الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323 الرجوع إلى "الثقافة"

الشرق والغرب

Share

الدنيا اليوم كلها بركان ثائر لسنا ندري متي يهدأ وكيف يهدا : نظريات تتعارض ، ومصالح تتشابك ، ومبادئ تتخاصم ؛ ولم يبق شئ من الأسس القديمة في السياسية والاجتماع والاقتصاد والأخلاق إلا تزلزل واضطرب ، وثار ولما يهدأ .

ابتدأ البركان يثور في نقطة ، ثم عم الغرب  ، ثم امتد من الغرب إلى الشرق ، فهذا هو الشرق يتزلزل ايضا ويضطرب أيضا ، لأن العالم كله أصبح الآن شبكة كهربائية تتفاعل في سرعة البرق .

من قديم وقف الشرق والغرب معسكرين ، في الحروب وفي السياسية وفي الاقتصاد وفي المدنية وفي أساليب الحياة والتفكير ، وغلب الشرق حينا ، وغلب حينا ، وثار الجدل بين الأوربيين : هل من المصلحة ان يمدن الشرق بمدنية الغرب او يترك وشأنه ، يستغله الغرب في موارد الاستغلال ، ثم يخليه ونفسه فيما عدا

ذلك ؟ وثار الجدل بين الشرقيين انفسهم : ما موقفهم من المدنية الحديثة ؟ أيأخذونها بحذافيرها أم يتخيرون منها .

ولكن قوانين الطبيعة الجازمة الحازمة لم تعبأ بهذا الجدل ، وسارت سيرها الحثيث نحو توحيد العالم وتوحيد المدنية في جوهر الأمور ، وان اختلفت الأشكال والأعراض . ولم تكترث للحدود الجغرافية المصطنعة بين الشرق والغرب ؛ فالعلوم والفنون والأداب والأوضاع السياسية ونظم الحياة الخاصة والعامة تسربث من الغرب إلى الشرق كما تسربت قبل ذلك من الشرق إلى الغرب ، لأن القانون الطبيعي ان البقاء للاصلح والغلبة للارقي والأقوي ، والتفاعل الدائم بين المتجاورين .

والزمن يعمل عمله في هذا التوحيد بين الشرق والغرب بالرحلات والبعثات والتزاوج والصحافة والثقافة والإزاعة والتجارة في المخترعات الحديثة ورجال السياسة وأساليبهم وغير ذلك ، كلها تنقل الماديات والمعنويات من أقصى الأرض إلي أقصاها فتقرب الفكر والمدنية وتمط

قد يعوق هذا الامتزاج واتحاد المدنية عصبية من هنا أو هناك ، كعصبية دينية أو عصبية للجنس أو الدم او القارة أو اللون أو نحو ذلك ، وكلها قد تؤخر السير ولكن لا تغير اتجاهه ، فقد يقف الزمن أمام هذه العوائق ولكنه لا يلبث حتى يقوي ويكتسحها ويكمل سيره إلى غرضه غير عابئ بما يبدو من بعض القادة السياسيين من وضع العقبات ، فكل هذه تنهار أمام القانون الطبيعى في أن سكان الأرض وحدة تتفاعل ويأخذ متخلفها في نفس الطريق الذي سار فيه متقدمها .

