الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 543الرجوع إلى "الرسالة"

الشعر العربي

Share

(تتمة)

الواقع أن الارتكاز في اللغة العربية موضوع شاق لا يزال  في حاجة إلى البحث، ونحن لا نظن أن المستشرقين يستطيعون  بحثه، لأن معرفتهم باللغة مهما اتسعت لا يمكن أن تصل إلى  الإحساس بمسائل موسيقية لغوية دقيقة كهذه. فهل مستطيعون  نحن ذلك؟

ليسمح لي القارئ بأن أقول إنني قد حاولت حل هذا  الإشكال في بحث طويل كتبته باللغة الفرنسية بعد دراسة وتحليل  لثلاثة أبحر من الشعر العربي بمعمل الأصوات بباريس، وهي  الطويل والبسيط والوافر(1).

ولنأخذ مثلاً من هذه الدراسة بيت امرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله   علي بأنواع الهموم ليبتلي فهو يوزن على مذهب أوالد كما يأتي، (مع رمزنا للمقطع

القصير بالعلامة ب والطويل بالعلامة -) :

ولكن هذا الوزن لا يبصرنا بالحقيقتين الكبيرتين اللتين  يقوم عليهما الشعر في كافة اللغات، وهما: الكم والإيقاع. الكم mesure

نقصد بالكم لا كم كل مقطع منفردا، فذلك ما سبق أن  أوضحناه، بل كم التفاعيل، فنحن هنا أمام تفاعيل متجاوبة (التفعيل  الأول يساوي الثالث والثاني يساوي الرابع) ، ولكننا مع ذلك  نسلم بجواز زحافات وعلل، فكيف يستقيم الكم برغم هذه  الزحافات والعلل التي تنقص من التفعيل في الغالب.

هذه المشكلة حيرت المستشرقين، ولقد حاول العالم الفرنسي  الثبت جويار Guyard أن يحلها في كتاب له بعنوان: Nouvelle   theorie de la mtrique arabe ، وفيه يطبق مواضعات  الموسيقى وأصولها على الشعر العربي، ولكنه لا يدخل في حسابه  غير الحروف الصائتة كما يفعلون في الموسيقى، فيغطى تلك الحروف المختلفة قيما متفاوتة من نقطة بيضاء إلى نقطة سوداء إلى كروش  إلى كروش مزدوج. . . الخ. ومن البين أنه قد أخطأ لسوء الحظ  السبيل بإهماله كم الحروف الصامتة العظيمة الأهمية في اللغة العربية  واللغات السامية عامة كما أشرنا.

والذي اهتدينا إليه بحساب الآلات الدقيقة هو ما يأتي،  مقدرين كم كل تفعيل بأجزاء من مائة من الثانية: ٧٤،   ٢/١ ١٣٢،١٣٢ ٧٧، ١٢٣  ٧٧ ، ١/٢ ١١٥ ، ١/٣ ٨٥ ، ١٣٣ وهذه نتائج غريبة نلاحظ عليها:

١ -  أن التفاعيل المزحفة كالتفعيل الخامس والسابع قد  ساوى كمها في النطق كم التفاعيل الصحيحة بل زاد.

٢ -  أن هناك فروقا بين التفاعيل المتساوية كالتفعيل الثاني  والرابع والسادس والثامن.

وتفسير ذلك هو أولاً: أن الفروق التي ظهرت في حساب الآلات لا تدركها الأذن، لأنه من الثابت أن الفرق الذي  لا يزيد عنه ١٠٠/١٦ من الثانية لا تكاد تدركه الأذن، وإذن فهذه نستطيع إسقاطها.

ثانياً: وأما عن المساواة التفاعيل المزحفة للتفاعيل الصحيحة  فهذا يفسر بحقيقة هامة تحدث عند إنشاد الشعر، وهي عبارة  عن عمليات تعويض تقوم بها آلياً. وهذا التعويض يحدث بطرق  مختلفة، منها تطويل حرف صائت بشرط ألا ينتج عن ذلك لبس  يأتي من قلب الحرف القصير بطبيعته اللغوية إلى حرف طويل،  ومنها مد النطق في حرف صامت متماد كالسين أو اللام أو غيرهما،  ومنها الصمت بعد لفظ أو عند حرف آني كحروف الانفجار  مثل الياء والفاء وغيرها

وإذن فالزحافات والعلل لا تغير شيئا في كم التفاعيل عند  النطق وهي لذلك لا تكسر الوزن

الارتكاز Ictus

الارتكاز عنصر أساسي في الشعر العربي بل عنصر غالب،  ومن تردده يتولد الإيقاع، ولهذا بحثنا عنه في عناية. والذي  يبدو لنا هو أن هناك ارتكازاً على المقطع الثاني من التفعيل  القصير   (فعولن) ، وأما التفعيل الكبير فيقع عليه ارتكازان  أحدهما أساسي على المقطع الثاني والآخر ثانوي على المقطع الأخير  في   (مفاعيلن) ، وقد رمزنا للارتكاز الأساسي بالعلامة    (وللارتكاز الثانوي بالعلامة) . ومن المعلوم أن الارتكاز  لا يقع إلا على مقطع طويل ومن ثم نلاحظ أن هذا الوزن لا بد

أن يسلم منه دائماً مقطع طويل بعد المقطع الأول القصير؛ فإذا  لم يحدث ذلك انكسر البيت؛ فالمجموعة   (٧ - )  الموجودة  في أول كل تفعيل من البحر الطويل هي النواة الموسيقية للبيت  وهي عبارة عن وتد مجموع في لغة الخليل

ومن عودة الارتكاز على هذا المقطع من كل تفعيل يتكون  الإيقاع، لأنه كما قلنا عبارة عن عودة ظاهرة صوتية ما على  مسافات زمنية محددة

وإذن فاستقامة الوزن أو عدم استقامته لا يعود إلى الكم  الذي تؤثر فيه الزحافات والعلل تأثيراً ظاهرياً فقط إلا إذا نتج  عن هذه الزحافات والعلل فقدان للنواة الموسيقية التي تحمل  الارتكاز

ولكن هل ينتج عن ذلك أن الشعر العربي شعر ارتكازي  بمعنى أن مقاطعه تتميز بأنه تحمل ارتكاز ضغط أو لا تحمله؟  الجواب أيضاً بالنفي، في المقاطع العربية كما تحمل الارتكاز تتميز  بالكم كذلك؛ وإذن فالشعر العربي يجمع بين الكم والارتكاز  وربما كان هذا سبب تعقد أوزانه

ونلخص طبيعة الأوزان العربية بأنه تتكون من وحدات  زمنية متساوية أو متجاوبة هي التفاعيل، وأن هذه التفاعيل  تتساوى أو تتجاوب في الواقع عند النطق بها بفضل عمليات  التعويض سواء أكانت مزحفة معلولة أو لم تكن، وأن الإيقاع  يتولد في الشعر العربي من تردد ارتكاز يقع على مقطع طويل  في كل تفعيل ويعود على مسافات زمنية محددة النسب، وعلى  سلامة هذا الإيقاع تقوم سلامة الوزن

وهكذا ننتهي في هذا المقال إلى ما انتهينا إليه في المقال  السابق من قيام كافة الأشعار على عنصري الكم والإيقاع؛  وأما موضع الاختلاف بين الأشعار المختلفة فهو في كيفية تحقيق  هذين العنصرين.

اشترك في نشرتنا البريدية