عظة لوزراء اليوم
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ثامن خلفاء الدولة الأموية، وجده لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولا شك أنه ورث عن جده هذا كثيراً من صفاته، فكان عادلا زاهداً متقشفاً حتى عده المؤرخون فى سياسته وعدله خامس الخلفاء الراشدين. وقد ظل الناس خصوصا أهل البيت نحوا من ستين سنة يعانون أنواعا من الشدة والاضطهاد فى دولة بنى أمية؛ حتى جاء عمر ابن عبد العزيز على رأس المائة الأولى للهجرة، فملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا!
وفقد تولى عمر الخلافة وهو كاره. وكان بوده قبل أن تصير إليه أن يبعدها الله عنه، وأن يثنى عزم الخليفة سليمان بن عبد الملك عن العهد إليه ولكنه لم يجد سبيلا، فلما وقع الأمر وصارت إليه الخلافة كانت أول كلمة قالها (أنا لله وأنا إليه راجعون) كأنما وقع في شر عظيم. ولا عجب فقد كان يقول: (أنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا ومسألة غليظة إلا ما عافى الله ورحم)
كان ورعا زاهدا تقيا فرفع يده عن بيت المال فلم يأخذ منه شيئا، وكف يده عن الفيء فلم ينل منه كثيراً ولا قليلا. وقد حبب إليه أصحابه أن يأخذ من بيت المال مقدار نفقته وقالوا إن جدك عمر بن الخطاب كان يأخذ درهمين كل يوم، فردهم قائلا: إن ابن الخطاب
لم يكن له مال فحق له أن يأخذ، وأنا مالى يكفينى
ونذهب نفتش عن مورد رزق أمير المؤمنين الذي تمتد دولته من الصين شرقا إلى بلاد المغرب غربا، فنجد له عبدا يسمى (درهما) يحتطب له - وهجد درهما يضيق بعيشه، ويتبرم بحياته مع هذا الخليفة الزاهد المتقشف، فما هو إلا أن يسأله الخليفة - ماذا يقول
الناس يا درهم؟ وهنا ينفث الغلام عن ذات صدره ويجيب الخليفة - وما يقولون؟ الناس كلهم بخير، وأنا وأنت بشر! إنى عهدتك قبل الخلافة عطرا لباسا فاره المركب طيب الطعام، فلماذا وليت ورجوت أن أستريح وأتخلص، زاد عملي شدة وصرت أنت في بلاء، فيقول له الخليفة: اذهب وأنت حر، ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجا
ويحرم عمر أولاده المال ويباعد بينهم وبين ترف أولاد الخلفاء، حتى يموت وليس عند أولاده شيء. ولقد أحضرهم قبل موته وهم يومئذ اثنا عشر غلاما فجعل يصعد النظر فيهم ويصوبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع ثم قال: (بنفسي فتية تركتهم! يا بني إني مثلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحد في النار. قال الرواة - فما احتاج واحد من ولد عمر ولا افتقر
أما الشعراء فكانوا فى ذلك العصر الصعاليك السادة، يسيطرون على الحياة الأدبية فى الدولة، ويعيشون عيشة الترف والنعيم، يأخذون من عطايا الخلفاء وجوائزهم، فما هو إلا أن ينبغ الشاعر حتى يقصد الوالي فيمدحه، ثم تسمو همته فيرحل إلى الخليفة ويمدحه فيرجع بالمال الوفير والخير الكثير ولم يكن الشاعر من هؤلاء. يعنيه أن يقول الحق أو الباطل، بل كثيرا ما كان يقول غير ما يعتقد، ويعتقد غير ما يفعل. وكان الخلفاء يبذلون للشعراء بسخاء ويعطونهم من بيت مال المسلمين ما نعده نحن إسرافا وفوق الإسراف، بل وما كان بعده معاصروهم من المتورعين ظلما للمسلمين واعتداء على حقوقهم. ولكن الخلفاء كانوا مستريحين إلى هذه الحال، لأن الشعراء في ذاك الوقت أشبه بالصحف الحزبية في وقتنا الحاضر ينشرون فضائل الأصدقاء، ويذيعون مساوئ الأعداء، وكان
الأمويون بخاصة يريدون أن يشغلوا الناس حتى لا يتحدثوا فى السياسة العليا ووجدوا فى الشعراء شاغلا لهم أى شاغل. وقل من الشعراء من كان يربأ بنفسه أن يكون مطية لخليفة أو والى أو أمير. وقف عمران بن حطان الخارجي على الفرزدق وهو ينشد شعره فقال عمران:
أيها المادح العباد ليعطي ... أن لله ما بأيدى العباد
فاسأل الله ما طلبت إليهم ... وارج فضل المقسم العواد
لا تقل للجواد ما ليس فيه ... وتسم البخيل باسم الجواد
ولكن هيهات أن يستجيب الفرزدق أو أحد أصحابه الشعراء لهذا النبل. وقد كان من عادة الشعراء أن يفدوا على الخليفة الجديد يهنئونه وينالون منه يسره وخيره فلما تولى عمر بن عبد العزيز وفدوا إليه - كعادتهم - مؤملين طامعين واجتمعوا ببابه منتظرين الإذن، ولكنه لم يأذن لهمز وكان على الشعراء أن يدركوا، فإن الخليفة حرم نفسه وحرم أهل بيته؛ فقد اجتمع الأمويون ببابه يوم تولى الخلافة وأعلمه الحاجب بمكانهم، فقال له: ما يريدون؟ قال الحاجب ما عودتهم الخلفاء قبلك. وكان معه ابن في سن الرابعة عشرة فقال: يا أبى دعني أجبهم عنك، فأذن له فخرج وقال: - أبي يقرئكم السلام ويقول لكم - إنى أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم - كان على الشعراء أن يتنبهوا ولكن الطمع أعمى أبصارهم فتوسلوا إليه ببعض جلساته، فقال يا أمير المؤمنين: الشعراء ببابك وأقوالهم باقية وسهامهم مسمومة - قال عمر مالي وللشعراء؟ - قال صاحبه: يا أمير المؤمنين إن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح وأعطى وفيه أسوة لكل مسلم قال: صدقت فمن بالباب منهم؟ قال ابن عمك عمر بن أبي ربيعة، قال: لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه، أليس هو القائل:
ويا ليت سلمى فى القبور ضجيعتي ... هنالك أو فى جنة أو جهنم
والله لا دخل علي أبدا. فمن بالباب غيره؟ قال: جميل بن معمر العذرى - قال عمر هو الذى يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت ... يوافق فى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا فى طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوى عليها صفيحها
أضل نهارى لا أراها ويلتىي ... مع الليل روحى فى المنام بروحها
أغرب به، فو الله لا دخل علي أبدا - فمن غير من ذكرت؟ قال: كثير عزة، قال هو الذى يقول:
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا
فمن بالباب سواه؟ قال الأحوص الأنصاري - قال أبعده الله، ثم من؟ قال همام بن غالب الفرزدق، قال لا دخل علي أبدا، وذكر لكل منهما شعرا يفسقه به ثم قال فمن غير من ذكرت؟ قال: الأخطل التغلبى قال: أليس هو القائل:
فلست بصائم رمضان عمرى ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنسا بكورا ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالغير يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح
فو الله لا وطئ لى بساطا أبدا، وهو كافر. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: جرير بن عطية قال: فإن كان لا بد فهذا - فلما مثل بين يديه قال اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقا، فأنشد قصيدة من رائع الشعر يشكو فيها ما أصاب قومه، ويذكر ما يرجونه من جود الخليفة وعطفه، ويمدح عمر مدحا سريا وفيها يقول
كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ فى العش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلا من الجن أو مسا من البشر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
أتى الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
فقال يا جرير والله لقد وليت هذا الأمر وما أملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله (يريد ولده) ومائة أخذتها أم عبد الله. يا غلام أعطه المائة الباقية، فخرج جرير يقول - إنها لأحب مال كسبته إلى ويسأله الشعراء: ما وراءك؟ فيقول: ما يسوءكم. خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء. . وإني لراض عنه