قبل ثلاثة قرون ونصف لم تكن هناك هذه الفروق بين الشرق والغرب ، فان كان ولا بد فالشرق كان يسبق الغرب في مدنيته وحضارته ووسائل حياته . ثم حدث في أوائل القرن السابع عشر أن اكتشف الغرب وسائل للعلم التجربي جديدة بني عليها ثروته الصناعية والاقتصادية ، ومن هنا بدأت نقطة التحول والتفوق . ومن نحو قرنين تضاعفت قوة الغرب باكتشافه بعض قوانين الطبيعة ومعرفته كيف يتغلب عليها ، وافتتح عصرا جديدا عماده البخار والكهرباء . والشرق في هذه القرون الثلاثة كان يعتمد على وسائله القديمة الخالية من البخار والكهرباء فتخلف ، وكان هذا هو الفرق الكبير الذي نراه الآن . وليس هذا فرقا طبيعيا في عقلية الأمم ، فالتاريخ علمنا أن التفوق والنبوغ يتحول ويتنقل بين الشعوب لأسباب نفهم بعضها ونعجز عن فهم بعضها ، كنبوغ الأفراد يظهر من حيث لا نعلم ، فقد ينبغ من بيت حقير ومن بيت عظيم ومن أسرة وضيعة ومن اسرة نبيلة ومن قرية ومن مدينة ومن اكثر الناس علما ومن أقلهم علما . وهكذا نبوغ الأمم ، حملت رايته الصين حينا والهند حينا واليونان حينا وبغداد حينا والقاهرة حينا ، وجاء دور الغرب فحملها ، وهو دور كسائر الأدوار ، فلا

معنى للتبجح بدعوي التفوق الطبيعي والاستمرار الزمنى والمكاني ، فما على الشرق إلا ان يأخذ بالوسائل التي اعتمد عليها الغرب من العلم التجريبى واستخدام البخار والكهرباء ، حتى تتغير مدنيته وحياته وأخلاقه ويتبوأ مكانه

وليس كل الذنب في تقصير الشرق راجعا إليه وحده . نعم إنه تكاسل وتوافي واخلد إلى الراحة حينا طويلا ، لكن جزءا كبيرا من المسئولية يرجع إلى الغرب ، فهو لم يأخذ بيده إلي الآن كهاد ومرشد ؟ بل هو إذا رأي الشرق ينتبه ويدرك سر التقدم الغربي ويبدأ في ان يسير سيرته ويحذو خطوه صده ووقف في سبيله لمنفعة له وقتية أو نظر أناني قصير أو استغلال مادي حقير ؛ إن اراد استخراج الحديد من أرضه لم يشجعه ، وإن اراد ان يغزل قطنه لم يؤيده ، وإن اراد ان يقوي جيشه لم يفسح الطريق له ، وإن أراد أن يصلح سياسته كمايري وكما ينبغي لم يمكنه من ذلك ، ثم عيب عليه تقصيره وتخلفه وانهم بان عجزه طبيعة فيه

إن المدنية الغربية قامت على أكتاف أشخاص يعدون على الأصابع امثال جاليليو و كبلر وهارفي ونيوتن وغيرهم ، لو منح مثلهم الشرق لتحول تحولا خطيرا وسار إلي الإمام سريعا . ولكن له منح الغرب هؤلاء ، ولم يمنح الشرق مثلهم ؟ ان البيئة الشرقية الحاضرة لا تسمح بخروجهم لا لطبيعة الشرق ففي القديم أخرج الشرق من العظماء ما لم يخرجه الغرب ، ولكن لان الظروف الاجتماعية والسياسية في العصور الحاضرة لا تسمح بخروج هؤلاء النوابغ في الشرق ، والمسئول عن ذلك الشرق بخموله والغرب بضغط قوته وسلطاته . وفي حدود التملص من هذه القيود استطاع الشرق ان يرتقي بعض الرقي ، وينهض بعض النهوض .

لقد بنيت المدنية الغربية - كما يقولون - على أركان

أربعة مادية وأربعة معنوية ( ١ ) تمكين كل فرد أن يعمل لترقية نفسه حسب ملكاته وقواه ( ٢ ) استغلال الأراضي احسن استغلال حسب خصوبتها ( ٣ ) استخدام الأمة الطبيعة التى حولها لمصلحتها (٤ ) تصريف سلعها ومنتجاتها في أوسع دائرة من الأسواق ( ٥ ) العناية بتأسيس الأخلاق القومية لا الأخلاق الفردية وحدها ( ٦ ) غرس المباديء التي توحي بشدة المحافظة على الحقوق - والمطالبة بها إذا أهملت- وأداء الواجب ( ٧ ) حب الحرية وعشق النظام ( ٨)حب المغامرة والميل إلي الإقدام والرغبة في التجديد . وماعدا ذلك فأمور سطحية كالعادات والتقاليد في الأفراح والجنائز والزواج والطلاق والملابس ونحو ذلك .

