هذه طبقة من الشعراء تقابل طبقة " الفحول " ذهبوا في غمار الحياة ، فخفتت اسماؤهم ، ونصلت الوانـهم ، وبلي تاريخهم . وكأنما استبد الشعراء الفحول بحظ الشعر كله ، إذ مضوا في سماء المجد صعدا ، فسمت إليهم أبصار الناس ، واطالوا التحديق فيهم ، والتأمل في قسماتهم ، والتعجب من محاسنهم . وقد فتنهم منهم انهم يحيون في معارج الأفلاك ، لا في مدارج الأقدام ، فانصرفوا عمن يعيشون حولهم من الشعراء ، يقتحمونهم بأبصارهم ، وقلما يقفون عليهم .
وليس كل هؤلاء " الفحول " قد أصعدتهم في السماء عبقريتهم ، ورفعتهم عن مستوي الناس قوتـهم ؛ ففيهم العبقري الذي يشتعل ضميره بلهيب العبقرية ، فهو يأبي ان يسكن إلي ما يسكن الناس إليه ، أو يقر فيما يقرون فيه ، أو يقنع بما يقنعون به .
وفيهم المشعوذ الذي يحتال الحيل ، ويصطنع المخاريق ، ويسحر أعين الناس ويسترهبهم ، فسلكوه مع العباقرة في نمط ، وجعلوا يصعدون فيه أبصارهم ، وقد أخذهم الهول ، كما كان أصحاب مسيلمة ينظرون إلى " ملك الوحي " الهابط عليه ، ويستمعون إلى حفيف أجنحته ، وما هو إلا رق وكاغد وراية شادن .
ومنهم دون ذلك : رجل لم ترفعه عن الناس عبقريته ، ولم ترتق به في السماء خدعه ومخاريقه ، وإنما هي ملابسات الحياة العجيبة ، سخرت له من ذوي السلطان واصحاب البسطة والمقدرة - ممن يشرفون على دهماء الناس من عل ، او يستشرفهم الناس من اسفل - من جذبه نحوه ، ورفعه إليه ، وبوأه مكانه ! فأصبح الناس وإذا بهم يبصرونه معه ، ويروه قرينه في عليائه . وما أبعد الناس
عن التفريق بين منازل المجد المختلفة من دنيوية وادبية ثم ما أقل النقاد البصراء الذين لا تستهويهم الخدع ، ولا تفتنهم الشبه ، ولا تغلبهم الأضاليل الشائعة ، ولا تصرف قلوبهم الشهوات الغامرة ، والأهواء القاهرة ، وما تزخر به الدنيا من أسباب الزيغ والفتنة ثم ما أقل أثر هؤلاء الأقلين في الجو الأدبي ، وما اضعفهم في بسط آرائهم ، وفرض أحكامهم على العامة وأشباه العامة .
ذلك هو شأن " الفحول " الذين استولوا هي الحياة الأدبية ، وصرفوا الاقلام والألسنة والأذواق والعقول لحسابهم . وكذلك الأمر في الشعراء المغمورين فليسوا سواءً في سبب غمارتهم وعلة خمولهم .
فمنهم من كان حقيقا أن يـعد من " الفحول " لو أن الأمور استقامت على الطريقة . ولكن بعض ملابسات الحياة الظاهرة والخفية هي التي أخملته ووضعته عن مرتبته . لا نقص في حقيقته ، ولا ضعف في طبيعته ، ولا تخلف في شاعريته . والملابسات الظاهرة كثيرة في الحياة الأدبية ، بعيدة الأثر فيها وأكثر منها هذه الملابسات الخفية أو العلل الباطنة ، كما يقول الجاحظ ، نعجز عن إدراكها ومعرفة كنهها ، فندعوها بالحظ ، وما أكثر ما يلعب هذا الحظ دوره ، في أقدار الناس ومنازلهم ، فيخمل الرفيع ، ويطير بمن هو دونه ؛ و ما أكثر ما يعبث بالآثار الأدبية عبث المتحكم المستهتر الماجن " فكم من بيت شعر قد سار ، وأجود منه في بطون الدفائر ، لا تزيده الايام إلا خمولا ، كما لا تزيد الذي دونه إلا شهرة ورفعة ، وكم من مثل قد طار به الحظ حتى عرفته الإماء ، ورواه الصبيان والنساء" كما يقول شيخنا أبو عثمان .
