الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 530الرجوع إلى "الرسالة"

الشعر العربي في المهجر

Share

قرأت رأي الأستاذ الظريفي في تعليل طابع الشعر في المهجر،  وأقرب إلى المعقول هو رأي قديم لي سبق أن أبديته في مناسبات  أدبية لأفراد الجالية اللبنانية بكوم حماده، وخلاصته أن هذا الأدب  هو صراع عنيف بين عقليتين متباينتين: عقلية الشرق بما فيها  من روحانية وسمو وتوكل، وعقلية مادية قاسية لا ترحم المتواني    (خصوصاً في أمريكا الشمالية حيث ظهر معظم أدباء المهجر) ،  وكان نتيجة هذا الاصطدام الحنين إلى حياة الشرق بما فيها من  دعة وبساطة، وهذا الحنين ظاهر في حياة أقطاب مدرسة  المهجر، فكتابات جبران الإنجليزية والعربية تترجم عن ذلك  بجلاء؛ وكأني به يريد أن (يمشرق) أمريكا قبل أن (يتأمرك)   وهو وأبناء جلدته. وقد أقبل الأمريكان على فلسفته إقبالاً  لا نظير له أصاب منه ثروة لا يحلم بها أديب من أدباء العالم.  ومن دواعي عظمة هذا الرجل أن طبيباً عالماً من كبار أطباء  إنجلترا وفيلسوفاً يشار إليه بالبنان هو هافولك إليس كان  يستشهد بأقوال جبران في كتابه العظيم (سيكولوجية الحب)   ويدعوه بالشاعر النبي، ومع هذا الجاه كان جبران يحن إلى الشرق  بقلبه وروحه ويود لو أمضى بقية أيامه في وطنه بين أحضان الطبيعة.  وقد فاوض ذوي الشأن في شراء دير ماري سركيس بلبنان  ليكون مقامه ولكن المنية عاجلته وقد نقلت إليه رفاته

مثل ذلك ما فعله ميخائيل نعيمة فقد أصاب ثروة في أمريكا  ولكنه آثر الدعة والبساطة فعاد إلى وطنه وعاش في صومعة  في جبل صنين

ومنذ ربع قرن زار مصر فيلسوف الفريكة أمين الريحاني  وقال في حفلة تكريمه قصيدته المنثورة المشهورة: (أنا الشرق  عندي فلسفات) وقد طلعت علينا وقتئذ مجلة السفور تندد  بأدبه، ومع أنه نال حظاً وافراً في دوائر الأدب والنقد في  أمريكا كان يفر إلى منسكه بالفريكة كلما بهظه ثقل مادية أمريكا

هذه ظاهرة جلية لا يمكن تعليلها إلا بما أبديت من رأي.  وما أشبه أدباء المهجر بروسيا فقد أخذت من الغرب مدنيته،  ولكنها ظلت شرقية بروحها. وكان نتيجة هذا الازدواج  أن أخرجت كتاباً ملهمين أمثال تولستوي ودستفوسكي  وتشيخوف تفيض كتاباتهم بالروحانية (كوم حمادة - بحيرة)

اشترك في نشرتنا البريدية