ولست اري ما يمنع الشرق من السير على هذه الاسس إذا اخلص قادته من جهة وافسح له الغرب طريقه من جهة أخرى .

لو أحطنا الشرقي بكل بيئة الغربي السياسية والاجتماعية وثقفناه بالعلم وربيناه على النهج الغربي لكان كالغرني في تفكيره وميوله وأخلاقه ، والعكس ، بدليل ماتري من أن الفروق تتضاءل جدا بين المثقفين الشرقيين والمثقفين الغربيين في العقلية ، وتتضاءل بين من عاشوا في انجلترا أو فرنسا أو المانيا في الأخلاق . فكيف إذا اتحدوا في أشكال الحكومات والنظم السياسية وما إلى ذلك ؟

قد يظهر بعض الفوارق في مزاج الشرق والغرب ، فالشرق أميل إلي التأمل والغرب أميل إلي العمل ، والشرق اميل إلى النظر للماضي في تاريخه والمستقبل في جنته او ناره ، والغرب اميل إلى النظر لحاضره في دنياه ، والشرق اميل إلي النظريات وإلى التجريد ، والغرب اميل إلى التطبيقات وإلى الواقع ، والشرق يميل إلى ماوراء المادة ، والغرب يميل إلى التغلب على الطبيعة وضبطها بالعلم

ولكن هل هذه الفروق وأمثالها توجب التعدد والإنقسام والنظر العالي إلي الأسفل والنظر الأسفل إلى العالي ؟ أو هي فروق كالفروق التي بين أفراد الأسرة يكون فيها المذكر والمؤنث وقوى العاطفة وجامدها والاديب والعالم ، وهذه الفروق لم تمنع ان تتكون منها اسرة متوحدة متعاونة متحابة.

الحق أن ليست هناك حضارة غربية وحضارة شرقية ، فما نسميه اليوم حضارة غربية بعض نتاج الصين في اكتشافها صناعة الورق والطباعة والبارود ، وبعض نتاج الهند والعرب في العلوم الرياضية والفلسفة ، كما انه بعض نتاج فلسفة اليونان وعلمهم وفلسفة المحدثين وعلمهم امثال كانت وجاليليو ونيوتن ؛ فالعلم والفلسفة والاختراع والمدنية مدينة للنوابغ من جميع انحاء العالم من هند وصين وعرب ويونان وانجليز وفرنسيين وألمانيين ، فتسميتها بالحضارة الغربية تسمية بمن احتل اعلي طبقة في البناء الذي شيده ، العالم منذ نشأته واشترك في تشييده النوابغ من كل صيقع ومن كل جنس . وتسمية البناء باسم سكان الطبقة العليا تسمية تعسفية أو اصطلاحية أو هي كالبطاقة توضع على السلعة للتعريف بها

وكذلك لا أفهم معني للشرق والغرب بالتفسير الذي يقصدونه ، وهو ان هناك فروقا خلقية وطبيعية بين سكان في بقعة وسكان في بقعة اخرى ، وان هذه الفروق قدر محتم كالقدر الذي جعل هذا حجرا وهذا نباتا وهذا حيوانا وهذا برا وهذا بحرا ، وانه من المستحيل ان يتحول هؤلاء إلى أولئك ولا اولئك إلى هؤلاء . وعبروا عن هذا المعنى بقولهم : " الشرق شرق والغرب غرب " أي كما نقول الأرض أرض والسماء سماء

