بين التاريخ والأدب علاقة أكيدة ونسب لاصق حتي قيل إن التاريخ والأدب توأمان ، وقد اشتهر كبار المؤرخين قديما وحديثا وفي مختلف الآداب الأممية بقوة الأداء ، وعلو البيان ، وسخروا اللغة أداة طيعة لرواية الحوادث ، وتصوير الأشخاص ، ووصف المواقف والشاهد ، وقد مرت فترة حدث فيها رد فعل يرمي إلى إنكار علاقة الأدب بالتاريخ ، وحاول أن يجعل التاريخ علما خالصا لاشأن له بالأدب ، وكان من اكبر أسباب هذه النزعة الانتصارات الباهرة التي أحرزتها العلوم الطبيعية ، وقد أغري ذلك فريقا من المؤرخين بمحاولة الاستفادة من المناهج العلمية في دراسة التاريخ وكتابته وإسباغ الصفة العلمية على التاريخ في جملته ، وقد أكسب ذلك المؤرخين بعض الدقة العلميه والميل إلي التجرد ، ولكن اتضح لهم بعد ذلك أن دراسة النوع الإنساني شيء يختلف عن دراسة النباتات والحشرات أو خصائص المادة واللبرات ، فكل فرد له حياته الخاصة التميزة التى لا تستطيع أن تتخذها قانونا عاما لسائر حيوات الأفراد الآخرين ، وليس في المستطاع أن تحلل حياة أي إنسان تحليلا علميا يستنبط منه القواعد وتستخرج النظريات ؟ فالإنسان أكثر تعقيدا وتراكبا وأشد تنوعا وأوفر روحانية من أن تستقصي تحليله الأساليب العلمية ، وعجال التاريخ هو الحدس الموفق والنظر الملهم الذي يوحيه الايحاطه بالحوادث واستيعاب الروايات المختلفة ، والتاري يتناول القوي العقلية والبواعث الروحية والدوافع النفسية ، وهي أشياء لا يسهل إخضاعها للبحث العلمي الخالص ، لأنها لأنوزن بالمعايير ولا توضع في أنابيب الاختبار .
وقد أشار شوبنهاور إلى العلاقة بين الشعر والتاريخ فقال : " حقيقة أن التجريخ والتاريخ يعلماننا أن نعرف الإنسان . ولكنهما مجملاننا نعرف " الناس " لا " الإنسان " أى أنهما يقدمان لنا ملاحظات عن سلوك الناس يمكن أن نستخلص منها قاعدة أكثر مما يقدمان لنا لمحات عميقة عن
طبيعة الإنسان الداخلية كالشعر ، على أن هذا لا يمنع أن التاريخ والتجربة في بعض الأحيان يقدمان لنا هذه النفحات ، وعند شوبنهاور أن الشعر هو الذي يقدم للبشرية صورة صحيحة عن " فكرة الإنسان " وان المؤرخ قد يستطيع ذلك إذا نظر إلى التاريخ نظرة فنية واستطاع أن ينفذ إلى الفكرة المستقرة خلف الظاهر العارضة المتقلبة ، أما كار لايل فإنه يخالف شوبنهاور في ذلك بعض المخالفة ويري أن التاريخ هو الشعر الحقيقي ، كما في قوله " إن التاريخ بعد كل شئ هو الشعر الحقيقي ، والحقيقة الواقعة إذا فسرت تفسيرا صحيحا أعظم من مبتكرات الخيال ، بل إن الشعر الحقيق الخالص لا يكون إلا في التفسير الصحيح للحقيقة ؟ .
