من الظواهر الجديرة بالملاحظة في مختلف الآداب العالمية ، قلة عدد الشعراء الذين يعنون بالناحية النقدية من فنهم ، وينصرفون حقبة من حياتهم إلى تدوين آرائهم في الشعر وطبيعته ، وما يدور على مسائله من خلاف بين الباحثين . وقل ان تظفر من الشعراء القدامى بآراء نقدية إلا في البيت أو البيتين يسوقهما الشاعر ليعترض على مذهب قديم في صنعة الشعر ، كالذي قاله " أبو نواس " في سخريته بأصحاب الأطلال والباكين عليها :
قل لمن يبكي علي رسم درس .. واقفا ما ضر لو كان جلس
أو ليعترض على اتجاه نقدي لا يرضاه ، كما فعل " البحتري " في قوله :
كلفتمونا حدود منطقكم .. في الشعر يكفي عن صدقه كذبه
وشعراء الشرق والغرب في هذا سواء . ويظهر أن انصراف الشعراء عن الاشتغال بفلسفة الفن ووضع النظريات فيه امر معقول بتمشى وطبائع الأشياء . فالنشاط الفني فيما نعلم فيض حيوي متدفق يأبي الوقوف حتي يصل إلي غايته من التصوير والإبداع ؛ والنشاط النقدي حركة قائمة على الأناة والروية تعنى - بالضرورة - بتسلسل الفكرة واحكام حلقاتها ، ولا سيما إذا اتجه الناقد إلى تقرير ما يعتبره " نظرية الأدب " فشرح رأيه في طبيعة الفن وأهدافه وصلاته بالمبدع من ناحية ، والمتذوق من ناحية اخري .
ولا شك أن بين النوعين صلة وثيقة ، فكلاهما خالق مبدع ، وكلاهما يمت إلي الذوق بأقوي الأواصر ، وكل شاعر يحوي بين جنبية ناقداً . ولقد يستطيع الناقد أن يكون فناناً ايضا يؤثر نقده في نفسك تأثير النص الأدنى الجميل ، ويترك في ذهنك من الأثر الذوقي ما تترك القصيدة
الرائعة أو الصورة المحكمة .
ولعل من أبرز الشعراء النقاد في الآداب الغربية " وردسورث " و " كولردج " زعيمي الحركة الرومانسية في الشعر الإنجليزي ) في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر ( ، فقد كانا متعاصرين ، وعاشا حينا متجاورين ، واتصلت بينهما أسباب الود المتين ، وتظاهرا علي القيام بتجربة شعرية جديدة يحدثنا عنها " كولردج " فيقول ما خلاصته :
" في خلال السنة الأولى التي كنت ومستر " وردسورث " فيها متجاورين ، كثيرا ما كانت تعرج بنا الأحاديث على النقطتين الرئيسيتين في الشعر : قوة إنارة وجدان القارئ بعرض الطبيعة عليه في ثوبها الحقيقي ، وقوة إثارة الإحساس عنده بالطرافة بما يضيفه خاطر الشاعر إلي الطبيعة من اضواء وألوان . وقد عنت لنا ) لست اتذكر لأينا ( إذ ذاك فكرة ، هي ان نقوم بنظم سلسلة من القصائد من نوعين : أحدهما يقوم على أحداث وأشخاص مما وراء الطبيعة ) على الأقل في بعض نواحيه ( ، على أن يكون
الهدف إثارة عناية القارئ من طريق التنبيه التخييلى والتمثيل للأحاسيس والانفعالات التي تصاحب تلك الأحداث لو أنها كانت واقعية . والنوع الثاني يقوم على موضوعات منتزعة من الحياة العادية حيث الحوادث والأشخاص مما يجده العقل الباحث في كل قرية ومجلة ، على شريطة ان يكون عقلا ذا روية وحس مرهف ، أو على الأقل ذا ملاحظة لا تفلت منها تلك الحوادث والأشخاص متى عرضت لها . وبهذا نشأت عندنا فكرة المجموعة التي أسميناها ) Lyrical Ballads ( والتي اتفقنا علي أن تتجه فيها جهودي إلي ناحية ما فوق الطبيعة من أشخاص وحوادث يتصورها الخيال ، على ان افر بها إلي القلوب ، والبسها ثياب السائغ المألوف ، وأثير من العناية
بها والالتفات إليها ما ينسى القاري - لحظة ما - عدم اعتقاده في حقيقتها ؛ وعلي ان يكون نصيب " وردسورث " أن يحول المألوف الشائع إلي جذاب غير عادي ، فيتناول أشياء الحياة اليومية وأشخاصها ، ويخلع عليها ثوبا من الجدة والطرافة ، وينبه في النفوس إحساسا بها شبيها باحساس ما فوق الطبيعة ، ذلك بأن يوقظ العقل من غفوة العادة والتقليد ، ويوجه انتباههه إلى ما في الحياة المحيطة به من عجب وجمال . وعلي هذا كتبت بعض قصائدي التي كنت آمل أن أحقق فيها المثل الذي وضعته نصب عيني .
