الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 679 الرجوع إلى "الثقافة"

الشرق فى أدب الغرب

Share

في قصة " الواثق " للكاتب الإنجليزي بيكفورد

في هذه القصة الغريبة لعب الخيال والخرافة بعقل المؤلف إلى درجة تثير الدهشة . فرغم أن بيكفورد يعد من أكثر الناس اطلاعاً في عصره ( القرن الثامن عشر ) ، إلا أنه فضل في حديثه عن الشرق أن يتساق وراء الأوهام ، وأن يتبع خطوات عقله الواسع الخيال فيخرج لنا قصة لا صلة لها بالواقع ولا حتى بال " معقول " . قصة تشبه حكايات " ألف ليلة وليلة " في كثير من أركانها . .

وبطلها هو " الواثق " ، " الخليفة التاسع من بني العباس ، وابن الخليفة المعتصم ، وحفيد هرون الرشيد " . وقد اتخذ من بلدة سامرأ عاصمة لملكة فبني قصراً بها يفوق في فخامته وبذخه كل القصور التي أقامها أسلافه وكان القصر مكوناً من أجنحة يصفها لنا الكاتب بإيجاز ، فيقول :

" في الجناح الأول أقيمت موائد تغطيها دائما أغلي صنوف الطعام وأطيبها ، وتقوم فرقة من الطهاة على تموينها ليل نهار ، بينما تنفجر خير أنواع الخمور والأنبذة من ينابيع مائة لا تنفد خبراتها أبدا . وقد أطلق على هذا الجناح من القصر اسم " المأدبة الخالدة " . . .

" كما أطلق على الجناح الثاني اسم " معبد النعم ، أو خمر الروح " . ويقيم فيه أبرع الموسيقيين وأنبغ شعراء العصر ، فيردد كل ركن من أركانه الحانهم الشجية . . .

" ويعرف الجناح الثالث باسم " بهجة الأعين ، أو عماد الذاكرة " . وقد جمعت فيه الأشياء والكائنات الغربية من سائر أنخاء الأرض . . .

" وكان هناك أيضا الجناح المسمى بقصر العطور أو قصر روائح اللذة . . " أما الجناح الخامس فقد كان معروفاً باسم " صومعة البهجة " أو " الجناح الخطر " ، وتؤمه جماعات من الحسان

الصبايا ، في جمال حوريات الجنة وفتنهن . . " وإن هذا الوصف لقصر الخليفة ليدل في وضوح على ما كان يتخيلة الغريبون من تهالك حكام الشرق علي اللذات وإسرافهم في إمتاع أجسادهم بكل أطايب المعمورة : أحسن أنواع الطعام ، وخبر صنوف الخمور ، وأذكي العطور . وأجمل النساء ، إلخ .

لكن الواثق لا يرضي بهذه الحياة المترفة المنعمة ؛ فهو مصاب بداء شفاؤه محال : داء حب الاستطلاع والفضول الذي لا حد له . ولذلك فحينما استعصى عليه حل بعض الرموز السحرية الغريبة وقع في حالة من اليأس الشديد انت على صحته وعقله ؛ حتى جاء لنجدته عفريت شديد اليأس يعرض عليه من فنون الجن ما يفتنه عن دينه ، ويلهيه عن شعبه ، ويدفعه إلي ارتكاب أشنع الجرائم . وأخيراً ينقاد الخليفة لغريزة الفضول ولغواية الشيطان ، فيرحل عن عاصمته ليغزو بلاد الجن في باطن الأرض ، ويفتح كنوز الملك سليمان . ويستولي على سلطنته . وفي إحدي مراحل هذا السفر الشاق يلجأ الواثق إلى ضيافة الأمير " فخر الدين " صاحب " الوادي السعيد " ويقع في غرام ابنة أخيه الأميرة الطموح " نور النهار " التي تحثه على تنفيذ مشروعه العجيب للسيطرة على عالم الأسرار . فمضي الواثق في طريقه حتى يصل إلى أبواب المملكة السفلى . . ويستقبله الشياطين ويقودونه إلى كبيرهم  إبليس . . .  يقول الكاتب :

" كانت هناك منصة ضخمة يسجد حولها عدد كبير من الشيوخ والعفاربيت ، ويجلس عليها إبليس القوي البأس : أما مظهره فكان مظهر فتى تنم سماته النبيلة وقسماته الجميلة عن شر دفين ، وفي عينيه الواسعتين يبدو الغرور والبأس ، وشعره المرسل يسيغ عليه شيئا من صورة ملائكة النور ؛ وكان يمسك في يده ، التي سودتها نار البرق ، عصا الملك الذهبية التي ترتعد لها اوصال العفاريت والشياطين وسائر قوي العالم السفلي . . " وهنا يعلم الخليفة البائس مصيره المفزع : لقد أدى

من الخدمات لإبليس علي الأرض ما جعله يرضى عنه ويرغب في مكافته . ولذلك فهو يسمح له بارتياد أركان العالم السفلى والتفرج على كنوزه التي لايحصيها خيال . ولكنه بعد ذلك مقضي عليه بالعذاب الحمال المحتوم ليكفر عما أجرمه في دنياء

خلاصة القول أن الواثق صورة خيالية مبتكرة من صور " فاوست " عقد معاهدة خاسرة مع الشيطان . ولم يدرك خطأه ، إلا بعد فوات الأوان . وذلك في إطار شرقي يمتاز بالابتعاد عن الواقع والضرب في الخرافة إلى أبعد مدى . . .

