قواهم ، فبدأوا يتذمرون من دانكو ويتساءلون إلي اين يسوقهم هذا الغر العديم الخبرة ؟ لكنه ظل يتقدمهم ، شجاعا مرح النفس . وفيما هم سائرون هزم الرعد فوق الغابة ، وجعلت الأشجار تتهامس تهامسها الأجش المنذر بالشر . وحلك الظلام حلوكة ، فكأن كل ما انصرم من ليال من بدء الدنيا إلي ذلك الحين قد تجمع فجأة في تلك الليلة

وسار الأقزام بين الأشجار المردة ؛ وسار القوم بين دوى البروق ونذيرها الخاطف ، وتمايلت الأشجار تطقطق وتطن بأغانى الغضب ، واضاءت البروق المختاجة فوق الأعالي ظلام الغابة لحظة بنور أزرق بارد ، واختفي ذلك الضوء خطفاً كما جاء خطفاً ، فأفزع القوم وهزأ بهم . وبدت الأشجار التي اضاءها البرق بنوره القارص وكانها اذرع حية طويلة معروفة ممتدة إلي أولئك الفارين من أسر الظلام لتحتيلهم ، وتردهم إلى الأسر رعب وظلام وبرد تطل جميعاً من حلوكة الاغصان على السائرين ، فياله من مسير ! وقد فقد أولئك الذين اضناهم ، شجاعتهم . لكنهم خجلوا من ان يعترفوا بضعفهم ، فانقضوا على الإنسان الذي يتقدمهم وقد وغرت صدورهم ، وجاشت بالشر ، وانهالوا عليه لوما وتقريعًا لأنه في رأيهم

لم يحسن قيادهم .

وكفوا عن السير ، وجعلوا يقاضون دانكو وقد بلغ منهم التعب والغيظ ، ولغطت بينهم الغاية لغط الشامت ، وشملهم الظلام بقشعريرته .

قالوا له : " إنك إنسان لا نفع فيك ، وفيك كل الأذى لنا . لقد أضللتنا ، وأنهكت قوانا ، فلا بد من موتك جزاء لك " .

وبرق البرق ، وقصف الرعد ، فصدق كلاهما على حكم الموت .

لكن دانكو صاح بهم : " لقد طلبتم مني أن أقودكم وقد قدتكم " وتقدم إليهم متحديا إياهم : " لقد أوتيت الشجاعة لقيادكم . وانتم ؟ ماذا فعلتم لتعينوا انفسكم لقد سرتم . وهذا كل ما فعلتموه . لكنكم لم تقووا على المضى في السير . لقد سرتم فحسب ، سرتم كما يسير قطيع الغنم " فزادهم هذا الكلام حنقا وصرخوا في وجهه : " لابد من موتك ! لابد أن تموت ! " .

وأزت الريح وصفرت لهذه الصرخة ، وهتك البرق حجب الظلمة . فنظر دانكو إلي أولئك الذين تحمل المشاق من أجلهم فرآهم قد انقلبوا وحوشا ضارية . وكان من حوله الكثير منهم فلم يتبين في وجوههم ترفعًا أو شفقة ، فاشتعلت في صدره نار الغضب ، لكنها لم تلبث ان انطفأت عطفاً عليهم . فقد كان يحب هؤلاء الناس ، ويري أنهم لولاه لختم على مصيرهم . واندلع قلبه وضاء بالرغبة في خلاصهم ، وفي السير بهم في طريق سهلة ، وأطلقت عيناه شرر هذه النار الهائلة . لكنهم حين رأوا ذلك منه حسبوه حنقا ، وحسبوا عينية تضيء بنار البغضاء ، فتربصوا له كالذئاب ، ذلك أنهم ظنوا انه مقاتلهم ، ومدافعهم عن نفسه ، وازدادت حلقتهم من حوله ضيقا ، وخناقهم تضييقا بغية امتلاكه وليستطيعوا البطش به . فحذر دانكو غرضهم ، وازداد قلبه اشتعالا ، ولهيبه اندلاعاً ، لأنه آله هذا الغدر منهم

واسترسلت الغابة في أغنيتها الجهمة ، وقصف الرعد ، وجاء الغيث . ودوى صوت دانكو اقوي من قصف الرعد . وبغتة مزق صدره بيديه ، وانتزع قلبه منه ، ورفعه فوق رأسه

فأضاء لهيبه كالشمس وأسطع من الشمس وخرست الغابة بأسرها ، وقد اضاءتها هذه الشعلة من حب الانسانية ؛ وتبددت الظلمة من وضاعتها ، وتراجعت بعيدا في الغابة حيث غرقت ترتعش في فوهة المقن من المستنقع . ووقف القوم المذهولون وكأنهم بعض مسوخ الحجارة .

وصاح دانكو بهم : " هلموا ! " وانطلق إلي مكانه في المقدمة رافعا قلبه المضطرم ، ومضيئا لقومه الطريق . فانطلقوا وراءه مجذوبين مسحورين ، فعادت الغابة هنا إلي لغطها ، تهز أعالي الأشجار من عجبها ، لكن ضوضاءها لم تلبث أن اغرقها وقع خطى الماضين ، وكانوا جميعا يغذون السير مندفعين ؛ تجذبهم حركة القلب المشتعل ، وانفعاله العجيب وقد قضى في هذه المرة الكثير لكنه لم ترتفع شكاة ولم تذرف دموع . وكان دانكو دائما في المقدمة مشتعل القلب على الدوام

وبغتة انفرجت الغاية ، وتخلفت وراءهم كثيفة خرساء . وغاص دانكو وقومه في بحر زاخر من نور الشمس والهواء النقي البليل ، وتركوا العاصفة وراءهم تطغى علي الغاية ، ليشهدوا الشمس هنا تشع ، والسهب يتنفس ، والسكلا

يتلألأ بقطرات المطر ، والنهر يلتمع كالنضار... وأقبل المساء ، واكتسى النهر من الشمس الغاربة حمرة كالدم الذي يسيل شعاعه الحار من صدر دانكو الممزق

وألقي دانكو الفخور الشجاع المحتضر نظرة علي السهب الواسع - ألفي نظرة راضية علي الأرض المنبسطة أمامه ، وضحك راضياً . ثم سقط صريعاً

فتهامست الأشجار المتخلفة عجباً ، واشترك معها السكلا المبلل بدم دانكو في الهمس

لكن قومه المغتبطين المؤملين لم يفطنوا إلي موته ، ولم يروا أنه كان إلي جانب جثمانه قلب جريء يحترق . لم يفطن إلى ذلك سوى رجل حذر منهم ، فلما تولاه الذعر وطئ من ذعره هذا القلب الجسور . . فانطفا وجعل وهو يضمحل يتطاير منه الشرر . .

ولما فرغت العجوز من اقصوصتها ساد المهب سكون رهيب ، كانما مجزه صنيع دانكو الذي احرق قلبه افتداء للناس ثم مات لا يطمع منهم في جزاء ولا شكور . وغلب العجوز النعاس وهي مستندة إلى سلة عنها . وهبت ريح أطارت أسمالها عن صدرها الهزيل ، فسترت جسمها الفاني واستلقيت إلي جانبها على الأرض . وكان السحاب يسير في السماء ، وليداً ، والبحر يهدر هديراً مكتوما حزينًا ، والعجوز ايزرجبل تنام نوما عميقاً . . لم تستيقظ منه بعد ذاك

اشترك في نشرتنا البريدية