ولكن نشاط " وردسورث " كان أكثر توفيقا ونجاحا ، فكثرت قصائده كثرة فقد بها التوازن بين نصيبي ونصيبه . نشرت المجموعة سنة ١٧٩٨ ومعها مقدمة قصيرة . وبعد ذلك بسنتين ظهرت الطبعة الثانية وقد أضاف إليها " وردسورث ، مقدمة طويلة حاول فيها ان يوسع نطاق الأسلوب الذي التزمه في مقطوعاته ، وان يدعو إلى تعميم استعماله في الشعر على مختلف ضروبه وأنواعه - رافضا كل ما عدا ذلك من اساليب وتعابير ، لأنها في نظره عقيمة غير صالحة ، ولأنها غير مشتقة من لغة الحياة الحقيقية ؛ وهذه العبارة الأخيرة - لسوء الحظ - مبهمة المعنى غير محدودة الدلالة .
هذه هي التجربة التي اتفق الصديقان الشاعران على القيام بها ، والتي لم تظهر ثمارها حتى أثارت بينهما خلافا على طبيعة الشعر وموضوعاته وأسلوبه ، وهل ينبغي ان يفترق قاموسه من قاموس النثر ، وهل الوزن ضروري فيه ، وما إلي هذه من نواح اهتزت لها دوائر النقد الأدبى ، وستظل لها مكانتها ما بقي الشعر وناقدوه .
وسنعني نحن في هذا المقال بأن نعرض وجهة نظر " وردسورث " فقد كان هو البادئ ، بالنقاش ، وقد أثار
بضع مسائل في صميم " نظرية الأدب ( وعبر عن آرائه فيها تعبيرا قويا ، ربما خرج به احيانا عن حد القصد والاعتدال . ويظهر أن هذه الحماسة الزائدة في البحث والجدل مرجعها ما قوبلت به قصائد الشاعر في تجربته الجديدة من إعراض وإهمال . ومؤرخو النقد يجدون على هذا دليلا سيكلوجيا غير مباشر فيما صدر به ( وردسورث " مقدمته النقدية من انه " مستريح للرضا الذي حازته قصائده ! ! و " ان هذا الدفاع المنظم إنما هو استجابة لإلحاح بعض الأصدقاء " !
على أن عناية تاريخ النقد الأدبي بهذا البحث الذي أثاره الشاعر لا ترجع إلي قيمة صاحبه فحسب ، ولكن - أكثر من هذا - إلي قيمة الرد الذي رد به كولردج " علي آراء رفيقه وقسيمه في التجربة . وكولردج يحتل في تاريخ النقد منزلة يقرنها الكثيرون إلي منزلتي " أرسطو " و" لونجيلس" وهم مجمعون على ان ذهنه كان مهيأ للنقد أكثر من صاحبه ، وعلي أن طريقته فيه جاءت نموذجا في ادب الحوار ، وعلى انه كان اوسع من مناظره قراءة واطلاعا ، ولا سيما في فلسفة علم الجمال .
شغل " وردسورث " بالنقاش في هذا الموضوع وكتب فيه اكثر من مرة ، مقصرا حينا ومطيلا حينا آخر محاولا ان يبعث الدعوة لآرائه ، حتى في رسائله الخاصة لصديقانه واصدقائه الذين يصفهم بأنهم كانوا حريصين - حرصه هو - على نجاح قصائده الجديدة . ولهذا قووا عنده الرغبة في الدفاع عن آرائه " لاعتقادهم انه إذا انتشرت الآراء التي بنيت عليها هذه القصائد ظهر نوع جديد من الشعر بلذه الناس على الدوام ولا تنقضي متعتهم منه .