والحاحظ يقدر هذا الوجه من وجوه الحكم الأدبي تقديرا كبيراً ، فلا زال يقرره بأسلوبه الفياض ، ويكرر مظاهره المختلفة ، ويورد الأمثلة الكثيرة له وكأنا أراد - من جهة أخرى - أن ينتصف لهؤلاء " الغمورين "
الذين طمرتـهم تلك "العلل الباطنة " فآلي أن يكشفهم ، ويأخذ بنصيبه في التعريف بهم ، وإذاعة أسمائهم وآثارهم فجاءت كتبه تفيض بذكرهم ، وتزخر بأشعارهم ، وهذه ظاهرة بينة عنده ، وربما كان هذا من بعض أسبابـها .
وكان أبو تمام - الشاهر المثقف العالم - ممن عني بهؤلاء الشعراء " المغمورين " فخصهم بأكثر من مجموعة من اختياراته التي يذكرها الآمدي في كتابه " الموازنة" ثم كان من حسن الحظ أن يكون أشهر اختياراته وأبقاها على الدهر ذلك الاختيار الذي "تلقط فيه اشياء من أشعار المقلين والشعراء المغمورين غير المشهورين " كما يصف الآمدي ديوان الحماسة له . وهذا الديوان ، بهذا الوصف ، من الدلائل القاطعة على أن خمول الشاعر لا يتصل بشاعريته ، ولا يرجع إلي ضعته .
فهذه طائفة من الشعراء المغمورين ، عدت عليهم بعض الأسباب الخارجية ، فأخرتهم وأخملتهم .
وهناك طائفة أخرى ، لم تظلمها الأقدار ، ولم يعبث بـها الحظ ، ولم تخضع في خمولها لملابسات الحياة الظاهر منها أو الباطن ، وإنما أخملتها طبيعتها ، ووقفت بها حقيقتها ، فقد فاتتها عبقرية الشعر ، وإن لم يفتها الشعر في إطلاقه فلها الطبع والالهام ، وعندها انسجام اللفظ وحلاوة العبارة ، وهي تنزل من العباقرة في الكيان الشعري ، منزلة الطبقة الوسطى من المرأة في البناء الاجتماعي ، فلها من ذلك الوجه قيمتها ، وإن صرفتنا عنها كبرياؤنا ، فما نكاد نعبأ بـها ، أو نوليها شيئاً من العناية في دراساتنا ، كأنما نخشي على أنفسنا ان يعدينا خمولها ، أو ينال منا ما غض منها ، او ينقص من ألمعيتنا وقيمة دراساتنا أن نجعلهم موضوع ابحاثنا وما أعجبها ارستقراطية في العلم ، تبعث على السخرية !
وهذه الطائفة من المغمورين كانت - كسابقتها - موضع عناية المتقدمين : عنى الجاحظ بها ، ونوه بكثير من
أفرادها ، وإن كان شعرهم لا ينفح بالعبقرية ، كما عني بها كثير غير أبي عنمان . وليس من غرضنا هنا ان نستقصي أو نبالغ في بيان الجهود الأدبية التي خص بها هؤلاء الشعراء غير انه لا يفوتنا ان نذكر من بينها كتابا من أمتع الكتب الأدبية ، وربما كان هذا الوجه فيه مما يخفى على كثير من الناس . ذلك هو كتاب الأوراق لأبي بكر الصولي ، قسم أخبار الشعراء وقد نص هو على ذلك الوجه في آخره إذ يقول : " قد جئت بأكثر اشعار هؤلاء ، إذ كانوا شعراء ظرافا كتابا لا يعرفهم الناس ، ومن عرفهم لا يعرف أخبارهم . . وإنما استقصي أشعار من لا يعرفون وأخبارهم "
وهناك ناحية أخري في التأليف كان لها أثر كبير في التنوية بهؤلاء المغمورين أو التعريف بهم . تلك هي ناحية الحديث ، وتراجم رجاله ، فقد كانت عناية المحدثين بهذا النمط من التأليف عناية شديدة ، وكان استقصاؤهم في تراجم الرجال وذكر أخبارهم وأحوالهم وآثارهم استقصاءً عجيباً ، وكان تتبعهم لهؤلاء الرجال تتبعا دقيقا ، فما يفوتـهم منهم أحد ، حتى من لم يشتهر بالحديث ، ولم تبلغ روايته أكثر من حديث واحد أو عدد قليل من الأحاديث ، ثم كان كثير من هؤلاء شعراء ، يقولون الشعر وقد يحسنونه ، فظفروا من ذلك بعناية المحدثين ، وأتيح لهم منهم -بذلك - طائفة كريمة ساهمت - على غير قصد - في إنصافهم والتعريف بهم .