فالتاريخ ليس لونا من ألوان الأدب فحسب ، بل هو وثبق العلاقة بأسمي ضروب الأدب وهو الشعر ، وقريب الشبه به ؛ والواقع أن حاضرنا النثري في كل لحظة من اللحظات يتساقط ويهوي في ليل الماضي الشعري ، والمؤرخ الذي يستطيع أن ينشر لنا صحف الماضي المطويه لا بد أن يستميله هذا الماضي ويثير عواطفه وشجونه ويأخذ عليه مسالك خياله وسبحات أوهامه ، أى لا بد أن يصبح شاعرا إلى حد ما ، ومن ثم ميل الشعراء إلى الثقافة التاريخية وحرصهم على استحضار صور الماضي واستطلاع أخباره وحوادثه ، ففي كل شاعر يكمن المؤرخ ، وفي كل مؤرخ بتواري الشاعر ، والذي يقرأ كتاب الثورة الفرنسي للمؤرخ توماس كارلايل يعجب كيف انقلب المؤرخ شاعرا ملتهب الخيال رائع البيان ، يعرض عليك الصور النابض بالحياة . والمشاهد الحافلة بالحركة . كما أن من يقرأ رواية ايجمونت للشاعر جبتي ، أو رواية أنطوني وكليوباترا لشكسبير ، أو رواية ولنسنابن للشاعر شار ير كيف تحول الشاعري إلي مؤرخ يقدم لنا لباب التاريخ وجوهره لا قشوره الفانية أو تفصيلاته القليلة القيمة العديمة الجدوي .
فالشعر كثيرا ماختلط بالتاريخ في آداب الأمم المختلفة ،
وكذلك التاريخ كثيرا ما يمتزج بالشعر ، ويتجلي ذلك في تاريخ الأدب العربي في صورة واضحة ، بل ربما كانت هناك أسباب اجتماعية وسياسية جعلت ذلك أوضح في الأدب العربي بوجه خاص ، فالكثير مما تعلمه عن حوادث عهد الجاهلية وأخباره مستمد من الشعر ، والكثير من حوادث العصر الأموي والعصر العباسي لا نستطيع أن نقترب من تصورها وفهم حقيقتها دون الاستعانة بالشعر .
وأثر الثقافة التاريخيه باد في كبار الشعراء المثلين للادب العربي ؛ فالمتني مثلا في القصيدة التى نظمها بمناسبة اصطلاح الأستاذ كافور والأمير أبي القاسم بعد الوحشة التى جرت بينهما يقول :
اشمت الحلف بالشراة عداها وشفي رب فارس من إباد
وتولى بني البزيدي بالبصره حتي تمزقوا في البلاد
وملوكا كأمس في القرب منا وكطم واختها في البعاد
ويظهر أثر ثقافة أبي تمام التاريخية في القصيدة التي عزي بها مالك بن طوق عن أخيه القاسم بن طوق ، وهو يخاطبه قائلا :
*
فإن تك مفجوعا بأبيض لم يكن يشد علي جدواء عقد التمائم
يغارس دعمي وهضبة وائل وكوكب عتاب وجمرة هاشم
فمن قبله ما قد أصيب نبينا ابو القاسم النور المبين بقاسم
وخبر قيس بالجلية في ابنه فلم يتغير وجه قيس بن عاصم
وقال علي في التعازي لأشت وخاف عليه بعض تلك الماتم
أنصبر للباوي عزاء وحسبة فتؤجر ام تسلو سلو البهائم
وللطرفات يوم صفين لم يمت خفاتا ولا حزنا عدي بن حاتم
ويختم هذا العرض التاريخي بهذين البيتين الحكيمين :
خلقنا رجالا للنصر والأسي
وهن نساء للبكا والمآتم
وهل من حكيم ضيع الصبر بعدما
رأي الحكماء الصبر ضربة لازم
وثقافة أبي العلاء التاريخية تتجلي في رسالة الغفران ، وتكاد تظهر في كل صفحة من صفحات اللزوميات ، وأبو العلاء هو القائل :
ما كان في هذه الدنيا بنو زمن
إلا وعندي من أخبارهم طرف
وفي مفاخرات الأخطل والفرزدق كثير من الإشارات التاريخيه، أنظر مثلا إلى قول الفرزدق مخاطب مناظره . الشاعر جربرا ويفاخر بأجداده :
لولا فوارس تغلب ابنة وائل
دخل العدو عليك كل مكان
ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا
نارين اشرقتا علي النيران
وهو في هذين البيتين يشير إلى يوم خزاز الذي انتصر فيه العدنانيون على اليمنيه ، وكان كليب وائل من الأبطال البارزين في ذلك اليوم المشهور .