ولكن شاعرنا كان محسا منذ اللحظة الأولى أن الكتابة في هذا الموضوع في دقة ووضوح تستلزم بحثا تاما في ذوق الجمهور في عصره في انجلترا ، وفي كون هذا
الذوق سليما أو سقيما ، وهذا بدوره لا يمكن إلا إذا عرفنا كيف تتفاعل اللغة والعقل الإنساني ، وإلا إذا تتبعنا تاريخ التطور لا في الأدب وحده بل في الجماعة أيضا ، وإلا إذا درسنا المنابع الحقيقية للشعر في نفس الإنسان ، والسر في تأثر الناس به , ورجعنا في كل ذلك إلي القوانين الأولى للطبيعة الإنسانية
والواقع أن الباحث المنصف - على مخالفته " وردسورث " في بعض نتائجه التي ستجيء بعد - لا يستطيع إلا أن يشارك الناقد هذا الاحساس ، فإن كثيرا مما كتب - ولا يزال يكتب - تحت اسم النقد يرسل إرسالا ، ويري فيه الكلام على عواهنه ، وتلقى فيه الأحكام لا تعرف لها دعامة ، ولا تتبين وراءها مرجعا ترجع إليه . وعندنا أن البحث في طبيعة الانتاج الفني وخصائص الجمال في مختلف مظاهره ، وفيما بين اللغة
والعقل الإنساني من أثر متبادل ، والوصول في ذلك كله - ولو بصفة عامة - إلي فكرة أساسية في الأدب والفن ، أمر لا بد منه لدارس الأدب وناقده ، بل لمنتجه أيضا ؛ ولو شئنا ان نترجم عن هذا بلغة دراسات العصر الحاضر قلنا إن من الزم ادوات الدراسة الأدبية النقدية - بجانب ما اصطلح عليه من أدوات تقليدية - قدرا من علم الجمال ، وآخر من علم النفس ، ونصيبا صالحا من دراسات التاريخ والاجتماع .
اختار " وردسورث " موضوعا لقصائده التجريبية - كما قلنا - الحياة العادية ، ثم لأمر ما قصر نفسه من هذه الحياة على الجانب المتواضع الخشن - جانب عوام الناس ودهمائهم - لان اهواء النفوس ومشاعرها نجد في بيئة هذه الحياة أرضا خصبة تنمو فيها نموا طبيعيا ، وتبلغ ما قدر لها من نضج وكمال ، وتفصح عن نفسها في لغة سهلة واضحة لا يحد منها ضغط أو كتم ، ولأن هذه الأهواء والمشاعر توجد إذ ذاك في حالة من البساطة تمكن الحس
المرهف من تأملها في دقة ، والتعبير عنها في قوة وحرارة . هذا إلي ان الناس في تلك الحال اقرب ما يكونون إلي الطبيعة وأشكالها الجميلة . واختار " وردسورث " كذلك أن يعبر عن هذه الحياة العادية بلغتها التي يتكلمها أهلها في معاشهم اليومي ، حيث يتصلون بعناصر الطبيعة اتصالا مباشرا ) ومن هذه تشتق احسن عناصر اللغة ( ، وحيث يعيشون بعيدين عن تأثير الغرور الاجتماعي فيبيتون عن مشاعرهم وأفكارهم في بساطة لا تنميق فيها ولا تزويق
مثل هذه اللغة - في نظر صاحبنا - حافلة بالحياة الجفه والشعور البرئ والفلسفة الثابتة . وهي افضل عنده من تلك القوالب اللغوية الجافة التي يستعملها جمهرة المقلدين من الشعراء ، إذ يقيمون بينهم وبين العواطف الصحيحة الحية حجابا حاجزا ، وإذ يجرون على نهج زائف مصطنع من التعبير يؤثرون به في بعض الأذواق تأثيرا زائفا مصطنعا . ولئن كان الشعراء القدامي قد استعملوا أنماطا أنيقة من التعبير ، لقد كانوا يصدرون في ذلك عن قطرة وسليقة ، وكان بين تعبيرهم ومشاعرهم وئام وانسجام فخلف من بعدهم خلف قلدوهم في التعبير دون الشعور . وأبعدوا ما بين الشعر والحياة الحقيقية للناس .
وإذا أردنا ان نقرب نظرية " وردسورث ( في هذه الناحية إلى تفكيرنا الحاضر قلنا إنه لو كان ناقدا معاصرا لآثر أن يكون الشعر عندنا من نوع الزجل الشعبى الذي يتناول الحياة اليومية في لغتها المألوفة ، ولوجد في مقطوعات " البهاء زهير " وسهولته المصرية العذبة تحقيقا عمليا لنظريته منذ القرن السابع الهجري ، بل لوجد ذلك أيضا في المجددين من شعراء العصر العباسي الأول ، فيما نزع إليه بعضهم من ثورة علي القديم ، وطرافة في اللغة ، ويسر في موضوعات القصيد .
( يتبع )

