الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 197الرجوع إلى "الثقافة"

الشعراء النقاد

Share

نشر زميلنا الأستاذ محمد خلف الله مقالا بهذا العنوان في مجلة " الثقافة " ) عدد ١٩١ ( ؛ وقد وجدت فيه آثار واضحة لمنهج عام في دراسة الأدب ونقده لمسته غير مرة في أوساطنا الجامعية وغير الجامعية . ولما كنت أخشي أن يصب حياتنا الأدبية بالعقم ، فإنني أبادر إلي مناقشته .

ولباب هذا المنهج كما تستخلصه من مقدمة المقال هو الدعوة إلي نقد تقريرى يقوم علي أسس من علوم الجمال والنفس والتاريخ والاجتماع ، وهذا ما يفعله الان بعض الأساتذة الذين يظنون أن الأدب يمكن أن يجدد فهمنا له أو دراستنا لنصوصه بإقحام هذه العلوم وغيرها فيه ، وهذا في الواقع ليس تجديدا ، بل قتلا للأدب وإضلالا للمتادبين ، وهو بعد ليس اتجاها جديدا ، فقد سمع عنه العرب بلسان قدامة بن جعفر ، وعرفته اوربا في قرن الفلسفة ، القرن الثامن عشر ، وقد فطن لخطئه معاصر وقدامة واللاحقون له ، وفي مقدمة " أدب الكاتب " لابن قتيبة اقوي رد عليه

ولقد عادت أوربا من ضلالها واصبحت اليوم تؤمن عن حق - بأن لكل علم مناهجه ، وان أي علم لا يمكن أن ينمو إلا إذا كان نموه ذاتيا ومن داخله ، وانا اعتقد ان الاتجاه الذي يدعو إليه الأستاذ خلف الله محنة ستنزل بالأدب ، لأن معناه الانصراف عن الأدب وتذوق الأدب وفهم الأدب ، والفرار إلي نظريات عامة لا فائدة منها لأحد .

النقد هو فن دراسة النصوص الأدبية ، والتمييز بين الأساليب المختلفة ، وهو لا يمكن أن يكون إلا موضعيا ، فهو إزاء كل بيت من الشعر ، بل إذاء كل لفظة ، يضع الإشكال ويحله . النقد وضع مستمر المشاكل ، والصعوبة هي في رؤية هذه المشاكل ، وهي متي وضعت وضح حلها لساعته ، والذي يضع المشاكل الأدبية ليس علم الجمال ولا علم النفس ولا اي علم في الوجود ، وإنما هو الذوق

الأدنى ، وهذا شيء ليس له " مرجع يرجع إليه " . وأسارع فأقول إن الذوق ليس بمعناه العام ألمبهم التحكمى ، وإنما هو ملكة إن يكن مردها ، ككل شئ في نفوسنا ، إلي اصالة الطبع ، إلا انها تنمو وتصقل بالمران . وعند ابن سلام الجمحي وعند الآمدي في ذلك صفحات يجب أن نتدبرها . يقول ابن سلام : " قال قائل لخلف إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنته فما ابالي ما قلت فيه أنت وأصحابك . فقال له : إذا اخذت أنت درهما فاستحسنته فقال لك الصراف إنه رديء هل ينفعك استحسانك له ؟ "

وإذا فلكم يصح النقد الذوقي لا بد له من درية ، وفي هذا يقول ابن سلام أيضا : " للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم ، والصناعات منها ما تتفقه العين وبها ما يتفقه اللسان ، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصيغة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره ، ومن ذلك الجهبدة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراز ولا حس ولا صفة ، ويعرفه الناقد عند المعاينه فيعرف بهرجها وزائفها وستوفها ومفرغها . الخ