في " قصة راسلاسي " للكاتب الإنجليزي سامويل جونسون

هذه قصة تدور حواديتها في أقصى جنوب وادي النيل وفي القاهرة . وبطلها هو الأمير راسلاسي ، الابن الرابع لملك الحبشة العظم الذي يسيطر علي مناج النيل أو " أبي الماء "  على حد تعبير المؤلف .

وكان من عادة هذه البلاد البعيدة أن يحبس أولاد الملوك وأفراد الأسرة المالكة ( ما هذا الملك طبعا ) في حديقة واسعة تحوطها الأسوار الجبلية من كل ناحية . ولا يفتح بابها إلا مرة في العام ، وقد وضع هذا النظام الغريب دافع التنافس والتشاحن بين الطامعين في الملك . وقد استخدمت جميع الوسائل التي يمكن أن توفر الراحة لهؤلاء المساحين حتى لا يشعروا بالقيد المضروب حولهم ، وتظمت الحديقة المغلقة  على صورة جنة أرضية رائعة لا يشيع للمرء من نعيمها .

ولكن الأمير راسلاسي كان يمتار بروح شديدة الحساسية تواقة إلي الحرية والمعرفة . فالم يرض بهذا القفص الذهبي الذي فرض عليه أن يعيش فيه ، وراح يبحث عن وسيلة للخروج والانطلاق في هذا العالم الواسع الذي لا تصله منه إلا نتف من أخبار ، ويحاول معلمه أن يثنيه من رغبته هذه قائلاً : " لو عرفت بؤس الحياة الدنيا لقدرت النعيم الذي أنت فيه حق قدره " . فيرد الأمير عليه برداً مفحماً ؛ " إنى إذا أرغب في رؤية هذا البؤس لكي أعرف قيمة ما أنا فيه من نعيم ، فأعيش سعيدا ! " .

وكان في حاشية الأمير رجل شاعر ، دمث الأخلاق . جرب الحياة في مختلف البلاد وطاف بالكثير من أقطار الأرض . إسمه " إملاق "  وتتصل أسباب المودة بين

الشاعر والأمير . فيتعاونان على الخروج من الجنة . . وفعلاً يتوصلان بعد مشقة إلى خرق سور الحديقة ، يتلحق بهما الأميرة " نقية " فيخلص الجميع إلي العالم الخارجي حيث يتوجهون إلى مدينة القاهرة المشهورة . .

ويستقرون بعد رحلة موفقة في عاصمة مصر . ويبدأ الأمير في البحث عن نوع الحياة التي ينبغي أن يحياها .

وهذا في الحقيقة هو جوهر القصة : " كيف يختار الإنسان الحياة المثلي . وما هي هذه الحياة المثلى " أو على حد التعبير الإنجليزي - The Choice Of Life- و أظن أن الدكتور جونسون لم يكتب القصة إلا لدراسة هذا الموضوع الإنساني العميق الذي يشغل بال كل مفكر منذ كان الفكر .

يقول إملاق الشاعر للأمير راسلاسي : " قليل من الناس يعيشون الحياة التي يرغبونها . وكل إنسان فرضت عليه أنواع معيشته تبعاً لظروف خارجة عن إرادته . . . لذلك يندر أن نجد رجلاً لا ينظر بعين الحسد إلي نصيب جاره من الدنيا " . . .

ويروح الأمير الفتى يبحث عن المثل الأعلى للحياة ؛ فيجرب العيش في جميع الأوساط والبيئات ، ولكنه عاد بعد كل تجربة أكثر إيمانا بأنه لا توجد على الأرض حياة مثلي . . جرب حياة الشباب المترفين فوجدها إسرافا وفسادا وفراغا . . وعاشر الفلاسفة . فوجدهم كسائر البشر يتألمون ويعبثون ؛ ورحل إلي الريف فلم يجده أحسن حالا من المدينة ؛ وتحدث مع راهب يعيش في صومعة منعزلة ،

فالقاه ساخطا علي حياة العزلة يريد العودة إلي القاهرة ؛ واختبر العلماء فلم يزدد إلا حيرة وبلبلة . . إلخ !

وأخيرا تولاه اليأس بعد هذه التجارب الفاشلة المتتابعة . فوجد انه ليس أمامه إلا سبيل واحد ؛ الا وهو العودة إلى مسقط رأسه في أقصي الجنوب . .

هذه القصة قصة فلسفية قبل كل شئ . لم يقصد بها المؤلف وصف الشرق أو دراسة أحواله ، وإنما أراد أن يطرق أفكاراً وفلسفات تشغل بال الناس جميعا سواء كانوا في الشرق أوفي الغرب . ولكنها مع ذلك لا تخلو من وصف طريف لبعض البلاد الشرقية التي تدور فيها حوادث الرواية : مثل سوريا ومصر وفلسطين .

اشترك في نشرتنا البريدية