والتاريخ من الموضوعات التي شغلت حيزا كبيرا في آداب اللغة العربية ، فالمؤرخون في تاريخ الأدب العربي كثيرون والمؤلفات التاريخية كثيرة موفورة ، وقد كان أول مؤلف في التاريخ هو السيرة النبوية التي جمعها ابن إسحق وقد ظهرت في أوائل عهد الدولة العباسية ولم تكتب سيرة النبي في عهد الأمويين لأنها بطبيعة الحال كانت تهز ولاء الناس للأسرة الأموية وتضعف مركزها ، لأنها تذكر أشياء كثيرة لا يروق الأمويين إذاعتها وترديدها ؛ وقد كان من أقوي البواعث على نشأة التاريخ عند العرب العناية بتفسير القرآن والحرص على تعرف معانيه ومضامينه ، فقد تناول القرآن حوادث شتي من الحوادث التي كانت جارية في عهد نزوله ؛ ومن ثم وجبت معرفة مناسبات تزول الآيات ، وقد كانت الصحابة تعرفها ولكن الأجيال التالية كانت تجهلها ، والقرآن نفسه لا يذكرها مفصلة مستوفاة ، وإنما يوجز في الإشارة إليها ويكتفي باللمحه الدالة . وفيه كذلك اشارات إلى الأمم القديمة وتاريخها ؛ والمدارس المتفقه بسره أن يزيد عامه بتلك الحوادث ويلم بأطرافها ويستوعها ، والحاجة إلى
التشريع كذلك جعلت البحث التاريخي ضرورة من الضرورات ، وقد استلزم ذلك الاجتهاد في جمع الأحاديث وتحري أخبار رواتها ونقلتها ، واهتمام المسلمين بمعرفة أخبار النبي وأبطال الإسلام استلزم بذل مجهود كبير ، ويعزي إليها نشوء الجغرافيا وكتابة التراجم .
- ونري من ذلك أن التاريخ قد نشأ إلى حد كبير باعتباره شرحا لآيات القرآن من ناحية ومعينا على التثبت من صحة الأحاديث وأخبار النبي من ناحية أخرى ، على أنه كان كذلك شرحا للشعر من وجوه كثيرة ، وقد كان الشعر عند العرب في جاهليتهم طريقة قبلية لتسجيل التاريخ ، والمؤرخون المتقدمون يذكرون الشعر لبيان بعض الحوادث الهامة وتوضيح ما غمض من أخبارها ، والشعر العربي بطبيعته لا يمكن الناظم من عرض المعلومات الدقيقة المفصلة ، ويكتفى الشاعر في العادة بذكر أسماء الأمكنة والأشخاص الذين برزوا في الحوادث وأبلوا فيها بلاء حسنا ووقفوا مواقف مشرفة في النضح عن القبيلة ومدافعة أعدائها ، ولذا كان من اللازم الاستعانة بالتاريخ للاستفاده من معرفة هذه الحوادث التي يشير إليها الشعراء إشارات سريعة موجزة ؛ وقد أشار زهير بن أبي سلمي في معلقته المعروفة إلى ذلك الخلاف الخطير الذي وقع بين عبس وذبيان وأدى إلى نشوب حرب طاحنة بينهما ، ونوء بالسيدين الذين سعيا في رأب الصدع ، وهما الحارث بن عوف وهرم بن سنان ، ويقال إنهما خارجة ابن سنان والحارث بن عوف فقال عنهما :
يمينا لنعم السيدان وجدتما
على كل حال . من سحيل ومبرم
تداركتما عبسا وذبيان بعدما
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
٠٤١ ولكنها ) إشارات تستوجب التعليق والشرح والتفصيل لتوضيحها وجلاء غامضها ، لأن الشعر العربي - على الأقل في تلك الفترة - لم يكن يتسع لمثل هذا التفصيل ، ومعظم الأشعار النارغية التي تشير إلى الحروب التي وقعت بين القبائل المختلفة في الجاهلية أو صدر الإسلام لا تطيل السرد ولا تفصل الحوادث تفصيلا يغني عن الاعتماد على المؤرخين ؛ ولذا كان لابد من الاستعانة بالتاريخ على فهم الشعر وتكوين صورة واضحة عن الحوادث التي يشير إليها .