ويضيف ذلك الناقد العربي الكبير هذه الحقيقة الرائعه : " إن كثرة المدارسة لتعدي علي العلم " وهذا الكلام الذي قاله ابن سلام منذ قرون هو آخر ما انتهي إليه الأوربيون في حقيقة النقد الأدبى ، ولنستمع الى لانسون Lansonعميد النقد الموضوعي في فرنسا المعاصرة  " وإذا كان النص الأدبى يختلف عن الوثيقة التاريخية تثير لدينا من استجابات فنية وعاطفية ، فإنه يكون من الغاية والتناقض أن تدل على هذا الفارق في تعريف الأدب ثم لا تحسب له حسابا في المنهج . لن نعرف قط النبيذ بتحليله تحليلا كيماويا أو بتقرير الخبراء دون أن تذوقه بأنفسنا ؛ وكذلك الأمر في الأدب فلا يمكن أن يحل شيء محل " التذوق " وإذا كان من النافع لمؤرخ الفن ان يقف أمام " يوم الحساب " أو " حلقة الليل " ) ١ ( ولم يكن

ثمة وصف في قائمة أو تحليل فني يستطيع أن يحل محل إحساس العين ، فكذلك نحن لا نستطيع أن نتطلع إلي تعريف أو تقدير صفات مؤلف أدبى أو ذوقه ما لم نعرض أنفسنا أولا لتأثيره تعريضا مباشرا ، تعريضا ساذجا " أليس هذا ما قاله ابن سلام ! ولقد عاد الآمدي أكبر نقاد العرب وأصدقهم ذوقا إلي تنمية هذه الحقائق في الموارثة وفيها بوضح كيف انه سيعلل احكامه ما استطاع إلي ذلك سبيلا ، ثم يرشدنا إلي أنه سيبقي ما لم يمكن إخراجه إلي التبيان ولا إظهاره إلي الاحتجاج ، وهي علة ما لا يعرف إلا

بالدرية ودائم التجربة وطول الملابسة ، وبهذا يفضل أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته وقلت دريته ؟ وهو يحكي عن إسحق الموصلي أن المعتصم سأله يوما : أخبرني عن معرفة النغم وبينها ، فأجاب إسحق : " إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة وفي الأدب أشياء كثيرة شأنها شأن النغم يحيط بها الذوق ولا تؤديها الصفة . ويضيف هذا الناقد المنقطع النظير : ليس في وسع كل واحد ان يجعلك أيها السائل المتعنت والمسترشد المتعلم في العلم بصناعته كنفسه ، ولا يجد إلي

قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن هو اخص الناس سبيلا ، ولا يأتيك بعلة قاطعة ولا حجة باهرة .

وهنا قد يعترض المعترضون بأن هذا الكلام يفتح الأبواب للتحكم ، والأذواق متباينة ، وما إلى ذلك من الكلام الطويل الذي نعرفه جميعا ، وقد لا كه علماء الجمال والنفس حتى مللناه ولقد يضيفون : وهذا يتنافي مع الروح العلميه التي يجب ان تسود ابحاثنا اليوم ، وانا اترك لكبير الدعاة إلي المذهب العلمي الموضوعي في النقد مهمة الرد . قال لانسون : إذا كانت أولي قواعد المنهج العلمي هي إخضاع نفوسنا لموضوع دراستنا لكي ينظم وسائل المعرفة وفقا لطبيعة الشئ الذي تريد معرفته ، فإننا نكون أكثر تمشيا مع الروح العلمية بإقرارنا بوجودالتأثرية tnpeasionisine في دراستنا وتنظيم الدور الذي تلعبه فيها ؛ وذلك لانه لما

كان إنكار الحقيقة الواقعة لا يمحوها ، فإن هذا العنصر الشخصي الذي تحاول تنحيته سيتسلل في خبث إلي أعمالنا ويعمل غير خاضع لقاعدة . وما دامت التأثرية هي المنهج الوحيد الذي تمكنا من الإحساس بقوة المؤلفات وجمالها ، فلنستخدمه في ذلك صراحة ، ولكن لقصره على ذلك في عزم ، ولنعرف مع احتفاظنا به كيف يميزه ونقدره وتراجعه وتحده ، وهذه هي الشروط الأربعة لاستخدامه . ومرجع الكل هو عدم الخلط بين المعرفة والإحساس ، واصطناع الحذر حتي يصبح الإحساس وسيلة مشروعة