وفوق ذلك كان لاتجاه المحدثين هذا أثر غير مباشر ، فقد تأثر بهذا الأسلوب غيرهم في شتى نواحي العلم ، فتنوعت بذلك كتب الطبقات ، وسارت على سنة المحدثين ومنهاجهم ، فعنيت جميعا باستيعاب الاشخاص . واستيفاء الأخبار ؛ وبذلك أتيح لهؤلاء " المغمورين " من الشعراء كثير من المنافذ ، يطلون على التاريخ منها ، ويدعون الباحثين إلي دراستهم من خلالها
وتلك دعوة يجدر بنا ان نلبيها ، لا رغبة في الانصاف ، ولا استجابة لنزعة الجمع والاستيعاب ، كما كان أكثر الشأن في ذلك عند المتقدمين ؛ فقد تغيرت الأهداف ، وتبدلت الحوافز ، وتجددت المناهج ، واصبح من غايات الدراسة الأدبية تبين الحياة الاجتماعية ، وتعرف التيارات النفسية السائدة فيها ، وهذه غاية يبلغ بنا إليها هؤلاء الشعراء المغمورون على أحسن وجه وأيسر سبيل ، إذا أتيحت لنا وسائل دراستهم .
ذلك هو الحافز الجديد الذي يحفزنا إلى درس هؤلاء المغمورين ، وبهته من كبريائنا الفارغة السخيفة .
أرأيت إلي هذه الطبقة الوسطى في بناء الجماعة ؟ أليست هي التي تمثل الشعب وتبين مثله ونزعاته وعواطفه واهواءه ، في حين لايمثل السراة إلا انفسهم ، ولا يكشفون إلا عن ذواتهم ؟ كذلك الأمر في الشعراء . فالمغمورون منهم هم الذين يصورون بيئاتـهم ، ويمثلون عواطف شعوبهم وجماعاتهم ، ويبينون مثلهم وغاياتهم ، في حين لا يصور الفحول إلا شخصياتهم ، ولا يصدرون إلا عن عبقرباتـهم ، أو عبقريات أسلافهم .
ذلك أن الشاعر " الفحل " يعيش في باطنه ، وفي بيئته الأدبية التي اصطنعها لنفسه ، اكثر مما يعيش في البيئة العامة . أما الشاعر " المغمور " فيعيش في بيئته ، مندمجا فيها ، مستغرقا في صورها وأحاسيسها ، يستقبلها بشاعريته ، ويرددها في طوايا شعره قوية بينة ، ذلك هو الغالب على هؤلاء وأولئك .
وبذلك كان شعر هؤلاء"المغمورين" هو الذي تصدق عليه تلك العبارة التي شاعت بين النقاد في القرن التاسع عشر ، وبني عليها كثير من مذاهب النقد الأدبي ، وهي ان الأدب صورة المجتمع وتعبيره ، فهو وحده الذي يصور جماعته ويعبر عن ميولها واهوائها . فأما الفحول والعباقرة فما أبعد شعرهم عن ذلك .
فهذا الاتجاه الجديد في الدراسات الأدبية لا يفي به شعر الفحول ، ولا يغني فيه أدب العباقرة ، إنما يكفله لنا هؤلاء الشعراء " المغمورون " الذين نقتحمهم بأبصارنا , ونغمرهم بكبريائنا فلنتجه نحوهم ، ولنعدل من نظرتنا إليهم ، ولنأخذهم بهذا الاعتبار التاريخي ، كما نأخذ الشعراء " الفحول " بالاعتبار الفني .