وفي القرن الثالث الهجري ظهرت محاولة جديدة في الشعر التاريخي محاول التفصيل والإطالة وبيان الحوادث
مسلسلة متتابعة ، وقد قام بهذه المحاولة عبد الله بن المعتز الشاعر الذي ولى الخلافة يوما وليلة ، فنظم أرجوزة أسماها " كتاب سيرة الإمام " فصل فيها أخبار الخليفة العباسي المعتضد حتى وفاته في سنة ٢٨٩ وهو يقول في مطلعها :
باسم الإله الملك الرحمن ذي العزه والقدره والسلطان
الحمد لله على الائه احمده والحمد من نعمائه
أبدع خلقا لم يكن فكانا واظهر الحجه والبيانا
وجعل الخاتم للنبوة احمد ذا الشفاعة المرجوة
الصادق المهذب المطهرا صلي عليه ربنا فاكثرا
مضي وأبقى لبني العباس ميراث ملك ثابت الاساس
برغم كل حاسد يبغيه يهدمه كانه يبنيه
هذا كتاب سير الإمام مهذبا من جوهر الكلام
أعني أبا العباس خير الخلق لذلك قول عالم بالحق
قام بأمر الملك لما ضاعا وكان نهبا في الورى مشاعا
وهو يمضي في القصيدة على هذا النسق مشيرا إلى كثير من الحوادث التي وقعت في عهد المعتضد واصفا موقفه منها وأسلوبه في علاجها .
وقد نحا نحوه أبو فراس في قصيدته الرائية المشهورة ومطلعها . .
لعل خيال العامرية زائر فيسعد مهجور ويسعد هاجر
وقد ذكر فيها أعمال أجداده ، وعدد مأثرهم، وفاخر بمواقفهم ، ونوه ببطولتهم وكرمهم ، ثم عرج على سيف الدولة ثمدحه قائلا :
الاقل لسيف الدولة القرم إنني
على كل شئ غير وصفك قادر
فلا تلزمني خطة لا أطيقها
ولو لم يكن فخري وفخرك واحد
فمجدك غلاب وفضلك باهر
لما سار عني بالمدائح سائر
- وبذكر أفرادا آخرين من أقاربه مادحا لهم مثنيا على شجاعتهم وإقدامهم ، وختتم القصيدة الطويلة بقوله :
نطقت بفضلي وامتدحت عشيرني
فما أنا مداح ولا أنا شاعر
والحقائق التاريخيه التي أشار إليها أبو فراس في قصيدته تستلزم الرجوع إلى المؤرخين واستشارتهم في تقدير صحتها ،
* فقد كان الرجل شاعرا مفاخرا ، فمن المحتمل إلي حد كبير أن يصنع من الحية في أعمال أجداده قبة ، وأن يضيف إليهم مفاخر لا يستحقونها وينسب لهم مواقف لم يكن لهم فيها شئ من الفضل ، ومن الطبيعي أن يغفل ذكر عيوبهم ومساوئهم وأخطائهم .
ومن هذا القبيل أرجوزة ابن عبد ربه التي ذكر فيها مغازي الخليفة الأموي الأندلسي عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر ويقول في مطلعها :
سبحان من لم تحوه أقطار ولم تكن تدركه الابصار
ومن عنت لوجهه الوجوه فما له ولد ولا شبيه
سبحانه من خالق قدير وعالم بخلقه بصير
وأول ليس له ابتداء واخر ليس انتهاء
ثم يبدأ الدخول في الموضوع فيقول :
أقول في أيام خير الناس
ومن تحلى بالندي والياس
ومن أباد الكفر والنفاقا وشرد الفتنه والشقاء
ونحن في حنادس كالقيل وفتنة مثل غثاء السيد
حتى تولى عابد الرحمن ذاك الاغر بن مروان
مؤيد حكم في عدائه سبقا يسيل الموت من طياته
والقصيدة مقسمة حسب السنوات ، فهي على نمط الحوليات التاريخيه، وهي حافلة يمدح عبد الرحمن وإ كباره والإعجاب بمواقفه وأعماله ، وذكر الأماكن التي انتصر فيها عبد الرحمن وأخضع أعداءه ، وقل شوكتهم ، وفرق جموعهم ، وتصف غزواته ونسفه للحصون المليئه وفرضه الشروط الشديدة على أعدائه الثائرين ، ونغمة المدح التي الزمنها ابن عبد ربه في أرجوزته يجعل بطبيعة الحال يجور على الحقائق التاريخية خشية ان يجرح شعور الخليفة ، وذكر الوقائع على حقيقتها بقتضي الإشارة إلى مواقف قد يسوء الخليفة ذكرها أو ذكر أعمال قد يروقه اغفال أمرها ، فعي مثل أرجوزة ابن المعتز وقصيدة أبي فراس لا تغني عن استشارة المراجع التاريخيه للثبيت مما ورد فيا .