للمعرفة " . وهذا كلام صادق عميق ، فالذوق الذي نقول به ليس ذلك الذوق النظري الذي يتحدث عنه الفلاسفة وإنما هو الذوق الأدبى ، ذلك الذي يري ان ابا تمام عند ما يصف امرأة " بأمها ملطومة الخدين بالورد " قد أتي كما يقول الآمدي " بالحمق أجمعه والذوق خير وسائل المعرفة على أن يكون ذوقا مدريا ، وان تأخذه بالمناقشة والتعليل ، حتى بعد أن يتم تثقيقه . ولكم من مرة يصدق الذوق ويبطل التعليل ، وهذا عند الأمدى كثير الحدوث .

ولكم من مرة يستقيم التعليل ثم يخطئ الذوق ، كما ترى ابن قتيبة ، ومع ذلك فالذوق الذي يمتد به هو الذوق المعلل في حدود الممكن ، وإن كان ثمة أشياء " لا تؤديها الصفة " . واعتراض اخر قد يراه البعض ، وهو : ينظر فيري ان الإنسانية قد تقدمت ، وان كل شئ قد اصبح اليوم خاضعا لمنهج العلوم الطبيعية الدقيق ، وها هو علم الجمال وعلم النفس وعلم الاجتماع تجري فيها التجارب والأبحاث ، وتدون النتائج وتستنبط القوانين ؛ فما بالنا لا نستفيد في دراسة الأدب من كل ذلك ، بل ما لنا لا نجعل من النقد هو الآخر علما له معادله ومبادئه ، وذلك أملا في إكسابه ثبات المعرفة العلمية وتجنب ما في تأثرات الذوق من تحكم ، وما في الأحكام الاعتقادية من مسلمات غير ثابتة . وهنا أيضا اترك الرد للانسون ، حتى لا يتساءل صديقنا الأستاذ خلف الله مرة أخري عن المراجع

يقول لانسون : إن التجربة قد حكمت بفشل تلك المحاولات ( ويضيف واستخدام المعادلات العلمية في أعمالنا بعيد عن أن يزيد قيمتها العلمية ، وهو علي العكس ينقص منها ، إن تلك المعادلات ليست في الحقيقة إلا سرابا عندما تعبر في دقة حاسمة عن معارف غير دقيقة بطبيعتها ومن ثم تفسدها فلنحذر الارقام الرقم لا يمحو الفضفاض والعائم في تأثرنا بل يستره ، وكل من له أقل دراية بفن الكتابة يستطيع أن يجد في اللغة العادية الوسائل التي

يوضح بها المفارقات الدقيقة التي بدونها لا تصل في دراساتنا إلي صواب ، وتلك المفارقات لا يخضع للارقام ويستمر لانسون في توضيح تلك الفكرة الهامة في صفحات كنت أرجو أن انقلها كلها إلي القارئ فعنده " أن الاصطلاح العلمي عندما ننقله في الأدب لا يلقي غير ضوء كاذب . بل قد يحدث أن يلقي ظلمة (1) وأمعن في الروح العلمية موقف اولئك الأدباء الذين لا يدعون بناء أي شئ علي أنموذج غيره ، بل يقصرون همهم على رؤية الوقائع الداخلة في مجال بحثهم ، والعثور علي العبارات التي لا تخلف شيئا خارجا عنها ولا تضيف إليها إلا اقل ما يمكن . والشئ الذي يجب ان تأخذه عن العلم ليس كما قال فردريك رو هذه الوسيلة أو تلك بل روحه " .