فهذه نظرية خلقها التعصب وخلقتها السياسة . والحق أن القوانين الطبيعية لا تعرف هذه الحدود الفاصلة ، وإنما

تعرف موجات يتموج بها العالم كله ، وتعرف أن الرقي العقلي وحضارة العالم وعلمه وخلقه سلم واحد تقف منه الآمم على درجات وتقف كل أمة منه على قدر استعدادها وجدها ، وان ليست الدرجة العليا وفقا على قوم دون قوم ولا على جنس اسمه الغرب دون جنس اسمه الشرق ، بل الدرجات تتبادل والدرجة العليا تحتلها الامم بالتناوب ، وكل امة بلغت أعلى درجة في شئ افسحت الطريق امام الآخرين ليبلغوها وقد يزيدون عليها . وليست الامم تماثيل واقفة على سلمها لا تتعداه ، فالعالم لا يعرف السكون وإنما الحركة ، والسلم عليه دائما حركات بهلوانية يرتفع عليه قوم وينخفض آخرون

لقد وسع الهوة بين ما يسمي بالشرق وما يسعي بالغرب طائفتان : رجال الدين ورجال السياسة . فأما رجال الدين فقد شاء القدر أن يكون ما يسعي بالغرب مسيحيا وما يسعي بالشرق مسلما أو بوذبا أو غير ذلك ، فنشط رجال الدين يبشرون ، وكان من وسائل ذلك الرمي بالانحطاط والضعف وتصوير الشرق في صورة وضيعة ، واستتبع ذلك رد فعل من الشرق بالكراهية والنفور والتحفظ وسوء الظن وما إلى ذلك وأما رجال السياسة فقد لعبت برؤوسهم الوطنية ، ولعبت الوطنية دورها في العداء بين الأمم الأوربية نفسها ، ولكنها وجدت مجالها الفسيح فيما يسعي بالشرق فتسابق الساسة الأوربيون أن يقدموا لأممهم الهدايا من الشرق بالاستعمار والانتداب والتدخل وبسط النفوذ . وكلما كان الكسب أكثر كانت الأوسمة والألقاب التي يكافأ بها على الوطنية أكثر . وكما حصل رد الفعل من رجال الدين حصل كذلك من رجال السياسة ، فقوبلت وطنية الغرب بوطنية الشرق ، وحصل النزاع المستمر بالقلم دائما وبغير القلم أحيانا

ولا شفاء من هذا إلا بتعديل الأساس وهو إلغاء الشرق والغرب بالمعني الذي تعورف عليه إلي اليوم ، والنظر إلي العالم

كوحدة وتبادل المصالح عن طريق التعاون لا طريق الاستغلال ، وإحلال الانسانية محل الوطنية.

لو فكر الساسة تفكيرا عميقا وحسبوا ما يكسبون حقا وما يخسرون حقا من نظرتهم القديمة لوجدوا الخسارة أكثر من الكسب ، وأن المصالح المشتركة يمكن التفاهم عليها عن طريق التعاون والأخذ والعطاء لا عن طريق الأخذ قسرا من غير عطاء ، ولا عن طريق الوطنية الضيقة بالنظر إلي الكسب فقط

وقد آن الأوان لتعديل هذا الاساس ، فما يسعي الشرق لم يعد طفلا غرا يضحك عليه باللعب ، وما يسعى الغرب قد ذاق مرارة الوطنية الحادة ، ودعاة الاصلاح منهم يكثرون ويكثرون من الدعوة إلى الإنسانية بدل الوطنية حتى في معاملة الأمم المهزومة

وتعديل الأساس على هذا المنوال هو ما تنادي به الطبيعة نفسها وما ينادي ، تقدم العلم وتقدم الاختراع الذي جعل من العالم وحدة . والقوانين الطبيعية لا ترحم فان سمع اليها القادة فبشرهم بنعيم مقيم وإلا فبعذاب أليم

اشترك في نشرتنا البريدية