وربما كانت قصيدة أبي فراس أقرب هذه القصائد الثلاث إلى الشعر وأجدرها بأن تسمى قصيدة ، فيها آيات ممتازة قوية النظم بليغة الأداء . وعتاز أرجوزة ابن عبد ربه السلاسة والسولة ، أما ارجوزة ابن المعتز فلها قبل كل شئ فضل السبق والتقدم وإخضاع الشعر العربي لهذا النوع من السرد التاريخي .
وقد سار على هذه الطريقة أديب أندلسي آخر من شعراء الذخيرة وهو أبو طالب عبد الجبار من أهل جزيرة شقر ، وكان يعرف بالمثني ، ويقول عنه ابن بسام : " إنه أبرع أهل وقته ادبا ، وأقيمهم مذهبا ، وأكثرهم تثقفا في العلوم ، وأوسعهم ذرعا بالإجادة في المنثور والمنظوم ولعبد الجبار هذا أرجوزة في التاريخ يقول في مقدمتها إنها في معنى ما تضمنته كتب التاريخ ، وإنه " قطف عيون زهرها ، والتقط مكنون دررها ، واقتصر على أقلها دون اكثرها ، مما لا يسع جهله ، وحذف كل حديث يتغلغل وخبر يتسلسل " ، وقد ذكر فيها تاريخ فتح الأندلس وما اتصل ذلك من اخبار أملاكها إلى وقته وهو القرن الخامس الهجري ، وذكر من وليها من بني أمية وغيرهم ، وذكر كذلك خلفاء بني العباس في الشرق ، ومن قوله فيها عن دولة الرابطين :
فإذا أراد الله نصر الدين استسرخ الناس ابن تلتفين
فجاءهم كالصبح في إثر غسق مستدركا لما تبقي من رمق
وأي أبو يعقوب كالعقاب فجرد السيف عن القراب
وهذه الأرجوزة قوية النظم حسنة السرد تلخص حوادث التاريخ تلخيصا لا يخلو من نفحة الشعر وجمال الفن وتستحق أن يلتفت إليها ويرجع لها في القسم الأول من المجلد الثاني من كتاب الذخيرة .
وفي قصيدة ابن يدرون التي ربي بها بني الأفطي إشارات تاريخية بارعة في أسلوب شعري مؤثر ، وأحسها من أجمل القصائد التاريخية في الأدب العربي ؛ ودواوين أكثر الشعراء تلقي ضوءا باهرا على تاريخ العصور التى عاشوا بها ، وكثيرا ما نجد بها أوصافا بارعة للمواقف السياسية ، والوقائع الحربية ، والحوادث المعاصرة ، وقد كانت خدم الغرض الذي تستخدمه الصحافة في عصرنا الحاضر ، وقد كان الشعراء إلى حد كبير يعبرون عن الحوادث المعاصرة ويصفون أثرها في عواطف الشعب ، وليس ذلك بالغريب ، لأنهم ألسنته الناطفة وقلةبه الخاقفة ، والعلاقة بين الأدب والتاريخ بوجه عام وبين الشعر والتاريخ بوجه خاص علاقة أكيدة لا انفصام لها ، فهما يتعاونان على تصوير الحياة ورصف تجاربها واستخلاص عبرها وتفهم أسرارها .