ويعلق لانسون على أقوال رو فيقول : إن ما نستطيع ان تأخذه عن العلماء هو النزعة إلي استطلاع المعرفه والأمانة العقلية القاسية والصبر الدؤوب ، والخضوع للواقع والاستعماء علي التصديق ، تصديقنا لأنفسنا ، وتصديقنا للغير ، ثم الحاجة المستمرة إلي النقد والمراجعة والتحقيق

وإنا لا أدري أعلم ما سنعمله عندئذ أم لا ، ولكني علي ثقة من اننا سنعمل خير  تاريخ ادبي وإذا فكرنا في مناهج العلوم يجب ان يكون ذلك لإنارة ضمائرنا اكثر من أن يكون لبناء معارفنا ؟

هذه هي اقوال لانسون وهي عندي تفصل في الخصومة فصلا نهائيا . فالذي تستطيع أن تأخذه عن العلوم سواء في ذلك العلوم الطبيعية أو العلوم النفسية التي اصبحت اليوم تصطع مناهج العلوم الطبيعية كما هو معروف - هو روحها ، وأما ان تأخذ عنها مبادئ وآراء وقوانين فهذا خطأ بل كارثة على الأدب ، وكلنا لا ريب يذكر أقوال قدامة عند ما رد الرثاء إلي المدح مع فارق كان ويكون وجعل الهجاء نقيض المدح ، وحصر الصفات التي يمدح بها في ) العقل والشجاعة والعدل والعفة ( وما إلي ذلك من سخافات

يسمونها فلسفة . وانا إذ اقاوم بكل قوتي هذا الاتجاه الذي يصدر عنه الأستاذ خلف الله لا ادعو إلي الكسل أو إلي إهمال ابحاث علماء النفس والجمال والاجتماع ، فهذه أشياء أضعنا فيها جزءا كبيرا من شبابنا وهي لا ريب تفتح آفاقا للتفكير ، وقد تزيدنا بالإنسان معرفة ، ولكني أقول انها غير الأدب ، وإنه لا يجوز ان نظن اننا سنجدد الأدب في شيء عندما نقحمها فيه . وخير عندي من كل هذا ان تناقش قصيدة شعر او رواية ، وإني لمؤمن إيمانا لا يتزعزع بأنه من الأجدي علي استاذ الأدب أن يناقش أمام طلبته

أو يعرض على قرائه مناقشة نص ادبي يقف عند تفاصيله ويظهر ما فيه من ان يشرح لهم في سنين او في مئات الصفحات نظريات علم النفس او علم الجمال ، فهذه لن تكون إدراكا أدبيا ، هذه لن تصقل ذوقا ولن ترهف حسا ، وتلك في ملكات الأدب التي يجب ان تنميها وان نتعهدها . يجب أن نحبس انفسنا في الأدب وأما القرار إلي غيره فلا

وليس أدل علي صحة ما أقول به من وجوب قصر المشتغلين بالأدب جهدهم او علي الاقل معظمه على دراسة النصوص الأدبية ذاتها بدلا من محاولة إدخال الفلسفة على

الأدب ، ونضيع وقتنا في ذلك ، من كلام الأستاذ خلف الله نفسه ، فنظرته إلي النقد كشئ يقوم على الروية ويخالف الخلق الفني ، وظنه أن الشعراء والكتاب لا يشتغلون بالنقد ولم يشتغلوا به ولا وضعوا نظريات عامة فيه ، وانه لابد للناقد من أن يكون لنفسه أولا فكرة أساسية في الأدب والفن - كل هذا كلام مردود وخطر ، وذلك لأن ما فيه من حقائق تاريخية غير صحيح ، وما فيه من آراء شخصية للزميل الفاضل لا أراه مصيبا فيه

فأما ملاحظته ) عن قلة عدد الشعراء الذي يعنون بالناحية النقدية من فيهم " فهذا غير صحيح في " مختلف الآداب العالمية ، وأنا لا أدري كيف يقال قول كهذا .

والناظر في تاريخ الآداب يجد نوعين من النقد ، نقد نسميه وصفيا ، ونعني به نقد النقاد المحترفين الذين درسوا مؤلفات الكتاب والشعراء الآخرين ليستنبطوا حقائقها وليصفوها لغيرهم ، وهذا النقد قد ابتداه اليونان وبخاصة أرسطوا في كتابيه " الخطابة " و الشعر " وأنا لا أقول إن أرسطو كان كاتبا أو شاعرا ، ولكن ما الرأي في " هو رأس ؟ الشاعر اللاتيني الشهير . ألم يكتب " فن الشعر " وهي قصيدة طويلة تزيد على الثلثمائة بيت في فنون الشعر المختلفة وأصول كل فن ومن تميز فيه ؟ وما الرأي في أقوال الشاعر الفرنسي الشهير أيضا وقد وضع ) فن الشعر " كما فعل هو رأس ؟ بل ما بال الاستاذ خلف الله يظن أن " الشعراء القدامي " عند العرب لم يتناولوا النقد إلا في بيت للبحري وبيت لأبي نواس ، مع أن لأبي تمام أيضا بيت يقول فيه لا إن الشعر صبوب العقل " وهذا يحدد مذهبه ، بل دعنا من البحتري وأبي تمام ثم لننظر إلي أبي نواس وفي معظم خمرياته وغزله نقد لمذاهب القدماء . إن الأمر عند أبي نواس ليس أمر بيت من الشعر بل أبيات بل عشرات الأبيات إن لم يكن مئات الأبيات .

ومع هذا فسلم مع الأستاذ أن الشعراء القدامي عند العرب فيما عدا ابى نواس لم يقتتلوا في سبيل مذاهبهم

الأدبية ، لأن هذه المذاهب لم تكن قد اتضحت بعد ولا تنوعت . ولكن ما الرأي في شاعر كابن المعتز ، ألم يكتب في النقد ) كتاب البديع الذي يجمع بين علم البيان وفن النقد ؟ ألم يكتب في سرقات الشعراء ؟ ألم يضع الشعراء في طبقات في كتابه " مختصر طبقات الشعراء ٢ ثم ما الرأي في أبي العلاء صاحب " ذكري حبيب " و عبث الوليد " و معجز أحمد ( ثم " رسالة الغفران ؟ وعجب أن كتب ابن المعتز قد ضاعت ، ولكن اليس لدينا " كتاب البديع وعجب أن كتب أبي العلاء كان يغلب فيها الشرح على النقد وأنها قد ضاعت ايضا ولكن اليس لدينا في رسالة الغفران نقد من خير ما خلف ) الشعراء القدامى

ولنترك القدامي لننظر في المحدثين في الشرق والغرب وكلنا يعلم انه منذ القرن السادس عشر اي منذ البعث العلمي كان الشعراء والكتاب هم طليعة النقاد وخير النقاد ونقدهم بجمع بين ما نسميه بالنقد الإنشائي وبين النقد الوصفي الذي عرفنا فيما سبق . ومن منا لا يذكر شكسبير في " هملت " وجينة في " الشعر والحقيقة " ومولبير في " نقد مدرسة النساء وكورني في " مقالاته السبع عن التراجيديا ، وبودلير في الفن الرومانتيكي وفكتور هيجو في " مقدمة كرومويل " وشيلي في " الدفاع من الشعر " وورد زورت في مقدمته " وفاليرى في متفرقان ودانني في " اللغة العامية ، وديهامل في " دفاع عن الآداب

بل إنني لا أعرف أو لا أكاد أعرف كاتبا أو شاعرا يكتب ويتحدث في النقد . وهل يظن الأستاذ خلف الله أن أحدا يستطيع أن يكون شاعرا أو كاتبا مجيدا إلا أن يكون ناقد ليبدأ بنقد ما يكتبه ووزنه جملة جملة وحرفا حرفا ؟ وهلا يري معي الأستاذ أن كل الفارق بين القدامي والمحدثين هو ان القدامي كانوا ينقدون انفسهم او غيرهم دون أن يشعروا بالحاجة إلي كتابة ذلك ، وان المحدثين ينقدون ثم يدونون لتبصير جمهور القراء بحقائق الأدب . ثم من قال إن النشاط الفنى فيض حيوي

متدفق يأبي الوقوف حتي يصل إلي غايته من التصوير أو الإبداع ، وإن النشاط النقدي حركة قائمة على الأناة والروبة تعنى - بالضرورة - بتسلليل الفكرة وإحكام حلقائها . هذا كلام ترتجله نحن ولم يقل به أحد ، لا من الأدباء ولا من علماء الجمال والنفس أنفسهم . وإنما الخلق الفني والنشاط النقدي كلامهما " صناعة كسائر الصناعات ، لابد فيهما من روية وإمعان وتسلسل وإحكام حلقات ، وانا لا اؤمن بشيء اسمه الإلهام والوحي والعبرية وإنما اعرف " التثقيف وإبداع الصناعة ، ونقد ما نكتب والحمد وطول المران وهذه كلها حقائق سبق أن قلنها وسأقولها دائما لأنها الحق

" قال أبو عمر الجاحظ . طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلا غريبه ، فرجعت إلي الأخفش فألقيته لا يتقن إلا إعرابه ، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والآنساب فلم أظفر مما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات فلله در ابى عتمان لقد غاص على سر الشعر واستخرج ادق من الشعر وفي هذا النمط ما حدث محمد ابن يوسف الحمادي قال : حضرت مجلس عبيد الله بن طاهر وقد حضره البحتري فقال : يا ابا عبادة ، سلم اشعر أم أبو نواس ؟ فقال : بل ابو نواس . فقال له عبيد الله : إن أحمد بن يحيي ثعليا لا يوافقك على هذا فقال : " ايها الأمير . ليس هذا من علم ثعلب واضرابه ممن يحيط بالشعر ولا يقوله وإنما يعرف الشعر من دفع إلي مضايقه

بهذا يتحدث الصاحب بن عباد في رسالته عن الكشف عن مساوي شعر المتنبي " ) ص ٥،٤ ( ومنه ترى ان القدامي قدفقطنوا إلي ان النقد شئ مستقل عن كل علم آخر ، وان قوامه الذوق ، وأن أقدر الناس عليه هم الشعراء والأدباء

فما بالنا إذا نترك كل هذه الحقائق الرائعة التي خلفها لنا أجدادنا ، ثم تروح تحاول بعث مذهب سقيم

كمذهب الأعجمي قدامة

إن مذهب الأستاذ خلف الله ومن يري رأيه سينتهي لنا إلي قتل الأدب ، والأدب لا يمكن أن يجدده ونوجهه ونجيبه إلا بعناصره الداخلية ، عناصره الأدبية البحتة ، وهذا ما يجب علينا جميعا أن نجاهد في سبيله . إنه لوهم بعيد أن نظن في علم النفس أو في علم الجمال او غيرهما من العلوم كثير فائدة للأدب . يجب علينا ان نعرف كل تلك الابحاث ، ولكن على ان تحتفظ بتلك المعرفة لأنفسنا لا نزج بها في الأدب وإلا كنا مفلسين نوهم الغير ببريق كاذب .

ولقد كتب الأستاذ خلف الله نفسه عن الذاتية والموضوعية في الفن ، بالثقافة منذ أعداد ، فماذا افاد الأدب من ذلك . وانه لأجدي علينا أن يحلل لنا الأستاذ نصا تتذوقه وتحس في ثنايا تحليله انه يعرف الذاتية والموضوعية وما إلي ذلك معرفة تضئ تحليله من الداخل ، ولكن لا تحققه ولا تتلفه ولا تخرجه إلي التعليم المدرسي ، وهو لاريب بأمثال هذا التحليل سينتهي إلي فكرة اساسية عن الأدب ، يستطيع أن يحدثنا بها كخلاصة لتجاربة الخاصة ، وعندئذ ستكون اصدق وأعقي من كل ما تستطيع ان تمنحنا علوم النفس والجمال والاجتماع من أفكار أساسية في الأدب .

اشترك في نشرتنا البريدية